الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 210، ألقاها
المقطعان الأول والثاني يتحدثان عن ترجمة إسماعيل بن عليا، أحد كبار حفاظ الحديث في البصرة، وثناء العلماء عليه مثل شعبة بن الحجاج والإمام أحمد بن حنبل، مع ذكر بعض الانتقادات الموجهة إليه وزلته في القول بخلق القرآن وندمه ورجوعه.
المقطعان الثالث والرابع يتناولان حكم استعمال آنية المشركين، حيث ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يستعملون آنية المشركين دون إنكار، واستدل بذلك على جواز استعمالها ما لم يتبين فيها شيء من الخمر أو الخنزير، ويُستحب غسلها إذا وُجد فيها شيء من ذلك.
يتم التأكيد على جواز استعمال آنية المشركين مع بيان الأفضل في حالة وجود نجاسات فيها مثل لحم الخنزير أو الخمر، حيث يُستحب غسلها قبل الاستعمال كما جاء في حديث أبي ثعلبة الخشني.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال شيخنا مغول بن هاد الوالد رحمه الله: قال أبو داود رحمه الله تعالى: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، وهو عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي، ابن خواستي العبسي مولاه، وهو محدث كبير، محدثي الكوفة، من حفاظ الكوفة، هو وقته أبو بكر بن أبي شيبة، وهو أحفظ منه، أبو بكر أعلم من عثمان وأحفظ. وأبو بكر بن أبي شيبة يقارن بأحمد بن حنبل ومن في طبقته، ولهما أخ أيضا يقال له القاسم، القاسم بن أبي شيبة، وفيه ضعف، وعثمان حافظ، أخطأ في بعض الأحاديث، لكنه كان يعتبر من حفاظ أهل الكوفة. قال: أخبرنا عبد الأعلى، وهو ابن عبد الأعلى السامي البصري، كان بصريا ثقة، ويعتبر من حفاظ البصرة، قاله إسماعيل. إسماعيل هو ابن عليا، إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاه، كان رجلا صالحا، وحصلت منه هفوة، ويغفر الله له، لكنه كان من أكبر حفاظ أهل البصرة، بل لا يوازيه أحد، بل كان بعضهم يفضله على حماد بن زيد، يفضله على حماد بن زيد. كان شعبة بن الحجاج، وهو شيخه، يقول: إسماعيل بن عليا سيد المحدثين. يقول: سيد المحدثين. فإسماعيل بن عليا، وابن عليا هذه جدته، ويقال: أمه، أمه معنى لأنها جدته، كما ذكر ابن سعد: أن هذه عليا هي مولاة لبني شيبة، تزوجها مقسم جد إسماعيل، ومقسم هو من سبي خراسان، فسكن الكوفة، وتزوج ابن عليا في البصرة، كانت معنى من جارية من جواري البصرة، تزوجها، وكانت امرأة عاقلة. وغالبا تجد أن الإنسان لا ينسب إلى امرأة إلا غالبا أن هذه المرأة لها ذكاء، ولها أيضا معنى، لها وزن عندها المجتمع، حتى ينسب الناس إليها أو ينسب أبناؤها إليها، فإسماعيل كان ينسب إلى جدته عليا. قال إسماعيل بن عليا: وكان يقول: من قال ابن عليا فقد اخطأ، لكن قال الإمام الذهبي رحمه الله: وهذا جفاء منه، كم من عالم، وكم من صحابي يذكر باسم أمه، ولا يؤثر ذلك عليه، فهذا محمد بن الحنفية، أنه يذكر تذكر أمه، حتى يميز عن أبناء فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم. والمهم أن هذا ذكر الأم، هذا لا يؤثر ما دام أنه قد اشتهر الإنسان به. ولهذا تجد أن العلماء لم يتحاشوا من ذكر قولهم إسماعيل بن عليا، إلا بعضهم توري مثل الإمام الشافعي رحمه الله، وكان يقول: حدثنا إسماعيل الذي قال له ابن عليا. فإسماعيل كان حافظا كبيرا، وأيضا يقول الإمام أبو داود: ما رأيت أحدا من الحفاظ إلا ويخطئ، إلا ما كان من إسماعيل بن عليا وبشر بن المفضل، قال: ليس لهم خطأ، إلا أنه أخطأ في اسم رجل معنى في حديث جابر، في اسم المولى الذي باعه سيد، فجعل اسمه اسم مولاه نعيم بن همار، فجعل العبد نعيم بن همار، وهذا خطأ لا يؤثر. فإسماعيل كان من حفاظ البصرة، وأخذ عليه أنه لما كان طالبا للعلم، كان حفظه جيد جدا، معنى قد لا يدرك أحد في حفظه، وحفظ حديث كثير. بل قال بعض العلماء وبعض التلاميذ: ما كان يكون معه كتاب، وما رأيته معه كتاب، وكان يأتيه الإمام أحمد وغيره من الأئمة، حفاظ الكبار. وقال إسماعيل بن علي لابن معين: ما ترون حديثي عندكم؟ فقال له ابن معين: حديثك مستقيم. فقال: وكيف عرضت ذلك؟ قال: عرضناه على حديث الناس. فقال له ابن معين: فما زال يقول الحمد لله، الحمد لله، قال: حتى دخل إلى بيت بشر بن معروف. فهذا يدل على أنه كان يثق بهؤلاء العلماء الذين كانوا هم تلاميذه، يعتبرون. لكن كان في بدايته، كان لا يدخل أحد عليه إلا بشفاعة، ما يدخل أحد عليه إلا بشفاعة. وهذا الذي جعل الإمام أحمد يتكلم عليه، لأن الإمام أحمد ما دخل عليه إلا بشفاعة، أدخل. وقال: أدخلني عنده رجل أنصاري، قال: فدخلت عليه، فلما رآني قال: من أدخل هذا؟ فقال الرجل الأنصاري: أنا. ثم إنه عرف بعد ذلك مكانة أحمد ومكانة هؤلاء العلماء. وأيضا مما أخذ عليه أنه لما جاء للبصرة استعمله بعض أمراء بني العباس في الصدقات، في إدارة الصدقات، فلهذا رغب عنه كثير من العلماء بذلك، وذموه. وذكر بعض أهل السير أن ابن المبارك أرسل إليه شعرا يلومه فيه، وذكر أولا في بدايته: يجعل العلم له بازية يصطاد أموال المساكين، لأنه كان يأخذ الصدقة أو الزكوات من الناس، أحيانا يكون فيها إجحاف. ثم ذكره بروايات عن ابن عون وابن سيرين، وأين ذهبت هذه الروايات؟ وكذا الشعر معروف لنا. بعض العلماء يقول: القصة فيها شيء، لكن تولي إسماعيل الصدقات هذا ثابت. وأيضا أخذ عليه كلمة، ونتكلم بها حتى بعد ذلك ندم ورجع، لما حدث بحديث أبي هريرة في إتيان البقرة وآل عمران، كأنهما غيايتان أو غمامتان يحاجان عن صاحبهما، فقيل له: بما يحاجان؟ ألهما لسان؟ قال: نعم، وإلا فكيف سيتكلمان؟ فأخذوا هذا عنه أهل الحديث، واعتبروا ذلك أنه قول بخلق القرآن، لما قال: أن لهما لسانا يتكلم. فلهذا ذموه بهذا، حتى أن بعض ملوك بني العباس، معنى أنه أنكر عليه إنكارا شديدا، حتى شتمه، فأظهر الندم ورجع عما قال، بل وأظهر ذلك أمام الناس، أنه لم يكن يقصد ذلك، وإنما تعجل فأخطأ. قال: تعجل وأخطأ، فظن أن الكلام لابد أن يكون له لسانا، مثل ما يقول أولئك المعتزلة والمشبهة الذين ليست لهم عقول في هذا الباب، ليس كل شيء يتكلم لابد لهم من لسان، وهذا جهل. فاستعجل هذا الإمام فحصلت منه هفوة، فكان يقول للأمين: أنا زلة من عالم، زلة حصلت مني. فكان الإمام أحمد يقول: كان موقف الأمين يحسد عليه، معنى كان موقف عظيم، أنه عاتبه في هذه الكلمة، مع أنه أخوه المأمون بعد ذلك جعل الناس أو امتحن الناس، امتحن العلماء، امتحن الصالحين بخلق القرآن. وأما الأمين فلم يكن كذلك، وهارون الرشيد أيضا لم يكن كذلك، هؤلاء إخوة، أو أقصد هارون أبوهم، والمأمون ابنه، والأمين كذلك. كان الأمين على السنة، وكان ملوك بني العباس على السنة، حتى أحدث المأمون ما أحدث من خلق القرآن. فالمهم أن إسماعيل رحمه الله زل ثم تاب ورجع، لكن بقيت هذه في بعض قلوب أصحاب الحديث، فكان بعضهم مثل أبي سلمة الخزاعي حلف أن لا يروي عن إسماعيل، لما سمع مثل هذا الكلام. وهذا يدل على أن هؤلاء كانوا غيرون على السنة، أن عندهم غيرة شديدة على السنة، فهذا إسماعيل نجم يعتبر، فكلامه هذا سيغري كثيرا من الناس، فلهذا شد عليه أو شدد عليه في هذه الكلمة. ثم إنه رحمه الله بقي بعد ذلك أنه لا يطلب العلم، بقي معه العلم، لكن استفاد منه الناس بعد ذلك، وترك ما كان عليه من عمل عند الأمراء، وجلس يدرس الناس، وأيضا يحدث بحديث في البصرة. فكان من أكثر الناس تثبتا، كان يقول أيضا الإمام أحمد: إليه المنتهى في التثبت. وقال الإمام ابن معين: كان إسماعيل ثقة، عالما، دينا. وهذه شهادة عظيمة من يحيى، من أبي زكريا يحيى بن معين رحمه الله. وكان لإسماعيل ثلاثة أبناء: محمد، وحمد، وإبراهيم. أما محمد فهو شيخ مسلم، وهو شيخ فاضل، إمام مثل أبيه، لكنه لم يدرك أباه، معنى مات أبوه وهو صغير. وكذلك حمد شيخ النسائي، من مشايخ النسائي، وهو أيضا ثقة، وهو قاضي من قضاة البصرة. وأما إبراهيم فكان رجل خبيث، ورجل جهمي، جلد، وخرج عن ما كان عليه أبوه من السنة. قال عن برد بن سنان، وبرد بن سنان هو القرشي، مغمور، وهو ثقة، وبعضهم ذكر أنه ضعيف، كعلي بن المديني، لكن الأكثر وثقه، فلهذا قال عنه الحافظ: صدوق، لكن اختلف هل هو برد بن سنان الذي يروي عن أنس أو غيره، هو شامي، لكنه سكن البصرة، معنى نزل البصرة، وحدث عن أهل البصرة، وعن أهل الحجاز، وإلا أصله شامي من دمشق. قال عن عطاء، وعطاء بن أبي رباح، إمام أهل الحجاز، كان عالما كبيرا. قال عنه ابن عباس: كيف تأتوني وعندكم عطاء؟ أو قال: كيف تستفتوني وعندكم عطاء؟ معنى هذه شهادة من شيخه ابن عباس رضي الله عنه. وكان عطاء المفتي في مكة، وخاصة في المناسك، أيام الحج، يأتي الناس ويسألونه، فكان عالما فاضلا، رأى ابن عمر، ودرس عن ابن عباس، وغيره من الصحابة. وكانت الملوك تهابه، مع أنه كما ذكر ابن سعد وغيره: أنه كان أسودا، عبدا، أسودا، هو عبد، وكان أسودا، وكان شعره مجعدا، معنى مجعد، وأيضا كذلك كان أفطسا، وأعور، وأعرج، وله فقرة في ظهره، مع هذا، معنى الشكل هذا، معنى كثير من الناس تجد مثل هؤلاء لا يلقون لهم بالا، إلا أن الله عز وجل رفعه بالعلم. قال: رأى ابن عمر، ودرس عن ابن عباس، وغيره من الصحابة. وكان يدخل على أمراء بني أمية، فينفذون له ما أراد، كما ذكر عثمان بن عطاء بن مسلم الخراساني، قال: دخل على هشام بن عبد الملك، فكان يقول له: سل أبا محمد، فيقول: أهل مكة يريدون كذا وكذا، وأهل فلان يريدون كذا وكذا، فكان يسأل لغيره، فكان ينفذ كل ما قال له شيئا، قال: اكتب لأهل مكة كذا وكذا. فقال له بعد ذلك هشام بن عبد الملك: يا أبا محمد، هذا للناس، وما لك؟ قال: ما لي شيء عندكم من الدنيا، لا أطلب الدنيا من أهل الدنيا، أو كما قال رحمه الله. فكان الرجل المهابا، رضي الله عنه، رفعه الله بالعلم، العلم عز ورفع في الدنيا والآخرة، كما قال الإمام الأعمش: لو كنت بقالا لقذرني الناس، لو كنت بقالا وأبيع شيئا من الخضرة وكذا لقذرني الناس، وما يأتون عندي حتى يستروا. يريد أن الله عز وجل رفعه بالعلم، يأتي الناس إليه من كل مكان. وهذا عطاء إمام الحجاز، لا يفتي أحد في مواسم الحج إلا عطاء، حتى لما جاء سعيد بن جبير، جاء الناس إلى عطاء يسألونه، قال: وكأنكم لا تعرفون إلا عطاء. وسعيد كان من خيرة أصحاب عبد الله بن عباس، وأفضلهم، وأعلمهم، لكن كان الناس قد وثقوا بعلم عطاء، فكانوا يسألونه. قال عن جابر بن عبد الله، قال: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنصيب من آنية المشركين، وأسقيتهم، فنستمتع بها، فلا يعيب ذلك عليهم. قال: هذا حديث صحيح، رجاله صحيح، إلا برد بن سنان، وقد وثقه ابن معين وغيره. هذا الحديث فيه بعض المسائل التي تتعلق بآنية المشركين، فآنية المشركين جاءت أحاديث منها حديث أبي ثعلبة الخشني في الصحيح، حين لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن آنية المشركين، قال: «اشربوا وكلوا فيها، إلا أن تجدوا فيها شيئا فاغسلوها وكلوا فيها». وأيضا النبي صلى الله عليه وسلم أخذ مزادة امرأة مشركة، وكان فيها الماء، فصبه على الإناء. وكان أيضا كما قال هنا جابر: كنا نصيب من آنية المشركين، وأسقيتهم، فنستمتع بها، فلا يعيب ذلك عليهم. وكذلك أيضا النبي صلى الله عليه وسلم أكل عند اليهود، أكل عند اليهود، ومن آنيتهم، فكل هذه الأحاديث تدل على ما ذهب إليه الشافعي وأحمد، وهو صحيح، أن آنية المشركين يجوز أن يؤكل فيها، ما لم يتبين فيها شيء من الخمر أو الخنزير. فقال بعض العلماء بوجوب غسلها، وبعضهم قال بالاستحباب، والظاهر هذا، لأن الغسل جاء في حديث أبي ثعلبة، ولم يأت في حديث غيره، فدل على الاستحباب، من باب الشك أنها تغسل إذا وجد فيها لحم خنزير، أو وجد في بعض الآنية خمرا، فإنها تغسل حتى يزال عنها هذا الشيء، وإلا إذا اكتفى مثلا بالمسح، اكتفى بمسحها، فأيضا جائز، معنى ما يجوز له أن يضع شرابا في خمر، أو يضع مثلا طعاما ولحم خنزير فيه موجود، إنما المراد أنه يمسح ذلك أو مثلا يرميه، أو يصب الخمر من الإناء، ثم يستعمل ذلك. والأفضل والأفضل، وهي رواية عن أحمد، المذهب أنه يغسل هذه الأواني، يغسل هذه الأواني، وهو مذهب أبي حنيفة كذلك، أنه يغسل الإناء، ليس على سبيل الوجوب، وإنما على سبيل الاستحباب. وهذا الحديث يدل على ذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليهم. وهذا تتنزل فيه قاعدة الإمام الشافعي التي ذكرها رحمه الله، وهي قاعدة عظيمة: «ترك الاستفصال في قضاء الأحوال ينزل منزلة العموم في المقال»، ترك الاستفصال في قضاء الأحوال ينزل منزلة العموم في المقال. فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا لم يسألهم: هل فيها خمر؟ هل فيها لحم خنزير؟ هل فيها كذا؟ لم يسألهم كذلك، بل رأاهم يأخذون آنية المشركين، ويستمتعون بها، ولا يعيب ذلك عليهم، عليه الصلاة والسلام، فدل على جواز استعمالها في العموم، لكن الأفضل إذا وجد هناك فيها لحم خنزير، أو كذلك فيها خمرا، فإنها تغسل، فإنها الأفضل أنها تغسل، ثم تستعمل، كما جاء في حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه. فهذا ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.