الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين  222

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 222

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 222، ألقاها

قصة حاطب بن أبي بلتعة وكشف أمره

يتناول هذا الفصل قصة حاطب بن أبي بلتعة الذي كتب إلى أهل مكة يخبرهم بنية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غزوهم، وكيف تم اكتشاف أمره ومعاقبته. يُبرز صدق حاطب وعدم نيته الغش أو النفاق لرسول الله.

مفهوم الموالاة والتولي في الإسلام

يشرح هذا الفصل مفهوم الموالاة والتولي في الإسلام، ويوضح الفروق بينهما. يُبيّن أن الموالاة قد تكون كفرًا إذا كانت لإظهار دين المشركين على الإسلام أو محبة لهم ولدينهم، وأن هناك فرقًا بين أنواع الموالاة.

تفصيل أنواع الموالاة للكفار

يتناول هذا الفصل تفصيل أنواع الموالاة للكفار، ويفرق بين الموالاة التي تعتبر كفرا والموالاة التي لا تعتبر كفرا. يُبين أن الموالاة قد تكون كفرا وقد تكون معصية كبيرة دون أن تكون كفرا.

قتال المسلمين وأسبابه

يتناول هذا الفصل مسألة قتال المسلمين ويفرق بين قتالهم بسبب إسلامهم أو بسبب تحالفهم مع الكفار. يُشير إلى أن قتالهم بسبب إسلامهم يعتبر أمرًا مختلفًا عليه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم محمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. ومن بعد، ذكرنا في الدرس الذي مضى حديث جابر في قصة حاطب بن أبي بلتع. وقد ذكر جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن حاطب بن أبي بلتع كتب إلى أهل مكة يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أراد غزوهم. ولم يأتي شيء صحيح عن هذا الكتاب، إلا أن بعض أهل السير ذكر أنه كتب رضي الله عنه إلى أهل مكة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاءكم أو يأتيكم بجيش كبير، وهو غازيكم. ولا شك، وفيه قال: ولو جاءكم وحده لنصره الله. أنا هكذا جاء في بعض كتب السيرة أن حاطبا كتب هذا الكتاب إلى قريش، فهو تهديد. معنى يهدد قريش بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سيأتيهم. لكن إنما عُتب لأجل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخفى العيون عن مكة، ما أراد أحد أن يظهر هذا حتى يفاجئهم، وحتى يأتي إلى مكة. معنى ما يريد القتال في خارج مكة، وإنما يأتي إلى مكة حتى يفتحها الله عز وجل عليه. قد وعده الله بفتحها، قد وعده الله عز وجل كما ذكر في الحديبية. وكان الحديبية تمهيدا لفتح مكة، ولهذا سماه الله عز وجل فتحا مبينا، والمراد به صلح الحديبية. ولهذا قال عمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديبية: ألم تقل أن نذهب إلى البيت وأن أيضا نفتحه؟ فقال له: أقلت لك هذه السنة، أو قلت لك؟ معنى وحددت لك السنة التي نأتي بها. لكن الله عز وجل قد وعد رسوله صلى الله عليه وآله وسلم: «أتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون». فلهذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسر هذا الأمر حتى يفاجئهم، وحتى لا يخرجوا يقابلوه في الطريق. فأرسل حاطبا رضي الله عنه هذا الكتاب إلى مكة مع امرأة، فقال: لا يذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أراد غزوة. فدل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المرأة. معنا جاءه الوحي من الله عز وجل أن حاطبا أرسل مع امرأة كتابا. قال: فأرسل إليها، وهذا من علامات نبوته عليه الصلاة والسلام. لأن هذا الذي فعله حاطبا رضي الله عنه سرا، أنه فعله سرا حتى لا يكتشف أمره. لكن الله عز وجل أراد أمرا، فلهذا أوحي إلى نبيه بخبر هذه المرأة. قال: فدل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المرأة التي معها الكتاب، فأرسل إليها فأخذ كتابها من رأسها، أخرجته من قرونها. وهذا الحديث كما هو معلوم قد جاء عن جمع من الصحابة، وهو في الصحيحين. الحديث: «يا حاطب، أفعلت؟» قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لحاطب: «يا حاطب، يا حاطب، أفعلت؟» وهذا في الاستيثاق من الشخص نفسه حتى يقر بما فعل، ولو كان الإنسان متأكدا أنه فعل حتى يقر بما فعل. وهذه أيضا من الطرق التي ذكرها الإمام ابن القيم من طرق التحقيق، أن القاضي لا يجزم بشيء أخبر به، أنه إذا كان قاضيا أو مثلا رجل أخبر بشيء، لا يأتي إلى الشخص الذي أخبر بما أنه فعل كذا، ولو كان جاء هذا الخبر من طرق، فلا يقول له: أنت فعلت كذا، وأنت فعلت كذا، دون أن يقرره. خاصة كما قلنا إذا كان قاضيا. وهذا يستفيد منه القاضي لأجل التقرير، فلأن إذا أقر على نفسه، فهذه بينة. قال: «يا حاطب، أفعلت؟» قال: نعم. وهذا يدل على صدقه رضي الله عنه، فلم يكذب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل قال له: نعم. لأنه يعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما أخبره إلا لأن الله أخبره بذلك. فقال حاطب رضي الله عنه: «أما إني لم أفعله غشا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم»، وقال يونس: «غشا يا رسول الله»، ولا نفاقا. «أنا لم أفعل هذا لأجل أني أغش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو أفعل ذلك نفاقا». فدل على أن هناك من يخاطب الكفار مثل هذه الأشياء، ممكن أن يكون غشا للمسلمين، وممكن أن يكون نفاقا يفعله. قال: «قد علمت أن الله مظهر رسوله»... وهذا أيضا يدل على أن حاطبا لم يكن بفعله ذلك ظاهرا للمشركين، كما يقوله بعض السرورية وغيرهم، فإنه لم يظاهر المشركين بذلك، وإنما هو يعلم أن الظهور لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي يريده، لكن أراد شيئا آخر، غرضا آخر. فقال: «ومتم له أمره»، أنه هو متيقن بذلك، وأن كتابه هذا لا يغير شيئا. فقال: «غير أني كنت عزيزا بين ظهريهم». فأنا هذا الآن سأذكر عذره رضي الله عنه. قال: «وكانت والدتي منهم». فأردت أن أتخذ هذا عندهم، أنا يتخذ يده، حتى لا يؤذ أهله، حتى لا يؤذ أمه، ولا أيضا إخوانه. فقال له عمر: «ألا أضرب رأس هذا؟» وجاء في رواية الصحيحين: «ألا أضرب رأس هذا المنافق؟» وكذلك جاء في الصحيحين أيضا أن حاطبا قال: «لم أفعل ذلك ردة ولا نفاق». فقال: «ألا أضرب رأس هذا؟» فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «تقتل رجلا من أهل بدر». وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم صدق حاطب، فلهذا قال: «تقتل رجلا من أهل بدر». ما يدريك لعل الله عز وجل قد اطلع على أهل بدر، فقال: «أعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم». فهذه القصة التي ذكرها جابر بن عبد الله قد ذكرها أيضا جماعة من الصحابة. وهذه القصة فيها فوائد عظيمة، منها أن فعل حاطب هذا ليس من الموالاة التي يكفر بها صاحبها. فدل على أن هناك من الموالاة ما يكفر به شخص، ومنها ما لا يكفر. وقد اتفق أهل السنة جميعا على عدم تكفير حاطب. معنى ما في أحد يقول هذا، إلا رجل خارجي. لكن مسألة الموالاة هذه حصل فيها خلاف في بعضها بين أهل السنة، لكنه من ناحية لفظية. وأيضا خلاف بين أهل السنة وغيرهم. فمن أهل السنة من فرق بين الموالاة والتولي، فجعل الموالاة عمل الظاهر، والتولي عمل الباطن. وهذا طريقة كثير من علماء أهل السنة، علماء الدعوة السلفية بنجد، كالشيخ سليمان بن عبد الله، الشيخ عبد الرحمن بن حسن، والشيخ أيضا عبد اللطيف بن عبد الرحمن، والشيخ حمد بن عتيق، لهم رسائل في هذا الباب. فكانوا يفرقون بين الموالاة والتولي. لكن الإشكال في هذا أن الله عز وجل في آيات التولي أيضا ناداهم بالإيمان، كما أنه في آيات الموالاة ناداهم بالإيمان. قال: «يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم». وقال أيضا الله عز وجل: «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء». فخاطبهم بالإيمان في الموالاة، وكذلك في التولي. وهذا يدل على أنه كما ذكر بعض أهل السنة أنه لا فرق بين التولي والموالاة، وإنما هذا شيء خلاف لفظي. لكن الصحيح أنه يقال: إن هناك من الموالاة ما هو كفر بالله، ومنها ما هو ليس بكفر. فإن كانت هذه الموالاة لأجل إظهار دين المشركين على أهل الإسلام، فهذا لا شك في كفر هذا الموالاة، سواء كان سمناه موالاة أو توليا. لأنه أراد إظهار الكفر على الإسلام. ولهذا جعل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب من نواقض الإسلام مظاهرة المشركين، أي أنه يريد إظهارهم على المسلمين، يعني يريد أن الإسلام لا يظهر، ويظهر الكفر. فلهذا فهو يعاونهم ويواليهم لأجل إظهار دينهم وإظهارهم على أهل الإسلام. فهذا لا شك أنه ليس بمسلم، لأنه ليس في قلبه بغض على هؤلاء. فصار المظاهرة مظاهرة المشركين التي ذكرها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب أن المراد بها المظاهرة، أي أن يعتقد أو أن يسعى في ظهور المشركين على أهل الإسلام. فإن كان هذا اعتقاده، معنى يظهر الكفار على المسلمين، فهذا لا شك في كفره. فموالاته هذا من موالات الكفر. وكذلك أيضا إذا كان موالاته محبة لهم ولدينهم، هذا لا خلاف أنه يعتبر كفرا. لأن من المسلمات في دين الله عز وجل، وقد دلت عليها الأدلة، أنه يجب على كل مسلم أن يبغض الكفار ويبغض دينهم. فالذي لا يبغض دين الكفار ولا يبغض الكفار، فهو بل يحبهم، فهو ليس بمسلم. فلهذا الله عز وجل يقول في كمال معنى في التوحيد وأساس التوحيد: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ أُسْوَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. فهذا أيضا من الموالاة التي تخرج عن دين الله جل وعلا. فأما إن كانت هذه الموالاة موالاة عمل فقط، لأجل غرض من أغراض الدنيا، ليس همه إظهار الكفار، بل هو يحب أهل الإسلام ويحب ظهور الإسلام، لكن يقدم مصلحته على مصلحة الإسلام، يقدم أنه يريد غرضا من أغراض الدنيا. فهذا لا شك أنه عاص، وأيضا مذنب، لكن هذه الموالاة لا تعتبر كفرا. فلهذا هنا يقول بعضهم: إن فعل حاطب ظاهره موالاة لهم. لكن لما عرف الغرض من هذا، تبين أن حاطبا لم يكن ليوالي أولئك المشركين، وإنما أراد أمرا آخر. وأيضا كذلك في هذا الحديث دليل واضح ورد على كثير من الفرق، منهم الخوارج والمعتزلة، وكذلك أيضا من الفرق المعاصرة ممن يقول أن حديث حاطب، بل يقول أن موالاة الكفار كفر مطلقا. قد صرح بهذا كثير من القطبيين، ومنهم سيد قطب، وكذلك أيضا سفر الحوالي، وأيضا سلمان العودة قديما، صرحوا بأن الموالاة للكفار كفر مطلقا. وجاءوا بكلام لبعض علماء الدعوة النجدية، لكن كلام مبتور، ولم يفهموا كلامهم. والمهم أن هذا لم يقل به أحد من أهل السنة صراحة، وإنما قاله هؤلاء على أن كل موالاة للكفار تعتبر كفرا مطلقا. فهذا كلام باطل، وهذا الحديث يدل عليه. فظاهر فعل حاطب أنه نوع من أنواع الموالاة، فدل على أن الموالاة منها ما هو كفر، ومنها ما ليس بكفر. وسواء سمينا ما كان كفرا توليا أو لم نسمه، فالمهم أن من الموالاة ما هو كفر بالله، ومنها ما ليس بكفر. مثلا الآن بعض الناس، بعض المسلمين، مثلا تجد فيه جهلا، هو يحب أهل الإسلام، يحب المسلمين، ويحب دين الله جل وعلا، ويبغض الكفار، لكن تجد أنه هواية أحيانا مثلا تجعله يحب بعض الكفار، كأنه لاعب مثلا. ما ابتلي به كثير من المسلمين الآن أنهم يحبون بعض اللاعبين، يحبه مثلا، ويحب أيضا تشجيعه، ويؤيد ما يؤديه هذا الكافر، أنه يغلب مثلا، ويهزم أو يصاب فيصاب معه، يتألم لأجله. فهل هذا يكون كفرا؟ هذا ليس بكفر، إذا كان لأن هذا أمر دنيوي خالص. لكن قد يزعزع فيه قضية الولاء والبراء، لهذا تجد بعض المسلمين أو بعض الشباب الآن يقول: فلان ذاك، فلان اللاعب مثلا مات، رحمه الله. والله يقول: اللهم اغفر له، وكذا من هذه، يدعو له. وهذا جهل، فهؤلاء أدخل عليهم هذه الأمور بسبب جهلهم. فلهذا فهذا مثل هذا ما يكون كفرا، لأنه ليس له دخل بدين الله جل وعلا، لكن قد يجره إلى ما هو أعظم. فلهذا خلاصة ما يقال في هذا الباب، وهو باب مؤزلق، زل فيه كثير من الناس، أنه هناك من الموالاة ما هو كفر بالله، وقد ذكرنا بعض أنواعها. وهناك من الموالاة ما ليس بكفر، وإنما هو قد تكون معصية كبيرة من كبائر الذنوب. وأيضا هناك مسألة دائما يدندن بها كثير من الخوارج السرورية والقطبية، وهي مسألة مثلا قتال بعض المسلمين مع بعض الكافرين، لمثلا بعض أهل الإسلام أو بعض مثلا من ينتسبون للإسلام كالقاعدة مثلا أو داعش أو غيرهم، تجد مثلا بعض المسلمين يقاتل مع الكفار ضد هؤلاء. فهل هذا يعتبر كفرا؟ هذا ليس بكفر، لأن هؤلاء لم يقاتلوا هؤلاء لأجل إسلامهم، لم يقاتلوا هؤلاء لأجل أنهم من أهل الإسلام، وإنما قاتلوهم لأنهم يؤذون أهل الإسلام، وكذلك أيضا يقتلون أهل الإسلام. وكذلك قد يكون أيضا أنهم يقاتلون لأجل المصلحة من المصالح الدنيوية، أو يقاتلون من أجل مصلحة المسلمين. وهذا يؤجرون عليه، ويقاتلون لأجل أيضا مصالح لهم، فأجور دنيوية وغيرها. فهذا مثل هذا لا يكفر صاحبه. وقد أجاز كثير من العلماء، كما ذكر الشيخ الإسلام، أو الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في رسالته، أنه أجاز بعض العلماء، وبعض الفقهاء الاستعانة بالمشركين على بعض المسلمين، لأجل دفع شرهم لأجل دفع شرهم على المسلمين. وتجد أن هؤلاء الخوارج كثيرا ما يقلبون أمن المسلمين، فلا يستطيع مثلا حاكم المسلمين أن يدفعهم، فيستعين ببعض المشركين لدفع هؤلاء. فهو الآن يدفعهم لأجل إيذائهم للمسلمين، يدفعهم لأجل أذاهم للمسلمين. وأيضا أنهم يجعلون ويقلقون سكينة الإسلام. فهذا الباب ليس كما يقول هؤلاء الخوارج أنه كفر بالله، وأن هؤلاء قد والوا الكفار، وإنما كما قلنا لأجل مصلحة أهل الإسلام غالبا، أو لأجل أمور دنيوية، مصالح دنيوية. لكن إن كان يقاتلونهم لأنهم مسلمون، فهذا لا شك أنه فرق، إذا كانوا يقاتلونهم لأنهم مسلمون ومع الكفار، فهذا أمر آخر. والله تعالى أعلم.

شاركنا على