الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 244، ألقاها
شرح الحديث النبوي حول أفضل الصدقة، وهي أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، بمعنى أن تتصدق بالفضل عن كفايتك وأنت في غنى. يُشير إلى أهمية الصدقة في وقت الصحة والغنى.
يُبين أهمية الصدقة على الأهل والأقارب، حيث تُعتبر صدقة وصلة. يُشجع على الإنفاق على الأهل والأولاد، ويُنبه على أن الصدقة يجب أن تكون عن ظهر غنى.
يشرح وجوب الإنفاق على العيال ويحذر من إضاعة من يعول المرء. يشير إلى أهمية التوكل على الله، حيث أن اليد العليا التي تنفق خير من اليد السفلى التي تسأل.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا روح، وهو ابن عبادة البصري، قال: حدثنا ابن جريج، عبد الملك ابن عبد العزيز ابن جريج المكي إمام الحرم، قال: أخبرني أبو الزبير، وهو محمد بن مسلم ابن تدرس المكي، أنه سمع جابر ابن عبد الله يقول: سمعته في مكة، لما جاء جابر إلى مكة فجلس ستة أشهر، قال: يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أفضل الصدقة عن ظهر غنى، وأبدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السفلى». قال: هذا حديث حسن على شرط مسلم. وهذا الحديث قد جاء في الصحيحين من حديث رواه الزهري عن عروة وسعيد بن المسيب عن حكيم بن حزام، وجاء كذلك أيضا من حديث عائشة، حديث أبي هريرة، وحديث حكيم بن حزام نفس المعنى أو نفس الحديث بألفاظه. وجاء أيضا حديث أبي هريرة من طريق القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة. فالحديث أصله في الصحيحين، لكن ليس عن جابر. فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أفضل الصدقة عن ظهر غنى». والمراد بقوله «أفضل الصدقة عن ظهر غنى» أي ما كان عن كفاية، عن أنه يتفضل أو يتصدق بالفضل ويبقي الكفاية. يتصدق بالفضل ويبقي الكفاية، الفضل معنى الزائد على كفايته. إذا كان مثلا يكفيه هو وأهله في يومهم وليلتهم مثلا ألفين ريال، فهو يتصدق بما فضل عن ذلك. فهذا المراد «أفضل الصدقة عن ظهر غنى». وهي أيضا المراد في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث القعقاع، في حديث القعقاع عن أبي زرع بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة، لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: «أي الصدقة أفضل؟» قال: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا، وقد كان لفلان كذا». فهذا الحديث حديث أبي هريرة. النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل: «أي الصدقة أفضل؟» قال: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح». صحيح معنى معافى في بدن، شحيح أي تشح على إخراج هذا المال. لماذا؟ لأنك ليس عندك غيره، فهو معك الفضل من الغنى أو من الكفاية، الفضل من الكفاية. فإذا أخرجت الفضل من الكفاية فهو أفضل الصدقة. «أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى». أن تتعمل في الغنى، لكن وتخشى الفقر. لماذا؟ لأن ما معك إلا ما يكفيك أنت وأهلك، تخشى الفقر وتأمل الغنى. فهذا معنى قوله «عن ظهر غنى»، أي أن الإنسان يتصدق بالفضل. وقد كان في بداية الأمر كان زكاة الفضل واجبة، ثم أنها نسخت. ولهذا أبو ذر رضي الله عنه انفرد بوجوب صدقة الفضل، كان أبو ذر يقول بأن صدقة الفضل واجبة، ويستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أيما رجل عنده فضل زاد، ثم لم يتصدق به» هكذا وهكذا وهكذا «إلا لفحته النار». لكن هذا كما قلنا في بداية الأمر، ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن أفضل الصدقة هذا الأمر، وهذا يدل على أنه ليس واجبا، لأن الصدقة ليست واجبة، الصدقة ليست واجبة، وإنما الواجب الزكاة. فالصدقة مستحبة، فلهذا فأفضلها هذا. وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في الصحيحين يقول: «لو أن لي مثل أحد ذهبا لقلت به هكذا وهكذا وهكذا»، أشار بيمينه وعن أمامه وعن شماله، أي أنه يتصدق به فلا يبقي منه شيئا. فقالوا: «أفضل الصدقة على الظهر غنى، وأبدأ بمن تعول». وأبدأ بمن تعول، والمراد بمن تعول أي من تنفق عليه. إذا كان عندك فضل زيادة على ما أنت عليه أو ما يكفيك، وزيادة أيضا يكفي أهلك، فتتصدق على أهلك به، فهو صدقة. كما جاء في صحيح مسلم: «دينار أنفقته على عيالك، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار أنفقته في سبيل الله، ودينار تصدقت به على مسكين، فأفضل هذه ما أنفقته على عيالك». أن أفضل الصدقة أن تعطي أولادك، معنى أن تنفق على الأولاد، فهذه الصدقة تعتبر من الصدقة الواجبة. لكن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: أنه إذا فضل عندك مال على معنى ما يكفيك، فأولى الناس به هو أولادك وأهلك، أي زوجتك أولى الناس به، زوجتك وأهلك إذا كان عندك مال فاضل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وابدأ بمن تعول»، أن لا يتصدق الإنسان بمال وأهله يحتاجون إلى هذا المال. لكن إن كان معه كفاية عنده كفاية ما يكفيه وأهله، فهنا تكون الصدقة أفضل. أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وأفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى. ولا حديث هذه يصدق بعضها بعضا. والمراد بها أن الإنسان إذا كان عنده مال فضل عن ما يقوته، فإنه يقوت أهله ومن كان يجب عليه النفقة عليه مثل أبيه، مثل أمه، مثل أولاده، مثل أخواته إذا كانوا يحتاجون إلى مال. فلا يبدأ بالغريب ويتصدق عليه، ولا يتصدق على أهله أو ينفق عليهم. وإن كان أيضا قد جاءت الأحاديث: وإن كان الرجل مثلا عنده صدقة وهو كاف لنفسه، وعنده صدقة، فالأولى أن يتصدق على أقاربه، فالأولى أن يتصدق على أقاربه، فهي له صدقة وصلة. فهي له صدقة وصلة. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لطلحة: «تصدق بها على أبناء عمك في البستان البيروحاء». وكذلك قال لزينب: «ولو أنك تصدقت على أخوالك لكانت لك صدقة وصلة». وقال أيضا لزينب امرأة عبد الله بن مسعود: «فإنه لك صدقة وصلة»، لما أرادت أن تتصدق على زوجها وعلى أيتامها في بيتها. فأفضل من يتصدق عليه هم أقاربه. وأيضا إذا كان معه أو رأى ناس أحوج منهم، لأن معهم ما يسد حاجتهم، فلولا أن يعطي من هو أحوج. فقال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: «أفضل الصدقة عن ظهر غنى، وأبدأ بمن تعول». وجاء في صحيح مسلم: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت أو من يملك قوته». وجاء في رواية: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول». يضيعهم أي لا يعطيهم ما أوجب الله عز وجل عليه، يذهب بأمواله في أشياء أخرى. مثل حاصل الآن عند أصحاب القات وغيرهم، تجد أنه يأخذ ماله ويشتري به قات، وأولاده يحتاجون لهذا المال، وهو يذهب يشتري به قات وغيرها من هذه الأشياء المحرمة، ولا يعطي عياله. فهذا ضيع من يعول. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وابدأ بمن تعول». قال: «واليد العليا خير من اليد السفلى». وقد جاء في حديث عبد الله بن عمر في السنن عند أحمد: «اليد العليا هي المعطية، واليد السفلى هي السائلة». وجاء في رواية: «هي الآخذة». لكن أكثر روايات صحيحة: «هي السائلة». فاليد السفلى السائلة، واليد العليا هي المعطية. وليس المراد هنا الدم، لكن لا شك أن اليد العليا التي تعطي هي أعلى من اليد الآخذة أو اليد السائلة، فلها فضل عظيم على اليد السفلى. فاليد العليا هي المنفقة التي تنفق، واليد السفلى هي التي تسأل. وسكت هنا عن اليد المعطية لأن اليد المعطية أو اليد الآخذة التي تأخذ هذه ممكن أنها بغير سؤال. فهل هي داخلة في هذا؟ ممكن أنها تدخل، وممكن أنها لا تدخل. وإن دخلت فليس على الدوام، وإنما مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «يا عمر، إذا جاءك شيء من هذا المال فخذه وتموله أو من غير مسألة، ومن غير شراف». وجاء في رواية: «من غير شراف ولا حرص، فتموله». «فإنه رزق ساقه الله إليك»، أي ما سألت أحدا، ولم تستشرف له، وإنما جاءك هكذا هذا المال، فلهذا فخذه وتموله. تموله أي انفقه على نفسك وعلى عيالك. وأما من يأخذ المال بغير حقه، من غير حق له، فهذا باطل، ويتحمل هذا المال يوم القيامة. ومن يغلل يأتي بما غل يوم القيامة. وأيضا جاء في حديث حكيم بن حزام: أنه كان يأخذ مالا من النبي صلى الله عليه وسلم أو يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، ثم فسأله فأعطاه، ثم قال له: «يا حكيم، إن المال هذا حلو خضير، فمن أخذه بسخاوة نفس برك له فيه، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع». فقال حكيم: «والله لا أرزأ أحدا بعده». أي لا آخذ شيئا من أحد بعده. فكان أبو بكر يعطيه ولا يأخذ، وكان عمر يعطيه ولا يأخذ. فقال عمر رضي الله عنه: «يا معشر المسلمين، إني أشهدكم على حكيم إني أعطيه حقه فلا يأخذه». أي يريد أن يعتذر لمن مثلا يوصل إليه هذا الكلام، أو من الله عز وجل، يستشهد الناس عليه أنه أعطاه حقه فلم يقبله. فتوفي حكيم رضي الله عنه ولم يأخذ من أحد شيئا. وهذا من باب عظيم التوكل على الله جل وعلا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «واليد العليا خير من اليد السفلى». والكلام في هذا يطول، لكن هذا بعض شرح هذا الحديث. فنكتفي إن شاء الله بهذا، والله تعالى أعلم.