الدرس في كتاب الطهارة 26، ألقاها
يتناول المقطع حكم البناء على الصلاة لمن انتقض وضوءه أثناءها، حيث يرى الجمهور عدم جواز البناء لضعف الحديث الوارد في ذلك. يُبين المقطع اختلاف العلماء في نواقض الوضوء.
يُفصّل المقطع اختلاف العلماء في نواقض الوضوء، خاصة ما يتعلق بخروج شيء من غير السبيلين وأكل لحم الإبل، حيث تباينت آراؤهم بين النقض وعدمه. يُظهر المقطع آراء المذاهب المختلفة في هذه المسائل.
يناقش المقطع حكم الوضوء من أكل لحم الإبل والغنم، حيث يُستدل على أن أكل لحم الإبل ناقض للوضوء، بينما لا يُوجب الوضوء بعد أكل لحم الغنم. يُبين المقطع تفاصيل الحكم والعلة من ذلك.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله، في كتابه بلوغ المرام، في كتاب الطهارة، في باب نواقض الوضوء: وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فليتوضأ، ثم ليبن على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم». أخرجه ابن ماجه، وضعفه أحمد وغيره. هذا الحديث كما قال رحمه الله، ضعفه الإمام أحمد وغيره من الأئمة، وذلك أن هذا الحديث أخرجه ابن ماجه رحمه الله من طريق إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة. وإسماعيل بن عياش روايته عن غير الشاميين ضعيفة، وابن جريج حجازي، فتكون هذه الرواية ضعيفة. هذه علة، وعلة أخرى وهي الإرسال، فقد رجح الحفاظ أن الصحيح في هذا الحديث أنه مرسل، فرواه ابن جريج عن أبيه عن ابن أبي مليكة مرسلًا، هذا هو الصحيح. ورجح الإرسال الإمام الدارقطني وأبو حاتم، فلهذا الحديث لا يصح. وقفه الإمام أحمد رحمه الله، والإمام الشافعي وغيرهما. وقوله: «من أصابه قيء» القيء ما يخرج من المعدة إلى خارج فم الإنسان يسمى قيئًا، والرعاف هو نزيف يحصل في الأنف، تنزف الأنف دمًا بسبب التهاب أو ضغط في الدم ونحو ذلك. والقلس ما يخرج من المعدة إلى الفم، من الفم أو ما قاربه، ما خرج من المعدة إلى الفم ولم يخرج إلى خارج الفم هذا يسمى قلسًا. والمذي معروف، قد مر معنا في حديث علي رضي الله عنه. فهذا الحديث فيه أن من أصابه هذه الأمور - أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو نزل منه مذي - فعليه أن يتوضأ ثم ليبن على صلاته. ومعنى يبني على صلاته، أي أنه يخرج يتوضأ ثم يرجع ويكمل من حيث وقف، يعني مثلًا لو خرج من الركعة الثانية فذهب فتوضأ ثم رجع فيكمل من الركعة الثانية، أو خرج من الركعة الثالثة فيتوضأ ثم يرجع ويدخل ويكمل الصلاة من الركعة الثالثة فما بعدها. هذا معنى البناء على صلاته، لكن بشرط أنه لا يتكلم، هو في ذلك لا يتكلم، أنه لا يتكلم يتوضأ ويرجع ويكمل صلاته. فهذا الحديث يدل على مشروعية البناء على الصلاة، مشروعية البناء على الصلاة لمن أصابه شيء من هذه الأمور فتوضأ، فله أن يرجع ويبني على صلاته بشرط أنه لا يتكلم. وبهذا قال الحنفية ومالك وأحمد، قال الحنفية ومالك وأحمد بالبناء على صلاته. والجمهور على عدم البناء، وهو الصحيح، الجمهور على عدم البناء، أن من انتقض وضوءه فإنه يتوضأ ويعيد الصلاة من جديد، ويستأنف الصلاة من جديد. لماذا؟ لأن هذا الحديث لا يصح، فلا يستدل به على هذا الحكم. وكذلك أيضًا يدل هذا الحديث أن من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فإن وضوءه ينتقض. واختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة، أما المذي فباتفاق أنه ينقض الوضوء، لكن الخلاف في القيء والدم والقلس ونحوها. فالخلاف بين أهل العلم إذا خرج من الإنسان شيء من غير السبيلين - من غير السبيلين - وغير الغائط والبول. أما الغائط والبول فهما ناقضان باتفاق، وسواء خرجا من السبيلين أو من غير السبيلين على الصحيح، يعني لو أن الإنسان أجريت له عملية مثلًا وفتحت تحت السرة في أسفل البطن وخرج منها الغائط والبول فإنه ينتقض وضوءه. لعموم قول الله جل وعلا: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ﴾. وأما خروجهما من السبيلين فينتقض به الوضوء، سواء كان بولًا أو غائطًا أو دمًا أو غير ذلك. لكن إذا خرج شيء من الدم من غير السبيلين - خرج من يده أو من قدمه أو من أنفه - أو كذلك إذا قاء أو كذلك إذا أصابه القلس، هل ينتقض وضوءه أم لا؟ فالإمام مالك والإمام الشافعي ذهب إلى أنه لا ينتقض الوضوء بخروج شيء من ذلك من غير السبيلين، وهو رواية عن الإمام أحمد. ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ورجع إلى هذا القول أيضًا الإمام الشوكاني والإمام السعدي، وكذلك الإمام ابن باز رحمهم الله، فقالوا: إذا خرج شيء من هذه الأشياء من غير السبيلين فإنه لا ينتقض به الوضوء. واستدلوا بذلك أولًا بالبراءة الأصلية، أن الأصل هو عدم النقض، عدم النقض إلا بشيء دل الدليل على انتقاض الوضوء به، وهذه الأشياء لم يرد فيها دليل صحيح صريح في نقض الوضوء بها. والأمر الثاني أنه ثبت عن السلف أنهم كانوا يصلون بدمائهم، كما قال الحسن البصري رحمه الله: «ما زال المسلمون يصلون بدمائهم». وذكر هذا الأثر الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه معلقًا. ولو كان نزول الدم ينتقض به الوضوء لبينه النبي عليه الصلاة والسلام، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وهذا كان كثيرًا مما يصيب الصحابة رضي الله عنهم في الحروب والقتال، ومع ذلك ما أمرهم عليه الصلاة والسلام بذلك أن يتوضأوا إذا خرج منهم شيء من الدم أو أصيبوا بشيء من الجروح. وهكذا أيضًا أن عمر رضي الله عنه لما أصيب كان يصلي وجرحه ينزف دمًا، رضي الله تعالى عنه. فهذه الأمور استدلوا بها على عدم نقض الوضوء بخروج شيء من غير السبيلين. وذهب الإمام أبو حنيفة وأحمد إلى أن خروج شيء من ذلك من غير السبيلين ينتقض به الوضوء، استدلوا بحديث أبي الدرداء عند الإمام أحمد والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ. والحديث صحيح، قالوا: هذا الحديث يدل على أن القيء ينتقض به الوضوء. ورد على ذلك بأن مجرد وضوء النبي عليه الصلاة والسلام من خروج القيء لا يدل على نقض الوضوء، لأن هذا مجرد فعل، وأفعال النبي عليه الصلاة والسلام لا تدل على الوجوب، وإنما تدل على الاستحباب. فهذا الحديث يدل على أنه يستحب لمن قاء أن يتوضأ، يستحب لمن قاء أن يتوضأ، لكن لا يجب عليه ذلك. وهذا هو الصحيح. قال رحمه الله: عن جابر رضي الله عنه أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: «أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت. قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم». أخرجه مسلم. هذا الحديث فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالوضوء من أكل لحم الإبل، ولم يأمر بذلك من أكل لحم الغنم، والحديث صحيح عند الإمام مسلم. وجاء مثله عند أبي داود والترمذي من حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «توضأوا من لحوم الإبل، ولا توضأوا من لحوم الغنم». فدل هذان الحديثان على أن من أكل لحم إبل فإنه ينتقض وضوءه بذلك. وبهذا قال الإمام أحمد رحمه الله وإسحاق، وكذلك أيضًا الإمام البيهقي، وهو من الشافعية. ورجع هذا القول لصحة الأحاديث فيه. وعلق الإمام الشافعي رحمه الله القول بذلك بصحة الأحاديث، قال إمام البيهقي رحمه الله: «وقد صح فيه حديثان». وكذلك نسب الإمام البيهقي هذا القول إلى أهل الحديث، نسب هذا القول إلى أهل الحديث أن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء. وجمهور أهل العلم على أنه لا ينقض. طيب ماذا استدل الجمهور؟ استدلوا بحديث جابر في السنن قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مسته النار». قالوا: فهذا الحديث يكون ناسخًا لحديث جابر المسمرة الذي فيه الأمر بالوضوء من أكل لحم الإبل، فكان آخر أمر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يتوضأ مما مسته النار. وأجيب عن هذا الاستدلال بأن الحديث حكم عليه بعض أهل العلم بالاضطراب. والأمر الثاني على فرض صحته، فإن حديث جابر المسمرة والحديث البراء يدلان على أن أكل لحم الإبل ناقض للوضوء، ولو لم تمسه النار، يعني لو أن إنسان أكل لحم إبل وهو نيء أكله نيئًا، هل يلزمه أن يعيد الوضوء؟ الجواب نعم، إذن ليس حكم النقض في أكل لحم الإبل لكونه مسته النار، وإنما لمجرد أكله. إذن لا تعلق لحديث جابر في حديث جابر المسمرة. أمر ثالث يجمع بين هذه الأحاديث بأن حديث جابر كان آخر الأمرين عام، وحديث جابر المسمرة والبراء خاص، وإذا تعارض العام والخاص فإنه يخصص ماذا؟ عموم هذا العام بهذا الخاص، فنقول: عدم الوضوء مما مسته النار هذا في كل ما مسته النار إلا لحم الإبل، فإنه ورد فيه الحديث الذي يدل على وجوب الوضوء من أكل لحمه. والصحيح أن أكل لحم الإبل ناقض للوضوء. ما هي العلة؟ بعض العلماء قال: العلة بأن لحم الإبل أن الإبل عندها شيء من الشيطنة، كما جاء في الأحاديث أنه خلقت من الشياطين، فإذا أكلها الإنسان ربما تأثر بشيء من ذلك، فإذا توضأ خمد ما قد يتأثر فيه من هذا اللحم من لحم الإبل. وبعض العلماء قال: بأن هذا الأمر أمر تعبدي، هو الصحيح أنه أمر تعبدي، تعبدنا الله بذلك، فنحن إذا أكلنا لحم إبل نتوضأ بعد أكله، والله أعلم به الحكمة من ذلك. وأما من حمل الوضوء على المعنى اللغوي وهو غسل يديه فليس بصحيح، لماذا؟ لأن الأصل في الألفاظ الشرعية أن تحمل على معناها في الشرع، وقوله: «توضأ» وهذا أمر أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، فيحمل على المعنى الشرعي في الوضوء الشرعي. ثم لو أريد المعنى اللغوي لم يكن هناك فرق بين لحم الغنم ولحم الإبل وغيرها من اللحوم، فكلها تحتاج إلى غسل بعد أن يأكلها الإنسان، وخاصة إذا كانت سمينة ودسمة، فحينئذ لا فرق بينها وبين غيرها. فهذا في المعنى الصحيح أنه يحمل على المعنى الشرعي وهو الوضوء الشرعي. والأمر بالوضوء من لحم الإبل هل يشمى ذلك كل أجزاء الإبل أو أنه خاص باللحم؟ يعني أن إنسان أكل كبد الإبل أو كرشها أو أمعائها هل يلزمه أن يتوضأ أو لا يلزمه؟ بعض العلماء وعمل الحنابلة لأن القائلين بالنقض هم الحنابلة، قالوا: خاص باللحم فقط. والصحيح أنه يعم اللحم وسائر أجزائه، يعم اللحم وسائر أجزائه كالكبد والكرش والأمعاء وغيرها، إذا أكلها الإنسان فإنه عليه أن يتوضأ. ويدل على ذلك قول الله جل وعلا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾، فإذا أكل لحم الخنزير هل يلزمه أن يغسل كرش الخنزير أو كبده؟ الجواب لا. طيب هذا ليس بلحم، قل: جاء اللفظ لفظ اللحم وعم جميع أجزاء أجزاء الخنزير، إذن هكذا أيضًا لحم الإبل يعم جميع أجزاء الإبل، سواء كان اللحم أو الكرش أو الكبد أو غيرها، إذا أكلها الإنسان فإن عليه الوضوء. طيب إذا شرب مرق الإبل - مرق لحم - هل عليه أن يتوضأ؟ كذلك أيضًا يقال في هذا تفصيل، إن كان المرق صافيًا ما فيه شيء من اللحم فهذا لا يلزمه الوضوء لأنه ليس بلحم. وأما إن كان فيه قطع لحم سواء كانت كبيرة أو صغيرة فإنه يتوضأ كما قال العلامة ابن باز رحمه الله. طيب إذا شرب لبن الإبل هل عليه الوضوء؟ الجواب لا، ليس عليه وضوء لأن اللبن ليس بلحم، وهذا الحكم خاص بلحم الإبل. طيب لحم الغنم هل يلزمه أن يتوضأ؟ الجواب لا يلزمه، هل يجوز له أن يتوضأ إذا أكله؟ الجواب نعم هو مخير، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن شئت». لكن لا يلزمك لأن أكل لحم الغنم لا ينقض الوضوء، بخلاف لحم الإبل فإنه ينتقض. وهذا من مفردات الإمام أحمد رحمه الله، وهو القول الصحيح كما سمعنا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.