الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 276، ألقاها
يروي الحارث بن حسان أنه وفد على النبي صلى الله عليه وسلم ومعه عجوز من بني تميم، وطلب من النبي أن يجعل الدهناء حاجزًا بينهم وبين بني تميم. يذكر المقطع سلسلة الرواة للإسناد ويشرح بعض التفاصيل حول الشخصيات المذكورة.
يشرح المقطع حديث الحارث بن حسان رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم ويذكر قصة عاد الأولى والثانية. كما يتطرق إلى قصة وافد عاد ومعاوية بن بكر، ويبين آراء أهل العلم في ذلك.
يستدل الحديث على خطورة الدعاء على الناس ويبين أن الاستعاذة بالله ورسوله تعني الاعتصام بهما من كل شر. كما يناقش تقييم حديث عاصم بن النجود ويصنف حديثه ضمن الحسن لكونه صدوقًا.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال شيخنا -مخلصًا لهذه الوعدة- رحمه الله تعالى: قال مسدد: الحارث بن حسان، وهو بكري عامري سكن البصرة، رحمه الله، رضي الله عنه. الحارث بن حسان وفد على النبي صلى الله عليه وسلم كما في هذا الحديث، وكان من ربيعة. وبين ربيعة ومضر في تلك الفترة كان فيها حروب، وهو من بني عامر من ربيعة، ومن بكر، لكن ليس بكر قريش؛ لأنه بكر قريش من مضر، وهذه بكر ربيعة من بني عامر. قال رحمه الله -أي شيخنا-: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا عفان، وهو بن مسلم الصفار أبو عثمان البصري رحمه الله، قال: حدثنا سلام أبو المنذر، وهو سلام بن سليمان النحوي المقرئ، وهو شيخ يعقوب -يعقوب بن سحاق الحضرمي- أحد قراء البصرة من العشرة. سلام أبو المنذر شيخه في القراءة، سلام أخذ عن عاصم، لكن سلام لم تشتهر قراءته، وقرأ عليه يعقوب، وكان يعقوب رحمه الله قويًا في الأداء، فلهذا جاء الناس من كل مكان واشتهرت قراءته، وهو مع أبي عمرو بن العلاء مقرئي أهل البصرة. أنا أول مقرئ لأهل البصرة من السبعة، والذي اشتهرت قراءته هو أبو عمرو بن العلاء رحمه الله. قال: حدثنا سلام أبو المنذر عن عاصم بن بهدلة -عاصم بن بهدلة هو عاصمنا بالكوفة، اسمع به بهدلة- وهو المقرئ المشهور الذي يقرأ الناس الآن، أكثر الناس وخاصة الجزيرة على قراءته من رواية حفص، رواية حفص بن سليمان الغاضري عن عاصم بن بهدلة الكوفي رحمه الله. وبعضهم يقرأ بقراءة شعبة، وقراءة أبي بكر بن عياش عن عاصم، لكن التي اشتهرت هي قراءة حفص أكثر من قراءة عاصم أو قراءة أبي بكر بن عياش، وهي ما تسمى بقراءة شعبة. وشعبة هذا لقب له، وليس هو اسمه، اسمه أبو بكر بن عياش. قال له ابنه: ما اسمك يا أبي في مرض موته؟ قال: لا أعلم اسمًا لي إلا الذي ينادوني به، فدل على أن اسمه هو أبو بكر، كذلك وكنيته أبو بكر. وأما شعبة، يقال: إن سفيان الثوري رحمه الله كان يقول لأخيه: أما جاء شعبة؟ ويريد أبا بكر لشبهه بشعبة في الحفظ، بشعبة بالحجاج، فلقب بشعبة. قال: عن عاصم المهدلي عن أبي وائل عن الحارث بن حسان رضي الله عنه قال: مررت بعجوز بالربذة منقطع بها من بني تميم، فقالت: أين تريدون؟ قلت: نريد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قالت: فاحملوني معكم؛ فإن لي إليه حاجة. أي: هذه العجوز لها حاجة عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال الحارث بن حسان رضي الله عنه: فدخلت المسجد، فإذا هو غاص بالناس. والظاهر كان هذا كما ذكر بعض أهل السير كان في عام الوفود في سنة تسع، كثر الناس في المدينة. قال: وإذا راية سوداء تخفق. فقلت: ما شأن الناس اليوم؟ أنا رأيت راية سوداء تدل هذه الراية على أن النبي صلى الله عليه وسلم سيبعث بعثًا. فقلت: ما شأن الناس اليوم؟ قالوا: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يبعث عمر بن العاص وجهًا. وهذا الظاهر أنه إما أن يكون في ذات السلاسل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عمر في ذات السلاسل، وذات السلاسل اختلفوا في وقتها، ومنهم من قال: في السنة السابعة، ومنهم من قال: بعد ذلك. أو لعله بعث آخر. قال: فقلت: يا رسول الله، إن رأيت أن تجعل الدهناء حاجزًا بيننا وبين بني تميم فافعل؛ فإنها كانت لنا مرة. وسيأتي في بعض الطرق أنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أنه بينه وبين حي من مضر فيه أو بينهم حروب، فلهذا جعل يقول: حارث بن حسان، اجعل الدهناء حاجزًا بيننا وبين بني تميم. ما لا تكون حاجزًا عن أرضنا وأرض بني تميم. قال: فاستوفزت العجوز وأخذتها الحمية، فقالت: يا رسول الله، أين تضطر مضرك؟ قلت: يا رسول الله، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصم. قال: قلت: أعوذ بالله. معنى يقول الحارث بن حسان رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: قلت: أعوذ بالله أن أكون كما قال الأول. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما قال الأول؟ قال: على الخبير سقطت. يقول سلام: هذا أحمق. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: على الخبير سقط. وهذا ما ينبغي أن يقوله سلام، وهو صحابي، لكن هذا مثل، هو ما يريد الطعن في النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يريد على نفسه. الظاهر والله أعلم يريد نفسه. فقال: على الخبير سقطت، على أنه ما درى أن هذه العجوز من القوم الذين هم بينهم وبينها وبينهم حروب. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن يستطعمه الحديث. عن أي شيء هذا؟ قال: هنا قال: على الخبير السقط. سيأتي أنه قال أيضًا مثلًا آخر على أنه قال: قلت: ما قال كما قال الأول، وأراد ما قال قوم عاد. سيأتي إن شاء الله في الرواية الأخرى ذكر هذا. قال: إن عادًا أرسلوا وافدهم، قيل: فنزل على معاوية بن بكر شهرًا. معاوية بن بكر: يعني من بني بكر. ونزل عليهم، قيل: وهذا من عاد. والظاهر أن هذا عاد الأخرى، وليس عاد الأولى؛ لأن عاد الأولى كانت قديمة قبل عهد إبراهيم، قبل أن يبني إبراهيم البيت، كما قال بعض أهل العلم. ورجح كثير من أهل العلم -كالحافظ ابن كثير والحافظ ابن حجر وغيرهم- أن عادًا قومان: قوم هم عاد الأولى الذين ذكرهم الله عز وجل، قوم هود. وقوم أيضًا عاد الأخرى، وهم جاءوا بعد ذلك، والذين أنزل الله عز وجل عليهم الريح. وقيل: إنهم واحد؛ لأن الله عز وجل ذكر الريح أيضًا في قوم هود. لكن هذه الرواية تبين أن عادًا عاشوا بعد بناء البيت. وهذا الله أعلم. هل البيت كان بمكة قبل إبراهيم أم أن إبراهيم بناه؟ ولم تذكر الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أحدًا بناه قبل إبراهيم. فيحتمل أن البيت كان مبنيًا كما يذكر بعض أهل السير. وذكر ابن جرير الطبري وغيره في تاريخه أن البيت كان مبنيًا، ثم لما جاء سيل العرم أخذه، فما كان إلا منه ربوة، بنى عليها بعد ذلك إبراهيم. قال: إن عادًا أرسلوا وافدهم، قيل: اسمه قيل. فنزل على معاوية بن بكر شهرًا يسقيه الخمر وتغنيه الجرادتان. فانطلق حتى أتى على جبال مهرة، فقال: اللهم إني لم آتي لأسير فأفاديه، ولا لمريض فأداويه. فأسق عبدك ما كنت تسقيه، واسقي معاوية بن بكر شهرًا يشكر له الخمر التي شربها عنده. قال: فمرت سحابات سود، فنودي: أنخذها رمادًا رمددًا لا تذر من عاد أحدًا. قال أبو وائل: فبلغني أن ما أرسل عليه من الريح كقدر ما يجري في الخاتم. قال: وحدثنا زيد بن الحباب -وهو بن حسين العقلي البصري- قال: حدثني أبو المنذر سلام بن سليمان النحوي قال: حدثنا عاصم بن النجود عن أبي وائل عن الحارث بن يزيد البكري. وهنا سماه بن يزيد، وإنما الصحيح أنه بن حسان. ولعل هذا من زيد بن الحباب، وزيد أحيانًا يخطئ. قال: خرجت أشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمررت بالربذة، فإذا عجوز من بني تميم مقطوع بها. فقالت لي: يا عبد الله، إن لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة، فهل أنت مبلغي؟ قال: فحملتها، فأتيت المدينة، فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وبلال متقلد السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمر بن العاص وجهًا. قال: فجلست، قال: فدخل منزله أو قال: رحله، فاستأذنت عليه، فأذن لي. فدخلت، فسلمت، فقال: هل كان بينكم وبين تميم شيء؟ أي: النبي صلى الله عليه وسلم قال له: هل كان بينكم وبين تميم شيء؟ أي: بين بكر وبين بني تميم. قال: فقلت: نعم. قال: وكانت لنا الدائرة عليهم. على أننا هزمنا. قال: ومرت بعجوز من بني تميم منقطع بها، فسألتني أن أحملها إليك، وهاهي بالباب. فأذن لها، فدخلت. فقلت: يا رسول الله، إن رأيت أن تجعل بيننا وبين بني تميم حاجزًا فاجعل الدهناء. فحميت العجوز واستوفزت. أنا غضبت من كلام الحارث. قالت: يا رسول الله، فإلى أين تضطر مضرة؟ قال: قلت: إنما مثلي ما قال الأول. يعني يقول الحارث بن حسان: إنما مثلي؛ لأني حملت هذه العجوز. ما قال الأول: معنى حملت حتفها. عن الذي قتلتها؟ قال: حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصمة. أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد. وهذا هو المثال الذي قال. قال: وهنا قول: أعوذ بالله ورسوله. إن كانت ثابتة في الحديث أو أن زيد بن الحباب هو الذي أخطأ فيها. فإن كانت ثابتة فهو المراد. ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي. أعوذ بالله ورسوله: أي مع حياته صلى الله عليه وسلم. وإلا الأصل أن الاستعاذة لا تكون إلا بالله جل وعلا؛ لأنه التجاء واعتصام بالله سبحانه وتعالى من شر كل ذي شر، ولا يزيل الشر إلا الله سبحانه وتعالى. قال: وما وافد عاد؟ قال: وهو أعلم بالحديث منه، ولكن يستطعمه. وكانت هذه عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ولو كان يعلم، فإنه إذا أراد الإنسان أن يحكي شيئًا أو يتكلم بشيء يتركه يتكلم. قال: قلت: إن عادًا قحطت، فبعثوا وافدًا لهم، يقال له: قيل. فمر بمعاوية بن بكر، فأقام عنده شهرًا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان، يقال لهما: الجرادتان. فلما مضى الشهر، خرج إلى جبال تهامة. فنادى: اللهم إني لم آتك لمريض فأداويه، ولا لأسير فأفاديه. اللهم اسقي عادًا ما كنت تسقيه. فمرت به سحابات سود، فنودي منها: اختر. فأومأ إلى سحابة منها سوداء، فنودي منها: خذها رمادًا رمددًا لا تذر من عاد أحدًا. قال: فما بلغني أنه بعث عليهم من الريح إلا قدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا. قال أبو وائل: وصدق. قال: فكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدًا لهم، قالوا: لا تكن كوافد عاد. قال: هذا حديث الحسن. وقال الإمام الترمذي رحمه الله: حدثنا ابن أبي عمر -وهو محمد بن يحيى العدني، ابن أبي عمر وهو ثقة أو صدوق، له كتاب الإيمان- قال: أخبرنا سفيان -وهو ابن عيينة، وهو ابن أبي عمر، هو عدني أصله، لكنه سكن مكة، فهو عدني مكة- قال: أخبرنا سفيان -وهو ابن عيينة- عن سلام أبي المنذر عن عاصم بن النجود عن أبي وائل عن رجل من ربيعة -وهو الحارث بن حسان- قال: قدمت المدينة، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت عنده وافد عاد. فقلت: أعوذ بالله أن أكون مثل وافد عاد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما وافد عاد؟ قال: فقلت: على الخبير سقطت. إن عادًا لما أقحطت، بعثت قيلًا فنزل على معاوية بن بكر، فسقاه الخمر وغنته الجرادتان. ثم خرج يريد جبال مهرة. وفي رواية زيد بن الحباب: جبال تهامة. فقال: اللهم إني لم آتك لمريض فأداويه، ولا لأسير فأفاديه. فاسقي عبدك ما كنت مسقيه، واسقي معه معاوية بن بكر يشكر له الخمر التي سقاه. فرفع له سحابات، فقيل له: اختر إحداهن. فاختار السوداء منهن، فقيل له: خذها رمادًا رمددًا لا تذر من عاد أحدًا. وذكر أنه لم يرسل عليهم من الريح إلا قدر هذه الحلقة -يعني حلقة الخاتم-. ثم قرأ: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾. قالوا: قد روى هذا الحديث غير واحد عن سلام أبي المنذر عن عاصم بن النجود. وهذا كلام لإمام الترمذي: عن أبي وائل عن الحارث بن حسان. ويقال: الحارث بن يزيد. قالوا: حدثنا عبد بن حميد -وهو أبو محمد الكشي- قال: أخبرنا زيد بن الحباب قال: أخبرنا سلام بن سليمان النحوي أبو المنذر قال: أخبرنا عاصم بن النجود عن أبي وائل عن الحارث بن يزيد البكري قال: قدمت المدينة، فدخلت المسجد، فإذا هو غاص بالناس، وإذا رايات سود تخفق، وإذا بلال متقلد السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمر بن العاص وجهًا. فذكر الحديث بطوله، نحو من حديث سفيان بن عيينة بمعناه. ويقال له: الحارث بن حسان. قال أبو عبد الرحمن: هو حديث حسن. ولا يضر الاختلاف في اسم صحابي؛ لأنه حسن. لأن عاصم بن النجود تفرد به، وعاصم ليس بذاك الثقة، وهو صدوق، وحديثه كما قال إمام الذهبي: من قبيل الحسان. فهذا ذكر هذا الحديث -إن شاء الله تعالى- نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.