الخطبة بعنوان المسارعة إلى الأعمال في رمضان، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 8 رمضان 1441هـ ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يحث الخطيب المسلمين على اغتنام أيام رمضان ولياليه بالطاعة وتجنب الغفلة، مستشهداً بأقوال السلف وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم عن فضل الجنة وغرفها. ويحذر من الخسران لمن ضيع هذه الفرصة العظيمة.
يستعرض المقطع الأعمال الصالحة التي يجتمع للمسلم أداؤها في رمضان كطيب الكلام، والصيام، وإطعام الطعام، وقيام الليل. ويشير إلى حديث أبي هريرة عن أبي بكر رضي الله عنه الذي جمع في يوم واحد صياماً وإطعام مسكين واتباع جنازة وعيادة مريض، فبشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، داعياً المسلمين للاقتداء به.
يحث الخطيب على الإكثار من قراءة القرآن في رمضان اقتداءً بالسلف الصالح الذين كانوا يختمونه في أيام معدودة، ويؤكد على أهمية الدعاء والتضرع إلى الله مستشهداً بآية ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ وحديث «ثلاث دعوات لا ترد» منها دعوة الصائم. ويختتم الداعي بالسؤال الله المغفرة والرحمة وقبول الأعمال، متبعاً ذلك بالحمد والتكبير ثلاث مرات.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إنكم تعيشون في أيامٍ فاضلة وليالٍ مباركة، فاحذروا الغفلة والعصيان فتبوءوا بالخسران، وأطيعوا الله عز وجل، واجتهدوا في طاعة الرحمن تدخلوا جنةً عرضها الأرض والسماوات. أيها المسلمون، عباد الله، إذا لم نجتهد وإذا لم نربح في هذا الموسم العظيم فمتى سنربح؟ عباد الله، يقول ابن الجوزي عليه رحمة الله: «والأيام والليالي الفاضلة لا يصلح أن يغفل عنها، فإنه إذا غفل التاجر عن موسم الربح فمتى يربح؟ فمتى يربح؟». ويقول الحسن البصري عليه رحمة الله: «إن الله عز وجل جعل شهر رمضان مضمارًا لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتأخر آخرون فخابوا، فعجب من اللاعب الضاحك في يوم يفوز فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون». أيها المسلمون، عباد الله، ها هي أبواب الجنة قد فتحت، فأين المشمرون؟ وأين المتنافسون؟ وأين المجتهدون؟ وأين الطالبون لسلعة الرحمن سبحانه وتعالى؟ سلعة الرحمن ليست رخيصة، بل أنت غالية على الكسلان. هذه الجنة تنتظر من يطرقها ومن يدخل في أبوابها. جاء عند الترمذي، وجاء في صحيح مسلم من حديث علي بن أبي طالب، جاء عند الترمذي من حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن في الجنة لغرفًا يُرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها». فقام أعرابي فقال: يا رسول الله، لمن هي؟ لمن هذه الجنة التي هذا وصفها؟ فمن شدة صفائها ونقاوتها أن صاحبها يرى ما بداخلها من خارجها، ويرى ما بخارجها من داخلها. لمن هذه الغرف؟ لمن هذه الجنان؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «لمن طاب الكلام، وأدام الصيام، وأطعم الطعام، وقام بالليل والناس نيام». هذه هي الأعمال التي تجتمع للمسلم في هذا الشهر المبارك، فإن هذه الأعمال أيسر وأسهل أن يُحقِّقها المسلم في هذا الشهر المبارك، وهي مطلوبة فيه. فمن أطاب الكلام فكان كلامه طيبًا لا رفث فيه ولا فسوق ولا سب ولا لعن ولا شيء مما يغضب الرب سبحانه وتعالى، وهذا ما حث عليه نبينا عليه الصلاة والسلام. لمن صام وأراد الكمال في صيامه، نعم، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: «فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم». فطيب الكلام من أسباب دخول الجنان. وهكذا يجتمع للمسلم في هذا الشهر من الصيام ومن الصدقة، نعم، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث ابن عباس: «كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن». فرمضان شهر البر والإحسان، شهر الزكوات والصدقات والإنفاق. وهكذا لمن قام بالليل والناس نيام، وهذا يتحقق في هذا الشهر، فإن المسلم يجتهد فيه بصلاة التراويح وبقيام الليل والتهجد ونحو ذلك، فبهذا ينال المسلم هذه الجنان وهذه الغرف العظيمة. أيها المسلمون، عباد الله، هل لنا أن يكون لنا يوم كيوم الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه؟ فقد جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟» فقال أبو بكر: أنا. قال: «من أطعم اليوم منكم مسكينًا؟» فقال أبو بكر: أنا. قال: «من تبع اليوم منكم جنازة؟» فقال أبو بكر: أنا. قال: «من عاد منكم اليوم مريضًا؟» فقال أبو بكر: أنا. فقال عليه الصلاة والسلام: «ما اجتمعت هذه في امرئ إلا دخل الجنة، إلا دخل الجنة». قال العلماء: أي ما اجتمعت في امرئ في يوم واحد، لأن قصة الحديث وكذلك ما جاء في هذا الحديث يبين أن أبا بكر عمل هذه الأعمال في يوم واحد، في يوم واحد. قال العلماء: لأن في هذه الأعمال في يوم واحد دليل على حرص العبد وصدقه وإخلاصه. نعم، فجوزي بهذا الجزاء العظيم. وجاءت في رواية عند البخاري في الأدب المفرد: «ما اجتمعت هذه في امرئ إلا دخل من أي أبواب الجنة الثمانية شاء». فهل نستطيع يا عباد الله أن نحقق هذه الأعمال وأن يكون لنا يوم كيوم الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه؟ وهكذا يا عباد الله، فإن هذا الشهر المبارك يجتهد فيه المسلم قدر المستطاع، ومما ينبغي أن يجتهد فيه كثرة قراءة القرآن، فإن رمضان شهر القرآن، وإن كثرة القراءة من القرآن من خصائص هذا الشهر المبارك. ولذلك كان جبريل يدارس نبينا عليه الصلاة والسلام القرآن، ولقد كان سلفنا الصالح يعتنون بتلاوة القرآن عناية عظيمة. فقد جاء عن الزهري رحمه الله أنه إذا دخل رمضان قال: «إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام، وإطعام الطعام». وجاء كذلك عن الإمام مالك أنه إذا دخل رمضان ترك قراءة الحديث ومجالس العلم وأقبل على تلاوة القرآن. وجاء عن قتادة وعن كذلك غيره من الأئمة كالشافعي وغيره أنهم كانوا يختمون القرآن في أيام قلائل. فجاء عن قتادة أنه كان يختم القرآن كل سبعة أيام دائمًا، ويختم القرآن كل ثلاث ليال في رمضان، ويختم القرآن كل ليلة في العشر الأواخر منه. وهكذا جاء عن غيره نحو ذلك. فاجتهدوا يا عباد الله في قراءة القرآن بتدبر وتمعن وتفهم وتعقل لمعانيه. فنسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا وإياكم لما يحب، يا الله. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، وإن مما ينبغي أن يجتهد فيه المسلم في هذه الأيام الفاضلة كثرة الدعاء والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى، فإن للصائم دعوة مستجابة. نعم، كما جاء من حديث أنس بن مالك في الأدب المفرد: «ثلاث دعوات لا ترد»، وذكر منها دعوة الصائم حتى يفطر. ولقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾. وإن هذه الآية جاءت متخللة بين آيات الصيام، ففيه إشارة إلى الحث على الدعاء حال الصيام، كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير عليه رحمة الله في تفسير هذه الآية. فأكثروا يا عباد الله من الدعاء، اطلبوا من ربكم سبحانه وتعالى من خير الدنيا والآخرة، وادعوا الله عز وجل بجوامع الكلم التي كان يدعو بها نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولا تنسون يا عباد الله ما تمر به هذه البلاد وغيرها من بلاد المسلمين من بلاء ووباء وفتن وحروب ومحن، فادعوا الله عز وجل أن يرفع عنا هذا الوباء وهذا البلاء، وأن يصرفه عنا وعن سائر بلاد المسلمين. أسأل الله بمنه وكرمه أن يغفر لنا وأن يرحمنا وأن يتقبل منا أجمعين، والحمد لله رب العالمين، رب العالمين. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.