الصحيح المسند من أسباب النزول  1

الصحيح المسند من أسباب النزول 1

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مقدمة الكتاب وتعريف أسباب النزول ومنهجية المعرفة

يستهل الشارح بشرح معنى "الصحيح المسند" للشيخ مقبل الوادعي، معرفاً سبب النزول بوقوع حادثة أو سؤال للنبي صلى الله عليه وسلم، مبيناً أن معرفته تعتمد على الرواية المرفوعة الصحيحة أو قول الصحابي الذي له حكم الرفع، مع التنبيه إلى أن معظم القرآن نزل ابتداءً لا لسبب خاص، وتقديم منهجية الدراسة في الكتاب بالاختصار في الصحابي والمخرج والحكم.

أحكام روايات أسباب النزول: قول الصحابي والتابعي وطرق المعرفة

يبيّن المقطع قواعد أسباب النزول من حيث قبول قول الصحابي وجعله في حكم المرفوع، بينما قول التابعي يعد مرسلاً وضعيفاً إلا بتعدد الطرق، مع حصر طرق معرفة السبب في الرواية الصحيحة المرفوعة أو إخبار الصحابي، والفرق بين صيغ السببية الصريحة والمحتملة في الروايات.

قاعدة العبرة بعموم اللفظ وتعدد الأسباب وصيغ السببية

يشرح المقطع القاعدة الأصولية القائلة إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب مستدلاً بآية الحسنات وقصة الأنصاري، ويناقش دخول صورة السبب في العموم، وتعدد الأسباب لآية واحدة أو تعدد الآيات لسبب واحد كما في وفاة أبي طالب، ويختم بتصنيف صيغ سبب النزول إلى صريحة ومحتملة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نبدأ في القراءة في هذا الكتاب النافع الماتع الفريد في بابه، ألا وهو "الصحيح المسند من أسباب النزول". ومعنى "الصحيح المسند": يعني الذي صح سندا ومتنا، فالصحيح يشمل صحة السند وصحة المتن، والمسند بمعنى متصل السند. الشيخ رحمه الله، شيخ مقبل بن هادي الوادعي، ذكر أسباب النزول بأسانيدها ومراجعها والحكم عليها، فلذلك عُدّ هذا الكتاب من أفضل الكتب فيما ثبت من أسباب النزول، وهو المرجع في هذا الباب، فيرجع له العلماء وطلاب العلم، فَتَحَرَّى فيه الصحة وبذل فيه جهدا عظيما، رحمه الله تعالى رحمة واسعة. وذكر مقدمات، لكن نرى أن الاقتصار على ذكر قواعد أصولية ثم الشروع في الكتاب هو المناسب، لأن ما سيذكره قد مر معنا كثيرا في كتاب "أصول في التفسير" للشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله، وطريقة دراستنا حتى لا تطول ويكون فيها شيء من الملل. فنقتصر على ذكر الصحابي، ومن أخرج هذا الحديث، وحكم الشيخ عليه، لأن الشيخ رحمه الله يرى أن ذكر الأسانيد وتعدد الطرق أمر مهم جدا لطالب العلم، ولكن أهل العلم يختصرون. فمثلا الشيخ الألباني عليه رحمة الله اختصر صحيح البخاري وصحيح مسلم في حذف الأسانيد والاقتصار على صحابي الحديث، والاقتصار على أصل الحديث وعدم ذكر الطرق المتعددة له، فلا بأس إن شاء الله في هذه الدراسة أن نختصر، فنأخذ صحابي الحديث مع مخرج الحديث مع حكم الشيخ عليه. وقبل أن نشرع، كما ذكرنا، سنقرأ هذا المبحث الذي ذكره قبل الشروع في أول آية، وهو قوله: "قواعد أصولية" أي فيما يتعلق بأسباب النزول. قال رحمه الله: "بأسباب النزول قواعد أصولية نشير إلى بعضها حسب ما رسمه شيخنا محمود بن عبد الوهاب فائد حفظه الله، مقتصرين على المشهور منها وما لا بد منه رغبة في الاختصار". وهذا أحد شيوخ الشيخ ممن استفاد منه، وهو معتني بعلمي الأصول. قال: "أولا: تعريف سبب النزول". الكتاب اسمه "الصحيح المسند"، وعرفنا ما معنى الصحيح وما معنى المسند. قلنا: الصحيح يعني ما يقابل الضعيف، أي ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، والمسند أي ما ذكر بسنده. وأسباب النزول: ما معناها؟ قال: "عرفوا سبب النزول". قال: "سبب النزول يكون قاصرا على أمرين: أحدهما أن تحدث حادثة فينزل القرآن الكريم بشأنها، كما في سبب نزول ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ كما سيأتي إن شاء الله، فهذه حادثة وقعت فينزل القرآن يتحدث عن هذه الحادثة. وأمثال هذا أيضا حادثة الإفك، وخبر الثلاثة الذين خُلفوا عن غزوة تبوك، هذه كل حوادث حدثت ثم نزل القرآن بالتحدث عنها، فهذا وجه من أوجه معنى سبب النزول. الثاني: أن يسأل، أو أن يُسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن شيء فينزل القرآن ببيان الحكم فيه، كما في نزول آية اللعان كما سيأتي إن شاء الله، والتي هي في سورة المجادلة، فهذه مسألة سئل عنها النبي عليه الصلاة والسلام فينزل القرآن. ومثله كذلك ذاك الذي جاء يسأل عن تقبيل امرأة لا تحل له، فنزلت الآية: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ الآية، وغيرها مما سيأتي. فتجد سبب النزول يكون قاصرا على هذين الأمرين: إما حادثة تحدث، وإما سؤال يسأله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم". قال: "ثانيا: طريقة معرفته". كيف تعرف أسباب النزول؟ قال: "أما طريقة معرفته فالعلماء يعتمدون في معرفة سبب النزول على صحة الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يعني جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام ورفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان يقال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نزلت آية كذا، أو فأوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم آية كذا، فيرفع إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالسند الصحيح، فنعرف أن هذا مما نزل من أسباب النزول. هذا أمر. قال: أو عن الصحابي، فإن إخبار الصحابي عن مثل هذا له حكم الرفع. قال ابن الصلاح رحمه الله في كتاب علوم الحديث: 'الثالث: ما قيل إن تفسير الصحابي حديث مسند، فإنما ذلك في تفسير ما يتعلق بسبب نزول الآية، يخبر به الصحابي أو نحو ذلك'. فقول جابر رضي الله عنه: 'كانت اليهود تقول: من أتى امرأته في دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله عز وجل: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ ﴾'، هذا كلام جابر، ما رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن أثبت أن هذه الآية نزلت بسبب ذلك، هذا يكون له حكم الرفع لأنه يتعلق بسبب نزول، والصحابي ما يكذب، ثقة، فإذا يكون حكم ما قال فيه: نزل قول الله كذا، حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: فأما سائر تفسير الصحابة، يعني غير سبب النزول، التي لا تشتمل على إضافة شيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمعدود في الموقوفات، والله أعلم. ولذلك في التفسير الذي هو غير سبب النزول تجد خلاف آية واحدة بين عدة صحابة، فهذا يفسرها كذا وهذا يفسرها كذا، فربما يفسرونها بالمعنى، وربما يفسرونها كذلك ببعض المعنى، فتختلف كلماتهم، وقد يكون هناك تعارض. وهذا مر معنا لو تذكرون في أصول في التفسير، ذكر ابن العثيمين عليه رحمة الله أن من تفسير الصحابة ما يكون فيه التعارض، فهنا ماذا نفعل؟ إما أن نرجح إن استطعنا، وإما يعني نرجح بين أحد القولين، وإما أن نجمع بينهما إن أمكن. هذا في ماذا؟ في تفسير الصحابة إذا كان غير سبب نزوله. أما إذا كان فيه سبب نزول، كان يقول الصحابي: فنزل قول الله كذا وكذا، فهنا يكون حكمه حكم المرفوع. طيب، لو قال صحابي: فنزل قول الله كذا وكذا في حادثة معينة، وجاء صحابي آخر جعل سبب نزول هذه الآية في حادثة أخرى، فهنا يقال: الكل صحيح، كما سيأتي، الكل صحيح. لماذا؟ لأن سبب النزول قد يتعدد. فهمتم هذا؟ سبب النزول قد يتعدد، كما سيشير الشيخ إلى ذلك. الخلاصة من هذا المبحث: أن سبب النزول نعرفه إما بالتصريح من أن النبي صلى الله عليه وسلم أنزلت عليه هذه الآية بسبب كذا وكذا، بسبب كذا وكذا، كما مثلا في حادثة الإفك، قالت عائشة: فأنزل الله عليه، على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، آية كذا وكذا، فنسبت ذلك إلى النبي عليه الصلاة والسلام، يعني آيات البراءة، وهكذا في الثلاثة الذين خُلفوا، وإما أن نعرفها بقول الصحابي: فنزل قول الله كذا وكذا نزل، دون أن ينسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا حكمه حكم المرفوع، واضح؟ لأنه سبب نزول، بخلاف غير سبب النزول، فإنا لا نحكم عليه بالرفع، بل هو يكون من قسم الموقوف، أي الذي أضيف إلى الصحابي فقط. قال: وَأَمَّا قَوْلُ التَّابِعِي: نَزَلَتْ فِي كَذَا، فَهُوَ مُرْسَلٌ، فَإِنْ تَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ قِيلَ وَقُبِلَ، وَإِلَّا فَلَا، عَلَى الرَّاجِحِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ. هذا قواعد مهم: إذا قال التابعي، كمثلا عطاء بن أبي رباح أو مجاهد أو عكرمة أو غيرهم من التابعين، قالوا: فنزل قول الله كذا وكذا، هذا يكون حكمه حكم المرسل. وعرفنا ما معنى الحديث المرسل: ما أضافه التابعي إلى النبي عليه الصلاة والسلام. طيب، هذا يسمى ماذا؟ يسمى مرسل، يسمى مرسل، بدون ذكر الواسطة، ما ندري من هي الواسطة، فهذا يقال له مرسل. المرسل من قسم الحديث الضعيف، من قسم الحديث الضعيف، كما تقدم معنا، أنا ما نعرف من الساقط. لكن لو تعددت طرق هذا المرسل، فجاء مثلا عن جماعة من التابعين بالإرسال، أو جاء عن أحدهم مرسل وعن الآخر متصل لكنه ضعيف السند، فالضعيف السند ينجبر في الحديث المرسل، فيرتقي ويتقوى ويقبل. وهذا الآن هذا في سبب النزول. نعم، قال: "ثالثا: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب". وهذه قاعدة قد مرت معنا في أصول في التفسير، يعني لو نزلت الآية في فرد لا يقتصر الحكم على هذا الفرد، مثل آية اللعان، ما تقتصر على من نزلت فيه فحسب، بل كل من فعل هذا الفعل فيكون حكم عام لجميع المسلمين. وضح هذا الآن. وهكذا آية الظهار، وآية كفارة الجماع في نهار رمضان، الحديث نعم، لكن الآية في الملاعنة في الظهار، هذا ورد في القرآن، الملاعنة في سورة النور، والظهار في سورة المجادلة. قال: "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والدليل على ذلك أن الأنصاري الذي قبل الأجنبية ونزلت فيه: ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ الآية، قال للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ألي هذا وحدي يا رسول الله؟ ومعنى هذا: هل حكم هذه الآية يختص بي لأني سبب نزولها؟ هذا معنى سؤال هذا الرجل للنبي عليه الصلاة والسلام. فماذا أجابه عليه الصلاة والسلام؟ قال له: قال فأفتاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأن العبرة بعموم اللفظ، فقال: بل لأمتي كلهم، بل لأمتي كلهم. فإذن يدل هذا على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، مع أن السبب خاص في هذا الرجل لكن الحكم عمم على جميع الأمة. قال: أما صورة السبب فجمهور أهل الأصول أنها قطعية الدخول في العام، فلا يجوز إخراجها منه بمخصص، وهو التحقيق. وما معنى صورة السبب؟ يعني صورة السبب، معناه كيفية هذا السبب، كما في هذه أن الرجل قبل المرأة، هذه صورة، هذه صورة. فهل هذه الصورة تدخل في العموم؟ نعم، جمهور أهل الأصول أنها قطعية الدخول في العام، لأن العبرة بعموم اللفظ فتدخل فيه، فلا يجوز إخراجها منه بمخصص، فلا يجوز إخراجه منه بمخصص، وهو التحقيق. قال: وروي عنهم أنها ظنية الدخول كغيرها من أفراد العام، ولكن الصحيح الأول، الصحيح الأول أنها قطعية الدخول في العام. قال: رابعا: قد تتعدد الأسباب والنازل واحد. النازل آية واحدة لكن الأسباب متعددة. وهذا ما أشرنا إليه، أن عند اختلاف سبب النزول في آية واحدة لا نقول هذا تعارض، لا، لا نقول هذا تعارض، لأنه يمكن الجمع بأن يكون السبب قد تعدد، السبب قد تعدد. قال: كما في آية اللعان وغيرها من الآيات، كما ستجده إن شاء الله في موضعه. فتجد أن الرجل الأول الذي جاء للنبي صلى الله عليه وسلم، والرجل الثاني، فلا نقول أن هذا تعارض، لا، فجاء الأول ثم ذهب ثم جاء الثاني ثم نزلت الآية، فيكون سبب نزول الآية هذان السببان، فيكون سبب نزول الآية هذين السببين، وسيأتي هذا في موضعه إن شاء الله. وكذا قد تتعدد الآيات النازلة والسبب واحد، كما في حديث المسيب رضي الله عنه في شأن وفاة أبي طالب. يعني السبب واحد ونزلت أكثر من آية فيه. العكس: المسألة الأولى الآية واحدة والسبب متعدد، أما الثاني فالسبب واحد والآيات متعددة. مثاله قال: كما في حديث المسيب رضي الله عنه في شأن وفاة أبي طالب، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا أستغفرن لك ما لم أنهى عنه. هذه آية نزلت في ذلك. حديث المسيب معروف، مر معنا قريبا في ستة مواضع من السيرة، لما حضرت أبا طالب الوفاة جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي طالب ووجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله. فقال له أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ الحديث. فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعدما توفي على الشرك: والله لأستغفرن لك ما لم أنهى عنه. فأنزل الله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾، هذه آية نزلت لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لأستغفرن له ما لم أنهى عنه، فجاءت الآية بالنهي عن الاستغفار للمشركين. هذه الآية الأولى. والآية الثانية: ونزل في أبي طالب: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ﴾. أنظر، السبب واحد وهو هذا الحديث، جاء يدعوه فأبى فمات على الكفر، فقال: لا أستغفرن له، فنزلت النهي عن الاستغفار، ونزل قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ﴾. إذن السبب واحد وأن النازل أكثر من آية. واضح هذا الآن؟ قال: والأمثلة على ذلك كثيرة ستمر بك إن شاء الله في هذا الكتاب. ثم قال: خامسا: صيغة سبب النزول. إما أن تكون صريحة في السببية، صريحة يعني فيها بيان لفظ النزول: بسبب هذا نزلت كذا وكذا، هذا صريح. كان يقول الصحابي: فنزلت آية كذا، فنزل على رسول الله كذا وكذا، هذا صريح في النزول. وإما أن تكون محتملة، يعني ما فيه نص صريح وإنما احتمال أن تكون من سبب النزول، واحتمال أن لا تكون. قال: فتكون نصا صريحا إذا قال الراوي: سبب نزول هذه الآية كذا، فهذا صريح. أو إذا أتى بفاء تعقيبية داخلة على مادة النزول بعد ذكر الحادثة، يعني كان يقول: فنزلت، هذه الفاء تسمى فاء التعقيب، فاء التعقيب. قال: أو إذا أتى بفاء تعقيبية داخلة على مادة النزول بعد ذكر الحادثة أو السؤال، يعني يسأل فيقال: فنزلت آية كذا وكذا، فهذا صريح. كما إذا قال: حدث كذا، أو سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كذا، فنزلت الآية. قال: فهاتان صيغتان صريحتان في السببية، وسيأتي لهما أمثلة إن شاء الله. وتكون الآية محتملة للسببية ولما تضمنته الآية من الأحكام، إذا قال الراوي: نزلت هذه الآية في كذا، ما في تعقيب، إنما قال: نزلت الآية في كذا، فذلك يراد به تارة أنه سبب النزول، وتارة أنه داخل في معنى الآية، فهذا ليس صريح. قول الراوي: نزلت آية كذا، قد تكون نزلت في هذه الحادثة، وقد يكون أراد به الحكم العام، وقد يكون أراد به الحكم العام فتدخل في معنى الآية. قال: وكذا إذا قال: أحسب هذه الآية نزلت في كذا، لأنه بمعنى الظن، أو ما أحسب هذه الآية لأنها نزلت في كذا، فإن الراوي بهذه الصيغة لا يقطع بالسبب، يعني لا يجزم، لأن "ما أحسب" الغالب في هذا الفعل يستخدم للظن، يستخدم للظن وليس للعلم اليقين، فهذا لا يُقْطَع فيه بالسببية، ولكن احتمال. قال: فهاتان صيغتان تحتملان السببية وغيرها، تحتملان السببية وغيرها، وسيأتي لهما أمثلة إن شاء الله. انتهى مختصرا من كتاب "مباحث في علوم القرآن" لمناع القطان، مع التنبيه على أن مناع القطان من الإخوان المسلمين، وهو ليس على الجادة وليس من أهل السنة، وله كتاب اسمه "مباحث في علوم القرآن". فالشيخ نقل منه لأنه وجده في هذا الكتاب، وهذا الكتاب من كتب الشيخ القديمة، من كتب الشيخ القديمة، وهو لا يزال طالبا في الجامعة الإسلامية، فلعل الشيخ في النسخ الأخرى نبه على هذا. وذكر العلماء أنه إذا كان هناك أحد ممن عرف بعد لزوم السنة ومنهج أهل السنة، إذا له كتاب علمي بحت، خلا بأس أن يستفاد منه لأنه خال من أفكاره ومنهجه المنحرف، مع التنبيه على حال هذا المؤلف. نعم، ذكر هذا أو نحو هذا الشيخ العلامة عبيد الجابري حفظه الله تعالى، أن من كان على غير طريقة أهل السنة وله كتاب علم بحت ما فيه شيء من انحرافاته ولا من ضلالاته ولا من تقعيداته، فلا بأس أن يستفاد منه مع التنبيه على حال هذا المؤلف، حتى لا يُشَاد به ولا كذلك يُعْطَى فوق منزلته ويغتر به الناس. قال رحمه الله: وكذا إذا قال: أحسب، وأنتهينا من هذا. قال: فائدة: من القرآن ما نزل لسبب، ومنه ما نزل ابتداء بعقائد الإيمان وواجبات الإسلام وغير ذلك من التشريع. قال: وإنما ذكرت هذا لأن بعضهم طالبني في ذات مرة أن أذكر له سببا آخر لقوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ ﴾ الآية، عندما قلت له إن القصة التي وردت في ثعلبة ضعيفة، وهذا تنبيه مهم وفائدة طيبة من الشيخ رحمه الله، أنه ليس كل آية فيها سبب نزول، لا، الآيات التي فيها سبب نزول آيات قليلة، كما سيمر معنا في هذا الكتاب، وأكثر القرآن ينزل ابتداء من غير سبب، كالحث على عقائد الإسلام أو الأخلاق الفاضلة أو الإيمان أو واجبات الإسلام أو قصص الأنبياء أو نحو ذلك، فهذا لا يكون فيها سبب نزول. فكما ذكر الشيخ في سيأتي، أو ذكر في المقدمة، أن سبب النزول الذي نزل في قول الله عز وجل: ﴿ وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ ﴾ الآية، أنه ضعيف لم يصح، ولذلك ما أورده الشيخ في هذا الكتاب. فلما علم بعض الناس بذلك قالوا للشيخ: إذن ائتنا بسبب آخر لهذه الآية، ائتنا بسبب آخر، يظن أن ما من آية إلا ولا سبب نزول، لا، هذه الآية من الآيات التي نزلت ابتداء، وهو التحذير من المنافقين في سورة التوبة، كم آية تجد فيها: ومنهم، ومنهم، ومنهم، هل كلها نزل فيها سبب النزول؟ لا، ما يلزم هذا، وإنما ذكرت ابتداء تحذيرا من حال هؤلاء الذين وصفوا بهذه الصفات، فهذا تنبيه مهم. قال: وكذا قوله تعالى: ﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ﴾ إلى آخر الآيات، عندما قلت لبعضهم إنما ورد أنها نزلت في علي وفاطمة وليس بصحيح، وقد ذكرها ابن الجوزي في الموضوعات ووافقه السيوطي، وهذا أيضا ما ثبت في ذلك شيء من سبب نزول، قال: ووافقه السيوطي، فأحببت التنبيه على هذا لأن لا يظن، أو لأن لا يظن من لم يمارس سبب النزول أن لكل آية سببا. قال: هذا ما تيسر لي، وإن كنت تريد المزيد فعليك بمراجعة "الإتقان" للحافظ السيوطي رحمه الله، والله أسأل أن يثبت شيخنا المشرف على حسن توجيهه، والمشرف يعني الذي أشرف على الرسالة، لأن هذه رسالة قدمها للجامعة، وتنبيهي على ما وقع مني من الأخطاء، فإنه حفظه الله قد كَبَّر نفسه ولاحظ ملاحظة دقيقة، فجزاه الله خيرا وبارك له في عمله وولده وماله، آمين. وهذا من باب: من لا يشكر الناس لا يشكر الله، فشكر لشيخه الذي أعانه على الإشراف على هذه الرسالة، الرسالة. طيب، يبدأ الشروع إن شاء الله في أول سبب نزول في سورة البقرة، في الدرس القادم إن شاء الله، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نبدأ في القراءة في هذا الكتاب النافع الماتع الفريد في بابه، ألا وهو "الصحيح المسند من أسباب النزول". ومعنى "الصحيح المسند": يعني الذي صح سندا ومتنا، فالصحيح يشمل صحة السند وصحة المتن، والمسند بمعنى متصل السند. الشيخ رحمه الله، شيخ مقبل بن هادي الوادعي، ذكر أسباب النزول بأسانيدها ومراجعها والحكم عليها، فلذلك عُدّ هذا الكتاب من أفضل الكتب فيما ثبت من أسباب النزول، وهو المرجع في هذا الباب، فيرجع له العلماء وطلاب العلم، فَتَحَرَّى فيه الصحة وبذل فيه جهدا عظيما، رحمه الله تعالى رحمة واسعة. وذكر مقدمات، لكن نرى أن الاقتصار على ذكر قواعد أصولية ثم الشروع في الكتاب هو المناسب، لأن ما سيذكره قد مر معنا كثيرا في كتاب "أصول في التفسير" للشيخ ابن عثيمين عليه رحمة الله، وطريقة دراستنا حتى لا تطول ويكون فيها شيء من الملل. فنقتصر على ذكر الصحابي، ومن أخرج هذا الحديث، وحكم الشيخ عليه، لأن الشيخ رحمه الله يرى أن ذكر الأسانيد وتعدد الطرق أمر مهم جدا لطالب العلم، ولكن أهل العلم يختصرون. فمثلا الشيخ الألباني عليه رحمة الله اختصر صحيح البخاري وصحيح مسلم في حذف الأسانيد والاقتصار على صحابي الحديث، والاقتصار على أصل الحديث وعدم ذكر الطرق المتعددة له، فلا بأس إن شاء الله في هذه الدراسة أن نختصر، فنأخذ صحابي الحديث مع مخرج الحديث مع حكم الشيخ عليه. وقبل أن نشرع، كما ذكرنا، سنقرأ هذا المبحث الذي ذكره قبل الشروع في أول آية، وهو قوله: "قواعد أصولية" أي فيما يتعلق بأسباب النزول. قال رحمه الله: "بأسباب النزول قواعد أصولية نشير إلى بعضها حسب ما رسمه شيخنا محمود بن عبد الوهاب فائد حفظه الله، مقتصرين على المشهور منها وما لا بد منه رغبة في الاختصار". وهذا أحد شيوخ الشيخ ممن استفاد منه، وهو معتني بعلمي الأصول. قال: "أولا: تعريف سبب النزول". الكتاب اسمه "الصحيح المسند"، وعرفنا ما معنى الصحيح وما معنى المسند. قلنا: الصحيح يعني ما يقابل الضعيف، أي ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، والمسند أي ما ذكر بسنده. وأسباب النزول: ما معناها؟ قال: "عرفوا سبب النزول". قال: "سبب النزول يكون قاصرا على أمرين: أحدهما أن تحدث حادثة فينزل القرآن الكريم بشأنها، كما في سبب نزول ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ كما سيأتي إن شاء الله، فهذه حادثة وقعت فينزل القرآن يتحدث عن هذه الحادثة. وأمثال هذا أيضا حادثة الإفك، وخبر الثلاثة الذين خُلفوا عن غزوة تبوك، هذه كل حوادث حدثت ثم نزل القرآن بالتحدث عنها، فهذا وجه من أوجه معنى سبب النزول. الثاني: أن يسأل، أو أن يُسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن شيء فينزل القرآن ببيان الحكم فيه، كما في نزول آية اللعان كما سيأتي إن شاء الله، والتي هي في سورة المجادلة، فهذه مسألة سئل عنها النبي عليه الصلاة والسلام فينزل القرآن. ومثله كذلك ذاك الذي جاء يسأل عن تقبيل امرأة لا تحل له، فنزلت الآية: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ الآية، وغيرها مما سيأتي. فتجد سبب النزول يكون قاصرا على هذين الأمرين: إما حادثة تحدث، وإما سؤال يسأله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم". قال: "ثانيا: طريقة معرفته". كيف تعرف أسباب النزول؟ قال: "أما طريقة معرفته فالعلماء يعتمدون في معرفة سبب النزول على صحة الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يعني جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام ورفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان يقال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نزلت آية كذا، أو فأوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم آية كذا، فيرفع إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالسند الصحيح، فنعرف أن هذا مما نزل من أسباب النزول. هذا أمر. قال: أو عن الصحابي، فإن إخبار الصحابي عن مثل هذا له حكم الرفع. قال ابن الصلاح رحمه الله في كتاب علوم الحديث: 'الثالث: ما قيل إن تفسير الصحابي حديث مسند، فإنما ذلك في تفسير ما يتعلق بسبب نزول الآية، يخبر به الصحابي أو نحو ذلك'. فقول جابر رضي الله عنه: 'كانت اليهود تقول: من أتى امرأته في دبرها في قبلها جاء الولد أحول، فأنزل الله عز وجل: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ ﴾'، هذا كلام جابر، ما رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن أثبت أن هذه الآية نزلت بسبب ذلك، هذا يكون له حكم الرفع لأنه يتعلق بسبب نزول، والصحابي ما يكذب، ثقة، فإذا يكون حكم ما قال فيه: نزل قول الله كذا، حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: فأما سائر تفسير الصحابة، يعني غير سبب النزول، التي لا تشتمل على إضافة شيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمعدود في الموقوفات، والله أعلم. ولذلك في التفسير الذي هو غير سبب النزول تجد خلاف آية واحدة بين عدة صحابة، فهذا يفسرها كذا وهذا يفسرها كذا، فربما يفسرونها بالمعنى، وربما يفسرونها كذلك ببعض المعنى، فتختلف كلماتهم، وقد يكون هناك تعارض. وهذا مر معنا لو تذكرون في أصول في التفسير، ذكر ابن العثيمين عليه رحمة الله أن من تفسير الصحابة ما يكون فيه التعارض، فهنا ماذا نفعل؟ إما أن نرجح إن استطعنا، وإما يعني نرجح بين أحد القولين، وإما أن نجمع بينهما إن أمكن. هذا في ماذا؟ في تفسير الصحابة إذا كان غير سبب نزوله. أما إذا كان فيه سبب نزول، كان يقول الصحابي: فنزل قول الله كذا وكذا، فهنا يكون حكمه حكم المرفوع. طيب، لو قال صحابي: فنزل قول الله كذا وكذا في حادثة معينة، وجاء صحابي آخر جعل سبب نزول هذه الآية في حادثة أخرى، فهنا يقال: الكل صحيح، كما سيأتي، الكل صحيح. لماذا؟ لأن سبب النزول قد يتعدد. فهمتم هذا؟ سبب النزول قد يتعدد، كما سيشير الشيخ إلى ذلك. الخلاصة من هذا المبحث: أن سبب النزول نعرفه إما بالتصريح من أن النبي صلى الله عليه وسلم أنزلت عليه هذه الآية بسبب كذا وكذا، بسبب كذا وكذا، كما مثلا في حادثة الإفك، قالت عائشة: فأنزل الله عليه، على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، آية كذا وكذا، فنسبت ذلك إلى النبي عليه الصلاة والسلام، يعني آيات البراءة، وهكذا في الثلاثة الذين خُلفوا، وإما أن نعرفها بقول الصحابي: فنزل قول الله كذا وكذا نزل، دون أن ينسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا حكمه حكم المرفوع، واضح؟ لأنه سبب نزول، بخلاف غير سبب النزول، فإنا لا نحكم عليه بالرفع، بل هو يكون من قسم الموقوف، أي الذي أضيف إلى الصحابي فقط. قال: وَأَمَّا قَوْلُ التَّابِعِي: نَزَلَتْ فِي كَذَا، فَهُوَ مُرْسَلٌ، فَإِنْ تَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ قِيلَ وَقُبِلَ، وَإِلَّا فَلَا، عَلَى الرَّاجِحِ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ. هذا قواعد مهم: إذا قال التابعي، كمثلا عطاء بن أبي رباح أو مجاهد أو عكرمة أو غيرهم من التابعين، قالوا: فنزل قول الله كذا وكذا، هذا يكون حكمه حكم المرسل. وعرفنا ما معنى الحديث المرسل: ما أضافه التابعي إلى النبي عليه الصلاة والسلام. طيب، هذا يسمى ماذا؟ يسمى مرسل، يسمى مرسل، بدون ذكر الواسطة، ما ندري من هي الواسطة، فهذا يقال له مرسل. المرسل من قسم الحديث الضعيف، من قسم الحديث الضعيف، كما تقدم معنا، أنا ما نعرف من الساقط. لكن لو تعددت طرق هذا المرسل، فجاء مثلا عن جماعة من التابعين بالإرسال، أو جاء عن أحدهم مرسل وعن الآخر متصل لكنه ضعيف السند، فالضعيف السند ينجبر في الحديث المرسل، فيرتقي ويتقوى ويقبل. وهذا الآن هذا في سبب النزول. نعم، قال: "ثالثا: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب". وهذه قاعدة قد مرت معنا في أصول في التفسير، يعني لو نزلت الآية في فرد لا يقتصر الحكم على هذا الفرد، مثل آية اللعان، ما تقتصر على من نزلت فيه فحسب، بل كل من فعل هذا الفعل فيكون حكم عام لجميع المسلمين. وضح هذا الآن. وهكذا آية الظهار، وآية كفارة الجماع في نهار رمضان، الحديث نعم، لكن الآية في الملاعنة في الظهار، هذا ورد في القرآن، الملاعنة في سورة النور، والظهار في سورة المجادلة. قال: "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والدليل على ذلك أن الأنصاري الذي قبل الأجنبية ونزلت فيه: ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ الآية، قال للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ألي هذا وحدي يا رسول الله؟ ومعنى هذا: هل حكم هذه الآية يختص بي لأني سبب نزولها؟ هذا معنى سؤال هذا الرجل للنبي عليه الصلاة والسلام. فماذا أجابه عليه الصلاة والسلام؟ قال له: قال فأفتاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأن العبرة بعموم اللفظ، فقال: بل لأمتي كلهم، بل لأمتي كلهم. فإذن يدل هذا على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، مع أن السبب خاص في هذا الرجل لكن الحكم عمم على جميع الأمة. قال: أما صورة السبب فجمهور أهل الأصول أنها قطعية الدخول في العام، فلا يجوز إخراجها منه بمخصص، وهو التحقيق. وما معنى صورة السبب؟ يعني صورة السبب، معناه كيفية هذا السبب، كما في هذه أن الرجل قبل المرأة، هذه صورة، هذه صورة. فهل هذه الصورة تدخل في العموم؟ نعم، جمهور أهل الأصول أنها قطعية الدخول في العام، لأن العبرة بعموم اللفظ فتدخل فيه، فلا يجوز إخراجها منه بمخصص، فلا يجوز إخراجه منه بمخصص، وهو التحقيق. قال: وروي عنهم أنها ظنية الدخول كغيرها من أفراد العام، ولكن الصحيح الأول، الصحيح الأول أنها قطعية الدخول في العام. قال: رابعا: قد تتعدد الأسباب والنازل واحد. النازل آية واحدة لكن الأسباب متعددة. وهذا ما أشرنا إليه، أن عند اختلاف سبب النزول في آية واحدة لا نقول هذا تعارض، لا، لا نقول هذا تعارض، لأنه يمكن الجمع بأن يكون السبب قد تعدد، السبب قد تعدد. قال: كما في آية اللعان وغيرها من الآيات، كما ستجده إن شاء الله في موضعه. فتجد أن الرجل الأول الذي جاء للنبي صلى الله عليه وسلم، والرجل الثاني، فلا نقول أن هذا تعارض، لا، فجاء الأول ثم ذهب ثم جاء الثاني ثم نزلت الآية، فيكون سبب نزول الآية هذان السببان، فيكون سبب نزول الآية هذين السببين، وسيأتي هذا في موضعه إن شاء الله. وكذا قد تتعدد الآيات النازلة والسبب واحد، كما في حديث المسيب رضي الله عنه في شأن وفاة أبي طالب. يعني السبب واحد ونزلت أكثر من آية فيه. العكس: المسألة الأولى الآية واحدة والسبب متعدد، أما الثاني فالسبب واحد والآيات متعددة. مثاله قال: كما في حديث المسيب رضي الله عنه في شأن وفاة أبي طالب، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا أستغفرن لك ما لم أنهى عنه. هذه آية نزلت في ذلك. حديث المسيب معروف، مر معنا قريبا في ستة مواضع من السيرة، لما حضرت أبا طالب الوفاة جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي طالب ووجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله. فقال له أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ الحديث. فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعدما توفي على الشرك: والله لأستغفرن لك ما لم أنهى عنه. فأنزل الله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾، هذه آية نزلت لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لأستغفرن له ما لم أنهى عنه، فجاءت الآية بالنهي عن الاستغفار للمشركين. هذه الآية الأولى. والآية الثانية: ونزل في أبي طالب: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ﴾. أنظر، السبب واحد وهو هذا الحديث، جاء يدعوه فأبى فمات على الكفر، فقال: لا أستغفرن له، فنزلت النهي عن الاستغفار، ونزل قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ﴾. إذن السبب واحد وأن النازل أكثر من آية. واضح هذا الآن؟ قال: والأمثلة على ذلك كثيرة ستمر بك إن شاء الله في هذا الكتاب. ثم قال: خامسا: صيغة سبب النزول. إما أن تكون صريحة في السببية، صريحة يعني فيها بيان لفظ النزول: بسبب هذا نزلت كذا وكذا، هذا صريح. كان يقول الصحابي: فنزلت آية كذا، فنزل على رسول الله كذا وكذا، هذا صريح في النزول. وإما أن تكون محتملة، يعني ما فيه نص صريح وإنما احتمال أن تكون من سبب النزول، واحتمال أن لا تكون. قال: فتكون نصا صريحا إذا قال الراوي: سبب نزول هذه الآية كذا، فهذا صريح. أو إذا أتى بفاء تعقيبية داخلة على مادة النزول بعد ذكر الحادثة، يعني كان يقول: فنزلت، هذه الفاء تسمى فاء التعقيب، فاء التعقيب. قال: أو إذا أتى بفاء تعقيبية داخلة على مادة النزول بعد ذكر الحادثة أو السؤال، يعني يسأل فيقال: فنزلت آية كذا وكذا، فهذا صريح. كما إذا قال: حدث كذا، أو سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كذا، فنزلت الآية. قال: فهاتان صيغتان صريحتان في السببية، وسيأتي لهما أمثلة إن شاء الله. وتكون الآية محتملة للسببية ولما تضمنته الآية من الأحكام، إذا قال الراوي: نزلت هذه الآية في كذا، ما في تعقيب، إنما قال: نزلت الآية في كذا، ف