الصحيح المسند من أسباب النزول  37

الصحيح المسند من أسباب النزول 37

الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 37، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

قصة الأعرابي ونزول آية العصمة الإلهية للنبي ﷺ

يسرد المقطع قصة الأعرابي الذي هدد النبي ﷺ بالسيف وهو نائم، فرد النبي بالتوكل على الله فسقط السيف، ونزلت آية ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ تأكيداً لعصمته. ويبين الدرس جواز الأخذ بالأسباب مع الثقة بالله، مستعرضاً بساطة حياة السلف وشدتهم مقارنة بنعم العصر الحاضر.

إسلام النجاشي وأصحابه ببكائهم عند سماع القرآن

يشرح المقطع ابتلاء المؤمنين لرفع درجاتهم، ثم يروي تأثر النجاشي ملك الحبشة وأتباعه بالقرآن حتى بكوا، وصلاة النبي ﷺ عليه دليل إسلامهم. ويؤكد أن الخشوع والبكاء عند تلاوة القرآن صفة للمؤمنين الصادقين من أهل الكتاب الذين عرفوا الحق.

أساس إيمان النجاشي: وجود صفة النبي ﷺ في الكتب السابقة

يذكر المقطع أن النبي محمداً ﷺ مذكور في التوراة والإنجيل، وأن من خلص قلبه من الهوى والكبر آمن به بسرعة كما فعل النجاشي وأتباعه. ويبين أن نزول آية قرآنية فيهم جاء تكريماً لإيمانهم المبني على المعرفة السابقة والنقاء القلبي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": سبب نزول قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾. قال ابن حبان في "الموارد": أخبرنا عبد الله بن محمد الأزي، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: أنبأنا مؤمل بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلا نظروا أعظم شجرة يرونها فجعلوها للنبي صلى الله عليه وسلم، فينزل تحتها، وينزل أصحابه بعد ذلك في ظل الشجرة. فبينما هو نازل تحت شجرة وقد علق السيف عليها، إذ جاء أعرابي فأخذ السيف من الشجرة، ثم دنى من النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم، فأيقظه، فقال: يا محمد، من يمنعك مني؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله. فأنزل الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾. قال: هذا حديث حسن، فإن محمد بن عمرو قال فيه الحافظ الذهبي في "الميزان": إنه حسن الحديث، ومؤمل بن إسماعيل تكلموا في حفظه، ولكن قد توبع كما في تفسير ابن كثير، فقد تابعه آدم وهو ابن أبي إياس، ذكره ابن كثير بسند ابن مردويه. فالحكم على الحديث أنه حديث حسن، سواء كان حسنا لذاته أو حسنا لغيره، فهو ثابت إن شاء الله. وبسبب نزول هذه الآية تعلم معنى هذه الآية، فيقول أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلا، يعني في الغزو أو في السفر، فإنه كما تعلمون كانوا يسافرون على الجمال، بل بعضهم يمشي على الأقدام، ما كان عندهم سيارات ولا طائرات، فكانوا يمشون، فإذا أرادوا الراحة وأرادوا النوم نزلوا في مكان يظلهم ويكون مناسبا لوجود ماء فيه مثلا أو وجود شجر فيه يستظلون تحت ظله أو نحو ذلك. في هذا السفر أو هذه الغزوة نزل النبي صلى الله عليه وسلم منزلا، وكان الصحابة إذا نزل النبي صلى الله عليه وسلم منزلا نظروا أعظم شجر يرونها، أعظم شجر يعني أكبر شجر، لأن تكون أكثر ظلا، وأكثر ظلا، وهذا من محبة الصحابة للنبي عليه الصلاة والسلام، ومن تعظيمهم له وإجلالهم له عليه الصلاة والسلام، فكانوا ينظرون له أكبر وأعظم شجرة حتى تكون ذا ظل كثير، فيجعلون هذه الشجرة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿ نَظَرُوا أَعْظَمَ شَجَرَةٍ يَرَوْنَهَا فَجَعَلُوهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَنْزِلُ تَحْتَهَا ﴾ يعني يستريح وينام تحتها، ﴿ وَيَنْزِلُ أَصْحَابُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي ظِلِّ الشَّجَرَةِ ﴾ يعني في الأطراف، أطراف هذه الشجرة، أو تحت أشجار أخر، أو تحت أشجار أخر. كانت حياتهم سهلة، ما عندهم فنادق، الآن لو أحد سافر وأراد أن يبيت أو نحو ذلك استأجر فندقا، صح؟ كانت حياتهم سهلة، بل إلى الآن بعض أهل البادية لا يحبون النوم في الفنادق، فربما نظروا لهم واديا، نظروا لهم واديا أو شجرة فاستظلوا تحتها، فاستظلوا تحتها. فهكذا كانت حياة النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، حياة سهلة، يمشي، يتعب، ينام ويستريح تحت الشجر، وكذلك في الأودية والأماكن التي على طريقهم، التي على طريقهم. وليس معنى هذا تحريم النوم في الفنادق أو النزول في الفنادق، لا، لكن الشاهد في هذا أن المسلم يشكر نعمة الله عز وجل عليه، إذ أنعم الله عز وجل علينا في هذه الأزمان بنعم كثيرة ما كانت موجودة في أسلافنا الذين مضوا، حتى على مستوى آبائنا وأجدادنا، كم عانوا؟ ما كان عندهم سيارات، متى جاءت السيارات؟ قبل كم سنة؟ ربما أقل من مائة سنة، قل أكثر من مائة سنة، فترة يسيرة، فكان الأجداد والآباء يعانون، يحكي بعض الآباء: يمشي المسافات الطويلة حتى يصل إلى المكان الذي يريده، الذين يذهبون إلى الحج ثلاثة أشهر وهم في الطريق حتى يصلوا إلى بيت الله الحرام، من مكان إلى آخر، تارة بالبر وتارة بالبحر، وتارة يجدون قطاع الطرق، الآن ما هي إلا ساعات بطائرة أو بالباص سيارة، فإذا أنت في حرم الله نعمة عظيمة، فمما يعين على شكر النعم تذكر الأحوال التي مر بها الإنسان من أحوال الضعف والشدة، من أحوال الضعف والشدة، فيزداد المسلم بذلك شكرا، يزداد المسلم بذلك شكرا. حتى ربما بعضنا قبل سنوات كان يعيش في شدة، بفقر مثلا، أو في كذلك عدم توفر سكن أو زوجة أو أولاد أو نحو ذلك، بل ربما مرت عليه مراحل فيها من الشدة، من نزول مرض أو نحو ذلك، فإذا به الآن يتنعم بنعم كثيرة، نعم الزوجة، ونعم الأولاد، ونعم البيت، ونعم طلب العلم، ونعم كذلك الاستقامة. ربما بعضنا قبل سنوات وهو في غفلة، وهو في كذلك معاص، وكذلك في ضياع ونحو ذلك، فمن الله عز وجل عليه بالاستقامة، فيشكر الله، ويتذكر تلك الأحوال التي مرت به من أحوال الضعف والشدة. الشاهد من هذا: انظروا إلى حياة السلف، كانت حياة سهلة، وكانت حياة يعني عانوا فيها، سواء كان في تنقلاتهم أو في معاشهم. كم مرة معنا في السيرة، سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، يأتي النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته فلا يجد، لا يجد طعاما، ينزل عليه الضيف لا يجد ما يكرم به هذا الضيف، بل يمر الشهر، والشهر، والشهر، ثلاثة أشهر، ولا يوقد في أبيات النبي عليه الصلاة والسلام نار، فقيل لعائشة رضي الله تعالى عنها: فما طعامكم يومئذ؟ قالت: الأسودان، ما هما الأسودان؟ التمر والماء. هذا كان أكلهم، التمر والماء. الحمد لله، أهديكم الله، وكم كم مرت بنا من أحاديث فيها من الشدة التي مر بها سلفنا الصالح، فأحمد الله، المسلم إذ من عليه بهذه النعم العظيمة التي لا تعد ولا تحصى. قال: ﴿ فَبَيْنَمَا هُوَ نَازِلٌ تَحْتَ شَجَرَةٍ وَقَدْ عَلَّقَ السَّيْفَ عَلَيْهَا ﴾ يعني وهو نائم، ﴿ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ ﴾ نسبه إلى البادية، ﴿ فَأَخَذَ السَّيْفَ مِنَ الشَّجَرَةِ ﴾ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان نائما، ﴿ ثُمَّ دَنَا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴾ أي قرب من النبي عليه وسلم، ﴿ وَهُوَ نَائِمٌ ﴾ أي النبي صلى الله عليه وسلم نائم، ﴿ فَأَيْقَظَهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي ﴾ يعني ما يوجد إلا أنا وأنت، لأن أصحابه تفرقوا عنه عليه وسلم، فلم يكن معه أحد، فقال: من يمنعك مني؟ فلقوة ثقة النبي عليه وسلم بربه، وقوة توكله على الله، قال النبي عليه الصلاة والسلام: الله. وفي رواية أن هذا الأعرابي رعدت يده لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: الله، رعدت يده يعني اهتزت يده، وسقط السيف منه. هذه أيضا رواية ذكرها الحافظ ابن كثير في تفسيره. وهذا جاء بمعنى حديث آخر في الصحيح، حديث جابر، لما اخترط أعرابي السيف وقال: من يمنعك مني؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله، فسقط السيف من يد هذا الرجل، فأخذه النبي عليه الصلاة، فقال له: من يمنعك مني؟ فقال هذا الرجل: كن خير آخذ، فعفى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له: أعاهدك، أي هذا الرجل قال: نفسك، وأعاهدك أني لا أقاتلك ولا أقاتل مع قوم يقاتلونك. ذلك حديث آخر، وهذا حديث آخر فيه سبب نزول هذه الآية، وهو أن هذا الرجل لما سقط السيف من يده، أنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾. قال الحافظ في تفسير هذه الآية: أي بلغ أنت رسالتي، وأنا حافظك وناصرك ومؤيدك على أعدائك، ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك. وهذا معنى قوله: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ يعني يحفظك، وهكذا لا تصل إليك أيادي السوء والغدر والعداوة، فالله عز وجل حافظ نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعصمة الله للنبي عليه الصلاة والسلام وردت في مواقف كثيرة، فكم حاول المشركون في مكة أن يقتلوا النبي عليه الصلاة والسلام وأن يؤذوه، كما جاء في ما أراد أبو جهل أن يؤذي به النبي عليه الصلاة والسلام، أما قال لقومه: إذا سجد النبي عليه الصلاة والسلام فإني أثلغ رأسه بهذه الحجرة، وكانت هناك حجرة كبيرة، فشجعوه، فشجعوه قومه على ذلك، فلما سجد النبي صلى الله عليه عليه وسلم أخذ هذه الحجرة، فإذا به يرجع القهقرى، فقيل له: ما لك؟ قال: إن بيني وبينه لخندقا من نار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو دنى مني لتخطفته الملائكة عضوا عضوا. وهذا من عصمة الله سبحانه وتعالى، من عصمة الله سبحانه وتعالى لنبيه. وهكذا في الهجرة، لما اجتمعوا على قتله، وهموا بأن يضربوه ضربة رجل واحد، الله سبحانه وتعالى أخبر نبيه بذلك، ولم ينم في بيته وعلى فراشه، وهذه من عصمة الله سبحانه وتعالى لنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هذا في مكة، كذلك لما هاجر إلى المدينة، كم حاول اليهود، كم حاول اليهود أن يقتلوا النبي عليه الصلاة والسلام، ذاك الذي صعد على البيت الذي تحته النبي عليه الصلاة والسلام، فأراد أن يرمي بحجر على رأس النبي عليه الصلاة والسلام، فأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك، وأوحى الله إليه، فعصمه من ذلك، وقام عليه الصلاة والسلام، وآذن، وآذن، وآذن. كم من مواقف عصمه الله سبحانه وتعالى، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يحرس من قبل أصحابه، وكان يحب ذلك، فما جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾، قالت: فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة، يعني المكان الذي كان فيه، وقال: يا أيها الناس انصرفوا، فقد عصمني الله عز وجل، فقد عصمني الله عز وجل. وهذا الحديث رواه الترمذي وحسنه العلامة الألباني كما في صحيح الترمذي، كما في صحيح الترمذي. وفي ذلك أن المسلم إذا شعر بالخطر من قبل أعدائه فلا يمنع من أن يتخذ الأسباب في حفظ نفسه ودمه، وذلك باتخاذ الحراسة، باتخاذ الحراسة، الحراسة، فهذا ليس، هذا الأمر ليس، هذا الأمر ليس، ليس فيه ضعف توكل أو نحو ذلك، بل فيه اتخاذ بالأسباب. الحمد لله. في مركز من مراكز السنة، أو لشيخي من مشايخ العلم، بل هذا ربما يجب في أوقات الخوف وتوقع الشر بأهل السنة، وتوقع الشر بأهل السنة، فهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يحرس، لكن لما عصمه الله وهو وحي وحاه الله إلى نبيه عليه الصلاة والسلام ترك الحراسة لأن الله يعصمه، لكن غيره، لاسيما وقد وقع ذلك في أهل السنة من اغتيالات أو من كذلك ضرب ونحو ذلك، فيجب على أهل السنة أن يكونوا حذرين، أن يكونوا حذرين، فإن استوجبت الأرض الحراسة فهذه سنة كان عليها النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا من بعده من الخلفاء والعلماء ونحوهم. وهذا الحديث فيه فوائد عدة، ملخصها فيما يأتي: أولا: محبة الصحابة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك في قوله: ﴿ نَظَرُوا أَعْظَمَ شَجَرَةٍ يَرَوْنَهَا ﴾. وفي هذا أيضا الحديث: توكل النبي عليه الصلاة والسلام، تعلقه بربه، فلما قال: من يمنعك مني؟ قال: الله. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم، يقوي ثقته بالله عز وجل في كل عمل يقوم به، في باب حفظ نفسه من العدو، أو في الجهاد، أو في طلب الرزق، أو في طلب العلم، أو في كذلك الاجتهاد في العبادة، يتوكل على الله، ويقوي إيمانه بالله سبحانه وتعالى. وإذا نظرت في حياة النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه لرأيت أنه عليه الصلاة والسلام إمام المتوكلين، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي هذا الحديث أيضا: دفاع ربنا سبحانه وتعالى عن أنبيائه ورسله وأتباعهم، وهذا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾. وأما ما يقع لهم من غدر أو من قتل أو من كذلك أذى، فهذا من أجل رفع درجاتهم، ومن أجل كذلك غفران ذنوبهم، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «يُبْتَلَى الْعَبْدُ عَلَى قَدْرِ إِيمَانِهِ، عَلَى قَدْرِ إِيمَانِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي إِيمَانِهِ صَلَابَةٌ، إِنْ كَانَ فِي إِيمَانِهِ صَلَابَةٌ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْبَلَاءُ، وَلَكِنْ فِي الْيَوْمِ لَهُ»، فإن الله سبحانه وتعالى يدافع عن أوليائه، عن أنبيائه ورسله وأتباعهم. ثم قال شيخنا رحمه الله تعالى: سبب نزول قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ﴾. وأول الآية أو قبل هذه الآية بسورة المائدة: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا أَلَّا نُؤْمِنَ ﴾ الآية. قال: قال ابن أبي حاتم رحمه الله: حدثنا أبي، قال: حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا عمرو بن علي المقدمي، قال: سمعت شعبة بن عروة يحدث عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه: ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ﴾. قال: الحديث رجاله رجال الصحيح، إلا محمد بن إدريس والد ابن أبي حاتم، وهو حافظ كبير، وقد ساقه الحافظ ابن كثير بهذا السند عازيا له للنسائي. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد": رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عثمان بن بحر، وهو ثقة. قال: وأخرج ابن جرير بهذا السند عن شيخه عمرو بن علي وهو الفلاس. الحديث ثابت كما ذكر شيخنا رحمه الله. والنجاشي هو ملك الحبشة، ملك الحبشة، والآن ماذا يقال لبلد الحبشة؟ يقال لها: ماذا؟ أثيوبيا. وكانت أنذاك بلد تدين بالديانة النصرانية، طيب، تدين بالديانة النصرانية، فكانوا نصارى، كانوا نصارى. ولما هاجر الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى الحبشة، واختاروا هذه البلد لأن ملكها النجاشي لا يظلم عنده أحد، فهو رجل عنده دين يحب العدل، فلذلك اختاروا هذه البلد. ولذلك لما أرسل المشركون الوفد للحبشة، للحبشة، كي يرجع أو يرجع المسلمين، استدعاهم النجاشي، وصار بينه وبينهم محادثة ومساءلة، وهذا أمر معلوم في السيرة. فالشاهد من هذا أن النجاشي علم أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم هو الحق، وأنه قد ذكر في كتبهم أو في كتابهم الإنجيل، ولذلك أسلم النجاشي. ما هو الدليل على أنه أسلم؟ النبي عليه الصلاة والسلام لما توفي صلى عليه، صلى عليه، فلو كان كافرا لم يصل عليه، فدل ذلك على أنه كان مسلما، أسلم وآمن بما بلغه من أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكذلك أسلم بعض أصحابه ممن كانوا معه، وهذا الغالب في الأتباع، إذا أخذ الملك باعتقاد أو بأمر، فالغالب أن الأتباع يتبعونه، يتبعونه، فآمن مجموعة من أصحابه. فوصفهم الله عز وجل في القرآن بهذا الوصف في قوله: ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ ﴾ يعني إذا سمعوا القرآن. وذكر ابن كثير أن النجاشي أرسل جماعة من أصحابه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقرئ عليهم القرآن، فتأثروا بذلك، وعلموا أنه الحق، وعلموا أنه الحق، ﴿ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ﴾ يعني أن أعينهم خشعت، أو قلوبهم خشعت، وأعينهم درفت تأثرا بالقرآن. وهذه صفة المؤمن أنه يتأثر بالقرآن عند سماعه، كما قال الله عز وجل: ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾. فالمؤمن إذا سمع القرآن يخشع قلبه، وتدمع عينه، ويخشع بشر جلده. وهذا كله ورد في القرآن: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾، وقال الله عز وجل: ﴿ قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ﴾. هذا كله في وصف من سمع القرآن. وقال الله عز وجل في هذه الآية: ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ﴾. وقال في آية أخرى: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾. فإذا هذه صفة المؤمنين. ومن أولئك من آمن من النصارى لما سمعوا القرآن، فاضت أعينهم من الدمع. وفي القرآن آيات كثيرة يثني الله سبحانه وتعالى فيها على من آمن من النصارى، فمن تلك الآيات غير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾، هذا فيه ثناء ومدح لهؤلاء من أهل الكتاب ممن آمن وأسلم وحسن إسلامه. وفي آية أخرى يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا ﴾. كل هذا في صفة النصارى ممن آمن، ممن آمن وتأثر بما سمع من الحق الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذه الآية منها صفهم الله عز وجل بهذا الوصف: ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ﴾. فكل من، كل من خلا قلبه من الهوى من أهل الكتاب، فسرعان ما يؤمن، لأن ربنا سبحانه وتعالى ذكر أوصاف نبينا، بل وبعض من سيرته، من سيرته في كتبهم، في التوراة والإنجيل، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ ﴾، ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾، اسمه أحمد، يعني النبي عليه الصلاة والسلام، من أسمائه أحمد. فهذا قد ذكر في كتابهم، التوراة أو الإنجيل، فمن وفقه الله منهم علم أن النبي الذي ذكر في كتبهم، والذي سيبعثه الله في آخر الأزمان، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، فمن خلص قلبه من الهوى والكبر، بسرعة ما يخضع ويؤمن بالنبي صلى الله عليه وعلى الله عليه وسلم. من أولئك النجاشي، ومن وفقه الله من أتباعه. وكانت هذه الآية نزلت، وكان سبب نزول هذه الآية فيهم، أي في النجاشي وأصحابه. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.