الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 40، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يبين المقطع معنى الأنفال لغةً واصطلاحاً، ويسرد سبب نزول الآية في قصة سعد بن مالك رضي الله عنه حين طلب سيفاً من الغنيمة قبل قسمتها، فنزلت الآية ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾، ثم نفل النبي ﷺ السيف لسعد بعد القسمة تقديراً لبلائه.
يستعرض المقطع سبب نزول آية الأنفال في سياق غزوة بدر، حيث اختلف المشاركون إلى ثلاث طوائف: ملاحقة العدو، وجمع الغنائم، وحماية النبي ﷺ، فنزلت الآية لتقرر أن الأنفال لله وللرسول، فقسمها النبي ﷺ بالسوية بين الجميع.
يناقش المقطع روايتي عبادة بن الصامت وابن عباس في سبب النزول، مع تحليل سند مكحول وأبي سلام ممطور، ويوضح قصة وعد النبي ﷺ الفتيان بالنفل واختصامهم مع المشيخة، مبيناً أن النفل زيادة للمجتهد لا حرماناً لغيره.
يقرر المقطع القاعدة الأصولية بأن الآية القرآنية الواحدة قد تنزل لأكثر من سبب دون تناقض بينها، ويختتم الشرح بالتأكيد على أن آية الأنفال نزلت لجميع الأسباب المذكورة سابقاً.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول": قال: سورة الأنفال. سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. الأنفال: جاء عن ابن عباس أنها هي الغنائم، أنها هي الغنائم. وجاء عن بعض أهل العلم أن المراد بالأنفال ما ينفله الإمام لبعض الأشخاص من سلب أو نحوه، من سلب أو نحوه، بعد قسم أصل المغنم. فمثلاً، كما هو معلوم من آية، من آية الغنائم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ الآية. وأربعة أخماس توزع على المقاتلين كما هو مفصل في كتب الفقه. فبعد قسم أصل المغنم يجوز للإمام، يعني أمير الجيش، أن ينفل بعض المقاتلين، مثل مقاتل بلي في هذه المعركة بلاء عظيماً، ولم يترك شاذة ولا فاذة إلا أتاها، فكان من أشجع القوم، فأراد الإمام أن يشجع، أن يشجع المقاتلين، فخص هذا الشجاع المقدام بعطاء، فهذا يجوز. أو قال: من قدم، كما سيأتي في بعض الأحاديث في المقدمة، فله كذا وكذا، فيجوز للإمام ذلك تشجيعاً. ومن ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من قتل قتيلاً فله سلبه». يعني: من غير الغنيمة، قتل كافراً ومعه سلب، السلب يعني سلاح، فالقاتل لهذا العدو يعطى سلب وسلاح هذا المقتول، فهذا عدوه. كذلك من الأنفال. هذا قول آخر. وإلا فذهب ابن عباس وغيره أن الأنفال هي الغنائم، وما يأخذه المسلمون من الكفار على قسمين: الغنائم والفيء. فالفيء هو ما أخذه المسلمون من الكفار بغير قتال، يفتح الله عز وجل على المسلمين دون أن يلتقوا بعدوهم، كما وقع في ماذا، في إجلاء اليهود، في إجلاء اليهود، ما جاء في سورة الحشر: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ إلى آخر الآية. فالفيء هو ما أخذه المسلمون من الكفار بغير قتال. وأما الغنيمة فهي التي أخذها المسلمون من الكفار بعد قتال معهم، تسمى غنيمة، وتسمى كذلك نفلاً أو أنفالاً على قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. فإذا معنى الآية، كما سيأتي في سبب النزول، ويبين ذلك سبب النزول، أن هذه الآية نزلت في غزوة بدر، وهي أول غزوة خاضها المسلمون مع الكفار، أول غزوة. فغنم المسلمون من الكفار، فاختلف: لمن تعطى هذه الغنائم؟ لمن جمعها، أو لمن جرى خلف العدو حتى فرّ، أو لمن حمى النبي عليه الصلاة والسلام؟ فأرجع الله عز وجل هذه الغنائم إلى نبيه، هو الذي يتولى قسمها، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾، يعني: لا تختلفوا ولا تتعادوا من أجل هذه الدنيا وهذه الغنائم، بل أطيعوا الله والرسول، واسمعوا لما يقوله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والحديث التي سيذكرها شيخنا رحمه الله تعالى تبين معنى هذه الآية. قال: قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا أبو كريب، قال: أخبرنا، أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن بهدلة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، وهو سعد بن مالك، قال: لما كان يوم بدر، جئت بسيف، يعني سعد بن مالك، فقلت: يا رسول الله، يعني جاء بسيف لكافر من الكفار، قال: فقلت: يا رسول الله، إن الله قد شفى صدري من المشركين، أو نحو هذا، يعني أنه فرح وانشرح صدره بهزيمة المشركين. قال: «هب لي هذا السيف»، يعني: أعطني هذا السيف واجعله من نصيبي ومن قسمي. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «هذا ليس لي ولا لك»، لأنه لا يجوز لأحد أن يأخذ الغنائم قبل أن تقسم. وهذا أيضاً مما اختصت به هذه الأمة، أن الله عز وجل أحل لها الغنائم، ولم يحلها للأمم السابقة، كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام في قوله: «فُضِّلتُ على الأنبياء بخمس»، وذكر منها: «وأُحِلَّتْ لي الغنائم، وأُحِلَّتْ لي الغنائم، ولم تحل لأمم، للأنبياء قبلي». فكان الأنبياء قبل النبي عليه الصلاة والسلام إذا غنموا لم يأخذوا هذه الغنائم، بل تُحرق، كما جاء في بعض الأحاديث، فلا تحل لهم ولا تجوز لهم. ففُضِّل النبي عليه الصلاة والسلام، وخصت أمته بهذه الفضيلة، ألا وهي الغنائم، لهم أن يأخذوها وأن يتمتعوا بها. بل قال عليه الصلاة والسلام: «وجعل رزقي تحت ظل رمحي»، وجعل رزقي تحت ظل رمحي. ف قوله: «هذا ليس لي ولا لك»، يعني: أولاً يجمع ثم يقسم، فالذي يصل إلى المقاتل يأخذه، سواء كان سيفاً أو رمحاً أو سبياً أو نحو ذلك، على حسب ما يقسم ذلك الإمام. فهذا معنى قوله: «هذا ليس لي ولا لك»، إنما هو لله، لله عز وجل هو الذي أنزل فيه شرعاً وحكماً. قال: فقلت: «عسى أن يعطى هذا من لا يبلي بلائي»، يعني: قال: لعل هذا السيف كان سيفاً جيداً، فقال: «إن لم تعطني هذا السيف، لعله يقع من نصيب مقاتل، لكنه لا يبلي بلائي»، يعني: بمعنى أنه ليس بمقدام، وليس بشجاع، ولا يستحق مثل هذا السيف، يشير إلى أنه بلي بلاء عظيماً، رضي الله عنه. قال سعد بن مالك: فجاءني الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: «إنك سألتني وليس لي، وأنه قد صار لي وهو لك». قيل: أن هذا العطاء أعطاه لسعد بن مالك بعد القسم، بعد قسم ماذا؟ بعد قسم الغنيمة. بل قيل: أنه من الخمس الذي هو لله وللرسول ولذي القربى، لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام من قوة سعد بن مالك في الجهاد وتشجيعه له ونحو ذلك. فلما قسمت هذه الأنفال وتلك الغنائم، نفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سعداً هذا السيف، لأنه صار من نصيب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا معنى قول: «إنك سألتني وليس لي»، يعني: أول الأمر، «وأنه قد صار لي الآن بعد القسم، وهو لك»، أي: أعطاه النبي عليه الصلاة والسلام لسعد تطيباً لخاطره، وكذلك تحقيقاً لطلبه. قال: فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية. قال: هذا حديث حسن صحيح. وقد رواه سماك عن مصعب بن سعد أيضاً، يعني: الحديث جاء من رواية عاصم بن بهدلة عن مصعب، ومن رواية سماك عن مصعب بن سعد. والحديث يبين معنى الآية. واستدل جماعة من الفقهاء على أن المراد بالأنفال بما ينفله الإمام لبعض الأشخاص من سلب أو نحوه بعد قسم أصل المغنم، وهذا واضح جداً في هذا المعنى، واضح جداً في هذا المعنى. ولذلك أجاز الفقهاء للإمام أن يخص بعض المقاتلين بشيء من الغنيمة لخاصية اتصفوا بها، كإقدام أو قوة جأش أو نحو ذلك، أو نحو ذلك. قال: الحديث أخرجه مسلم مطولاً، كما سيأتي في سورة العنكبوت إن شاء الله، ومختصراً. وأخرج أبو داود والطيالسي وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي وابن جرير وأبو نعيم، وصححه الحاكم وأبو نعيم، يعني: في الحلية، وصححه الحاكم، وسكت عليه الذهبي. وشيخنا هنا يصححه. نعم. قال: سبب آخر، يعني: لهذه الآية. قال: أخرج الإمام أحمد، وقال الهيثمي: رجاله ثقات. وكذا قال: رجال الطريقين ثقات. وقلنا: أن ثقات، أو ثقة الرواة، لا يدل على صحة الحديث، لأنه إن لم تتوفر بعض شروط الصحيح... قال: وكذا، يعني: الهيثمي، أخرجه في موضع آخر، قال: رجال الطريقين ثقات. وابن حبان، أي: ذا رواه كما في الموارد. وابن جريج، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، وسكت عليه الذهبي في الموضعين. بعضهم يقول: وأقره الذهبي. صحح الشيخ مقبل عليه رحمة الله، انتقد هذه اللفظة: لفظة «وأقره الذهبي»، لأن معنى «أقره» يعني: وافق الإمام الذهبي الإمام الحاكم، وهذا لا يلزم. وإنما الصواب أن يقال: سكت عليه. فرق بين الإقرار وبين ماذا؟ السكوت. فالسكت لا يلزم منه الموافقة والإقرار، واضح. السكوت لا يلزم منه الموافقة والإقرار، بخلاف، بخلاف لو قال: «أقره الذهبي»، بمعنى: وافق الإمام الذهبي الإمام الحاكم، وهذا لا يلزم من سكوت الذهبي. ولم يصرح بهذا الإمام الذهبي أنه قال: «أقررت» أو «وافقت»، لم يقل ذلك. إنما أحياناً يعلق على ما ذكره الإمام الحاكم، وأحياناً لا يعلق. فعدم تعليقه لا يدل على موافقته للإمام الحاكم. ولذلك صوب شيخنا، قال: يقال: «سكت عليه الذهبي»، ولا يقال: «أقره الذهبي». قال: والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، وسكت عليه الذهبي في الموضعين. قال: والبيهقي، عن عبادة بن الصامت، قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فشهدت معه بدراً، فالتقى الناس، فهزم الله تبارك وتعالى العدو. قال: فانطلقت طائفة في آثارهم، يعني: في آثار العدو، يجرون خلفهم، يهزمون ويقتلون، يعني: يهزمون العدو ويقتلون فيه، وقد هربوا منهزمين مدبرين هاربين. قال: فأكبت طائفة على المعسكر، يحوونه ويجمعونه، يعني: طائفة انطلقت خلف العدو، ها، وطائفة بقوا حول موضع المعركة، وهذا هو معنى قوله: «فأكبت طائفة على المعسكر». ويراد بالمعسكر: يعني الموضع الذي كانت فيه المعركة، كانت فيه المعركة، موضع بدر. يحوونه ويجمعونه، يعني: يأخذون ما خلفه العدو من عتاد وسلاح ونحو ذلك، أي أنهم يجمعون ماذا؟ الغنائم. هذه طائفة أخرى. طائفة أخرى: طائفة انطلقت خلف العدو، وطائفة تجمع الغنائم. قال: وأحدقت طائفة برسول الله، يعني: حلقت حماية للنبي عليه الصلاة والسلام، مثل حدقة العين هي ما تكون حوالي العين، يقال لها: حدقة. وأحدقت طائفة، يعني: حمت النبي عليه الصلاة والسلام، فصارت حوله من جميع الجهات. قال: وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرة، يعني: لا يأتي العدو على حين غفلة من المؤمنين فيصيبون النبي عليه الصلاة والسلام بأذى أو بضرب أو نحو ذلك. ففعلهم هذا حماية لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا معنى قوله: «فأكبت طائفة على المعال» أو قال: «وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرة». حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض، يعني: رجع الناس كلهم، رجع الذين لاحقوا العدو، والذين جمعوا الغنائم، والذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، كلهم اجتمعوا. قال: قال الذين جمعوا الغنائم: «نحن حويناها وجمعناها، فليس لأحد فيها نصيب». الذين جمعوا الغنائم، ماذا قالوا؟ قالوا: الغنائم لنا. أما الذين تابعوا العدو، أو أحدقوا برسول الله، فليس لهم شيء، لأن نحن الذين جمعنا الغنائم. قال: وقال، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: «لستم بأحق بها منا، نفينا عنها العدو وهزمناهم». الذين لحقوا العدو قالوا: لا، أنتم لستم بأحق بهذه الغنائم منا، من الذي هزم العدو؟ من الذي لاحق العدو؟ نحن، إذن نحن أحق بهذه الغنائم منكم. وهذا معنى قوله: «نفينا عنها العدو»، يعني: طردنا عن هذه الغنائم العدو، فنحن الذين أحلنا بين العدو وبين أخذ غنائمه، فنحن أحق بهذه الغنيمة. وقال، وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: «لستم بأحق بها منا، نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وخفنا أن يصيب العدو منه غرة، واشتغلنا به». نحن نريد أن نجمع الغنائم، ونريد أن نلحق العدو، لكن نحن خفنا على النبي عليه الصلاة والسلام، فحميناه من أن يصاب بأذى أو بشيء من العدو، فنحن أحق. فهذا معنى قول الله عز وجل في هذه الآية: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾، لأنه صار الآن خلاف بين ثلاث طوائف من المسلمين، ممن شهد هذه المعركة، وهذه الغزوة، وهذه الغزوة. فذكرهم الله عز وجل بتقواه، ولا يكن همهم الدنيا وهذه الغنائم. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾: اصطلحوا، ولا تتخاصموا من أجل هذه المغانم. قال: فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، ليس لهذه الطائفة، ولا لتلك، ولا للثالثة، إنما هذا أمر لله وللرسول، والرسول هو الذي يتولى قسمه. فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على وفاق بين المسلمين، يعني: على سواء، لم يحرم طائفة من هذه الغنيمة، كلهم شاركوا، وكلهم استحقوا الغنيمة. وهذا فيه: أن الجيش إذا خرج في معركة فغنم، فكل من خرج يستحق من هذه الغنيمة، سواء كان في المقدمة، أو في المؤخرة، أو في الوسط، أو عن اليمين، أو عن الشمال، أو ألقيت عليه مهمة الحراسة وحماية الظهر، أو نحو ذلك. المهم أنه شارك في هذه المعركة، فهو يستحق من هذه الغنيمة، يستحق من هذه الغنيمة، كما هو مقرر في كتب الفقه، كما هو مقرر في كتب الفقه. فهذا سبب آخر أيضاً في نزول هذه الآية، وهو يبين لنا معنى هذه الآية بياناً واضحاً، وهو سبب آخر غير السبب المتقدم من حديث سعد بن مالك، وهذا من حديث عبادة بن الصامت. قال شيخنا: تنبيه. حديث عبادة بن الصامت من طريق مكحول عن أبي أمامة، ومكحول لم يسمع من أبي أمامة، فإذا يكون الحديث منقطعاً، الحديث منقطع لأن مكحول لم يسمع من أبي أمامة. لكن سيأتي أنه ورد من طرق أخرى. وهذا فائدة حديثية. قالوا: في بعض الطرق التصريح بالواسطة بينهما، يعني: بين مكحول وأبي أمامة، وهو أبو سلام ممطور، يعني: اسمه ممطور، وكنيته أبو سلام. قالوا: في بعضها: ليس فيها، ليس فيها مكحول، كما عند الإمام أحمد، في بعض الطرق من غير طريق مكحول، لكنها من طريق أبي سلام ممطور الحبشي، وهو لم يسمع من أبي أمامة، يعني: في رواية الإمام أحمد مباشرة من سلام، من أبي سلام ممطور، إلى أبي أمامة، دون ذكر مكحول. فقيل: أن سلام لم يسمع من أبي أمامة، فيقوم منقطعاً أيضاً. لكن علق شيخنا في الحاشية قال: هذا اعتماداً، يعني: كون ممطور الحبشي لم يسمع من أبي أمامة، اعتمد في ذلك على ما في تهذيب التهذيب من قول ابن أبي حاتم عن أبيه. قال شيخنا: ثم وجدت تصريحه بالتحديث في صحيح مسلم، يعني: أن أبا، أن أبا سلام ممطور سمع من، من، من أبي أمامة، فيكون الحديث ماذا؟ متصلاً صحيحاً. فإنتم هذه القاعدة، هذا كمثال تطبيقي لتطبيق قواعد مصطلح، تقدم معنا أن من شرط الحديث الصحيح اتصال السند. طيب، فالآن قلنا: أن أبا حاتم ذكر عن أبيه أن أبا سلام ممطور الحبشي لم يسمع من أبي أمامة، فالشيخ اعتمد في أول التعليق على قول ابن أبي حاتم عن أبيه، كما في التهذيب، تهذيب التهذيب. لكن مع اطلاع شيخنا على حديث آخر في صحيح مسلم، فيه أن أبا سلام ممطور صرح بالتحديث عن، من، عن أبي أمامة، إذن معنى ذلك: أن أبا سلام ممطور سمع من، من، من أبي أمامة، إذن الحديث متصل، واضح، الحديث متصل، لأن التحديث بالسماع فيه التصريح، التصريح في صحيح مسلم. فدل ذلك على أن أبا سلام ممطور سمع من أبي أمامة، فيكون الحديث متصلاً صحيحاً. فثبت هذا السبب في سبب نزول هذه الآية. قال شيخنا: وأخرج أبو داود وابن حبان، كان في موارد الظمآن، والحاكم في المستدرك، وصححه في الثلاثة مواضع، وابن جرير، والبيهقي، وصححه الحاكم، صوابه، وسكت عليه الذهبي، كما تقدم، لا يقال: «أقره الذهبي»، وإنما: «سكت عليه الذهبي». قال: وابن كثير، وزاد نسبته إلى النساء، وابن مردويه، كل هؤلاء أخرجوه عن ابن عباس، نحو حديث عبادة. ثم ذكر رواية حديث ابن عباس، يعني: أن هذا الحديث جاء من حديث عبادة، وجاء معناه أيضاً من حديث ابن عباس، سيذكر رواية ابن عباس التي هي بمعنى حديث عبادة. قال: أبو داود رحمه الله، حدثنا وهب بن بقية، قال: أخبرنا خالد، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: «من فعل كذا وكذا فله من النفل كذا وكذا»، يعني: من، مثلاً، تقدم، أو من بدأ في الكر والضرب بالعدو، فله كذا وكذا، كذا وكذا هنا يعبر بها عن الشيء المبهم الذي لم يذكر بعينه، لم يذكر بعينه. قال: فتقدم الفتيان، الفتيان يعني: الشباب، تقدموا، شجعهم النبي عليه الصلاة والسلام على هذا الفعل، فتقدموا لمواجهة العدو. قال: ولزم المشيخة الرايات، فلم يبرحوها، يعني: لم يتركوها. والرايات: الراية هي العلم الذي يجتمع حوله المقاتلون، يجتمع حوله المقاتلون، يمسك، حتى لا يتفرق المقاتلون، فيجتمعون عليه، يجتمعون عليه، هذا تسمى الراية. فالكبار في السن، وهذا معنى قول: المشيخة، لم يتقدم مثل الفتيان، إنما حملوا الرايات حتى يجتمع المقاتلون حولها، فلم يبرحوا، يعني: لم يتحركوا من أماكنهم. قال: فلما فتح الله عليهم، يعني: نصرهم الله، قالت المشيخة: «كنا ردءاً لكم، لو انهزمتم فئتم إلينا»، يعني: لو انهزمتم، يا أيها الفتيان، يا من تقدمتم، رجعتم إلينا، فئتم يعني: رجعتم إلينا، لأن الرايات هي التي تجمع المقاتلين، واضح. «فلا تذهبوا بالمغنم ونبقى»، يعني: لا تأخذوا المغنم وحدكم، بل اجعلوا لنا حظاً من هذا المغنم، اجعلوا لنا حظاً ونصيباً من هذا المغنم. هذا معنى كلام المشيخة. فأبى الفتيان، الفتيان قالوا: لا، ما سنعطيكم شيئاً. فأبى الفتيان، وقالوا: «جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا»، لأنه قال: «من فعل كذا وكذا فله كذا وكذا». فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾. فقال العلماء: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال: «من فعل كذا وكذا فله من النفل كذا وكذا»، يعني: له ما يزاد في عطائه على من لم يفعل هذا الفعل، وليس معنى يختص بالمغنم كله، كما تقدم. معنى: أن الإمام له أن يخص أحداً أو طائفة من المقاتلين بزيادة مغنم دون غيرهم، واضح، لفعل قاموا به، أو لإقدام وشجاعة وإثخان في العدو، أو نحو ذلك، وليس معنى عدم إعطاء غيرهم من هذه الغنيمة. وهذا يؤيد قول من رأى أن المراد بالنفل ما يخص به الإمام بعض المقاتلين، وذلك بعد قسم الغنيمة، وذلك بعد قسم الغنيمة. قال: إلى قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾، يقول: فكان ذلك خيراً لهم، فكذلك أيضاً فأطيعوني، فإني أعلم بعاقبة هذا منكم، يعني: في قوله: ﴿فَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، فإن هذا خيراً لكم، ولا تتخاصموا، ولا تتعادوا، ولا تتنافروا من أجل هذه الغنيمة. قال: حدثنا زياد بن أيوب، قال: أخبرنا هشيم، قال: أخبرنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: «من قتل قتيلاً فله كذا وكذا، ومن أسر أسيراً فله كذا وكذا»، ثم ساق نحوه. وحديث خالد أتم، وقد تقدم، يعني: حديث خالد عن داود، وهذا حديث هشيم عن داود، فحديث خالد عن داود أتم، كما تقدم معنا، يعني: أكثر ألفاظاً وتفصيلاً. قال: ولا تنافي بين السببين، يعني: السبب الأول الذي هو حديث، من حديث سعد بن مالك، ولا كذلك تنافي مع السبب الآخر، وهو حديث عبادة، وحديث ابن عباس. فكما تقدم: أن الآية الواحدة قد ينزل فيها أكثر من سبب نزول. قال: ولا تنافي بين السببين، إذ لا مانع أن تكون الآية نزلت في الجميع، والله أعلم. طيب، نكتفي بهذا، وإلهنا، والله تعالى. موسيقى، موسيقى، موسيقى.