الدرس في الصحيح المسند من أسباب النزول 88، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يروي المقطع كيف طارد الصحابي سلمة بن الأكوع وحده مجموعة من المشركين استاقوا إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرماهم بالنبل وأعقر خيولهم وألقى عليهم الحجارة حتى أرغمهم على ترك الغنائم والفرار. ثم لحق بهم الفرسان المسلمون فقتلوا اثنين من المشركين، واستعاد سلمة جميع الإبل والبرد والرماح التي ألقاها العدو.
يصف المقطع شجاعة سلمة بن الأكوع في ملاحقة المشركين منفرداً بعد استقائهم إبل النبي صلى الله عليه وسلم، حيث واجه أربعة منهم فأخافهم بسرعته وقوة رميه. ثم شهد استشهاد الأخرم الأسدي وقتل أبي قتادة لقاتله، واستمر سلمة في المطاردة راجلاً حتى منعهم من الشرب في ذي قرد.
استاق سلمة بن الأكوع الغنائم من إبل ورماح وأردية إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يأخذ منها شيئاً حتى قُسّمت، وطلب الإذن بمطاردة المشركين بمئة رجل فضحك النبي وقال إنهم في أرض غطفان. وفي الصباح أثنى النبي على سلمة بأنه خير الرجالة وأعطاه سهمين وأردفه على ناقته العضباء.
يفسر المقطع حديث سلمة بن الأكوع في غزوة ذي قرد، مبيناً ثناء النبي صلى الله عليه وسلم على أبي قتادة كأحسن فرسان وعلى سلمة كأحسن رجالة، وجواز المدح عند أمن الفتنة. كما يوضح إعطاء النبي سلمة سهمين (فارس وراجل) وإردافه على العضباء، دلالة على جواز الإرداف وتواضع النبي، ويذكر قصة المسابقة مع رجل من الأنصار مستدلاً بها على جواز المسابقة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فما زلنا في حديث سلمة بن الأكوع في قصته مع النفر الذين أخذوا ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعدما نادى في أهل مكة: يا صبحاه، قال: «فألحق رجلاً منهم» يعني من هؤلاء الذين أخذوا ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أغنامه، «فألحق رجلاً منهم فأسك سهماً في رحله حتى خلص نصل السهم إلى كتفه، قلت: خذها وأنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضع. قال: فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم، فإذا رجع إلي فارس أتيت شجرة فجلست في أصلها، ثم رميته فعقرت به، حتى إذا تضايق الجبل فدخل في تضايقه علوت الجبل، فجعلت أرديهم بالحجارة. قال: فما زلت كذلك أتبعهم حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خلفته وراء ظهري، وخلوا بيني وبينه، ثم أتبعهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحاً، يستخفون ولا يطرحون شيئاً إلا جعلت عليه آراماً من الحجارة يعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أتوا متضايقين من ثنية، فإذا هم قد أتاهم فلان ابن بدر الفزاري، فجلسوا يتضحون يعني يتغدون، وجلست على رأس قرن. قال الفزاري: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرحة، والله ما فارقنا منذ علس يرمينا حتى انتزع كل شيء في أيدينا. قال: فليقم إليه نفر منكم أربعة. قال: فصعد إلي منهم أربعة في الجبل، قال: فلما أمكنون من الكلام، قلت: هل تعرفوني؟ قالوا: لا، ومن أنت؟ قلت: أنا سلمة بن الأكوع، والذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم، لا أطلب رجلاً منكم إلا أدركته، ولا يطلبني رجل منكم فيدركني. قال أحدهم: أنا أظن. قال: فرجعوا، فما برحت مكاني حتى رأيت فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر، قال: فإذا أولهم الأخرم الأسدي، على إثره أبو قتادة الأنصاري، وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي. قال: فأخذت بعنان الأخرم، قال: فولوا مدبرين، قلت: يا أخرم احذرهم ولا يقتطعوك حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال: يا سلمة، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال: فخليته، فالتقى هو وعبد الرحمن، قال: فعقر بعبد الرحمن فرسه، وطعنه عبد الرحمن فقتله، وتحول على فرسه، ولحق أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الرحمن، فطعنه فقتله. فوالذي كرم وجه محمد، لتبعتهم أعدو على رجلي حتى ما أرى وراء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولا غبارهم شيئاً، حتى عدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء، يقال له ذو قرد، ليشربوا منه وهم عطاش. قال: فنظروا إلي أعدو وراءهم، فحليتهم عنه يعني أجليتهم عنه، فما ذاقوا منه قطرة. قال: ويخرجون فيشتدون في ثنية، قال: فأعدو فألحق رجلاً منهم فأسكه بسهم في نقب كتفه، قلت: خذها وأنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضع. قال: يا ثكلته أمه، أكوعه بكرة. قلت: نعم، يا عدو نفسه، أكوعه بكرة. قال: وأردوا فرسين على ثنية، قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ولحقني عامر بصطيحة فيها مدقة من لبن، وصطيحة فيها ماء، فتوضأت وشربت، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على الماء الذي حليتهم عنه». طيب، نأخذ هذا الذي قرأناه ثم نشرحه. لما أخذ هؤلاء هذا الرجل المشرك واستاق غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لحقهم ذلك البطل الشجاع سلمة بن الأكوع، فقال: «فألحق رجلاً منهم»، جرى خلفهم فلحق رجلاً منهم، قال: «فأسك سهماً في رحله»، ومعنى «أصق سهماً في رحله» يعني أضربه في رحله، يعني في الدابة التي يركب عليها، حتى خلص نصل السهم إلى كتفه، يعني طرف السهم بعدما وقع في مؤخرة رحله نفذ إلى كتف ذلك المشرك. قال: «قلت: خذها وأنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضع»، هذا دائماً يرتجز بها سلمة بن الأكوع رضي الله عنه. ثم قال: «فوالله ما زلت أرميهم وأعقر بهم»، ومعنى «أعقر بهم» يعني أعقر خيلهم، وذلك بتعثرها وعدم استمرارها في السير، و«أرميهم» يعني بالنبل، يرمي هؤلاء المشركين وهو رجل واحد وهم جماعة، ولكن انظروا إلى الشجاعة وإلى خوف المشركين. قال: «فإذا رجع إلي فارس أتيت شجرة»، يعني إذا قدم إليه فارس من فوارسهم على راحلته، وأبو سلمة ليس على راحلة، بل كل هذا الرمي والملاحقة مشياً وجرياً على الأقدام، رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فإذا جاءه فارس قال: «أتيت شجرة»، جاء عند شجرة «فجلست في أصلها» يعني احتمى بها، قال: «ثم رميته فعقرت به»، يعني لم يستطع الإقدام بل تعثر ورجع. «حتى إذا تضايق الجبل»، معنى «تضايق» يعني صار ضيقاً، وذلك بمرورهم في أسفله، أسفل هذا الجبل في مكان ضيق، «فدخل في تضايقه» يعني مشوا في هذا المكان الضيق، «علوت الجبل»، هم يمشون تحت في مكان ضيق في الجبل وهو يطلع فوق الجبل، «فجعلت أرديهم بالحجارة» يعني أرميهم بالحجارة التي تسقطهم وتنزلهم. نعم. قال: «فما زلت كذلك أتبعهم» يعني يجري خلفهم ملاحقة ومتابعة وفراً وكراً ونحو ذلك، «حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسوله إلا خلفته وراء ظهري»، يعني من شدة خوفهم منه يتركون ما ساقوه من بعير وغنم رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه وهو يأخذه ويحوزه، هذا معنى قوله: «حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسوله إلا خلفته وراء ظهري، وخلوا بيني وبينه». ثم اتبعهم يرميهم، يتركون وهو ملاحق لهم خلفهم يرمي عليهم، قال: «حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحاً»، كل هذا اغتنمه أو غنمه سلمة بن الأكوع من هؤلاء المشركين وهو رجل واحد، رضي الله عنه. قال: «يستخفون ولا يطرحون شيئاً إلا جعلت عليه آراماً من الحجارة»، ومعنى «آراماً» يعني أعلاماً، يعلم هذه الأشياء التي خلفوها حتى إذا رجع أو جاء النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه يعرفونها بهذه العلامات، وهذا من ذكائه لأنه إذا ما علمها لربما لا يهتدي إليها، فقوله: «آراماً من الحجارة» هي الأعلام، وهي حجارة تجمع وتنصب في المكان المفتوح الواسع يهتدى بها لما أردت الرجوع إليه. قال: «حتى أتوا متضايقين من ثنية» يعني أتوا في مكان متضايق في مكان مرتفع، «فإذا قد أتاهم فلان ابن بدر الفزاري»، جاءهم رجل منهم من الكفار، قال: «فجلسوا يتضحون» يعني يتغدون، يعني يأكلون وجبة الغداء، «وجلست على رأس قرن»، وقرن بفتح القاف وسكون الراء، كل جبل صغير كل جبل صغير يقال له قرن، فهو جلس على هذا الجبل الصغير ويكون منقطعاً عن الجبل الكبير، يعني ليس متواصلاً بالجبل الكبير بل هو منقطع عنه، يقال له قرن. فقال الفزاري وهو يسمع سلمة بن الأكوع: «ما هذا الذي أرى؟» أيش هذا الذي أرى من قلة زادكم ومن خوفكم ومن تعبكم؟ فقالوا: «لقينا من هذا البرحة» يعني لقينا من هذا، يعني من سلمة بن الأكوع، والبرحة أي شدة، يعني وجدنا من هذا الرجل شدة، شدة يعني مقاومة ونحو ذلك. ثم قالوا: «والله ما فارقنا منذ علس يرمينا حتى انتزع» يعني ما فارقنا منذ ألحقنا، ما فارقنا أبداً يرمينا حتى انتزع كل شيء في أيدينا، دائماً وملاحق لنا وأخذ كل ما بأيدينا. قال: «فليقم إليه نفر منكم أربعة»، إذن هم كثير، كثير، ليسوا بواحد ولا اثنين ولا ثلاثة ولا أربعة، لأن قال: «نفر منكم أربعة»، فاختار أربعة، فدل ذلك على أنهم كثير. قال: «فصعد إلي منهم أربعة في الجبل»، هذا في القرن هذا الصغير، صعدوا إليه أربعة. قال: «فلما أمكنون من الكلام» يعني أصبحت قادراً ومتمكناً من التحدث معهم والكلام معهم، قال: «قلت: هل تعرفوني؟» انظر إلى الشجاعة، يقول لها ولا أربعة: «هل تعرفوني من أنا؟» قالوا: «لا ما نعرف، ومن أنت؟» قلت: «أنا سلمة بن الأكوع، والذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم، لا أطلب رجلاً منكم إلا أدركته» يخوفهم، يقول لهم: ما جريت خلف رجل منكم إلا أدركته، يعني لحقت به، «ولا يطلبني رجل منكم فيدركني» يعني ما يجري خلف أحد منكم يستطيع أن يلحق بي أو أن يدركني، أنه كان سريعاً وكان رضي الله تعالى عنه سباقاً في الجن. فقال أحدهم: «أنا أظن» يعني أنا أظن أنني سأدركك. قال: «فرجعوا»، ما عملوا به شيئاً، خافوا منه فرجعوا. قال: «فما برحت مكاني» يعني ما زلت في مكاني، «برحت» تدل على الاستمرار مثل «زلت»، يقول: ما زلت في مكاني، يعني في هذا القرن، «حتى رأيت فوارس رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم» ومعهم الفرسان، «حتى رأيت فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر»، ومعنى «يتخللون الشجر» أن يدخلون من خلالها، أي بينها، بين هذه الشجر. قال: «فإذا أولهم الأخرم الأسدي» يعني أول واحد من هؤلاء الفوارس الأخرم الأسدي، «على إثره» يعني بعده أبو قتادة الأنصاري، «على إثره» يعني بعده المقداد بن الأسود الكندي. قال: وهؤلاء هم الفرسان، هؤلاء عرفوا واشتهروا بالقتال والنكاية بالعدو. قال: «فأخذت بعنان الأخرم» يعني أخذ بفرس الأخرم، قال: «فولوا مدبرين» يعني المشركون، المشركين هربوا وولوا مدبرين. قلت: «يا أخرم احذرهم ولا يقتطعوك» يعني لا يجدوك ويقتلوك، «حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه» يعني حتى يأتي أكثر من هؤلاء الذين أتوا. قال: «قال يا سلمة، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة» يعني لا تجعل بيني وبين الشهادة حجزاً، دعني ألحقهم حتى وإن لقوني ورموني أو تسايفت معهم وقتلوني فأنا شهيد، فلا تحول بيني وبين الشهادة. وهذا فيه حب الصحابة للشهادة ولنصرة دين الله عز وجل والإقدام والشجاعة، أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسابقون إلى الشهادة، يتسابقون إلى الشهادة. يقول الأخرم لسلمة بن الأكوع: «يا سلمة، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة» لا تجعل بيني وبين الشهادة، دعني أذهب وأقاتل هؤلاء. قال: «فخليته» تركه، قال: «فالتقى هو وعبد الرحمن» الفزاري الذي تقدم معنا في الدرس الماضي، قال: «فعقر بعبد الرحمن فرسه» يعني الأخرم عقر فرس عبد الرحمن هذا المشرك، لكن قال: «وطعنه عبد الرحمن فقتله» يعني طعن الأخرم رضي الله عنه، فاستشهد الأخرم الأسدي، استشهد الأخرم الأسدي. «وتحول على فرسه» يعني عبد الرحمن تحول على فرس الأخرم وترك فرسه لأنها قد عقرت، لأنها قد عقرت. قال: «ولحق أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الرحمن»، أبو قتادة لحق بعبد الرحمن الذي قتل الأخرم وأخذ فرسه، لحقه أبو قتادة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فارس رسول الله، فطعنه، أي طعن عبد الرحمن المشرك، فقتله، فواحد بواحد. قال سلمة: «فوالذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم، لتبعتهم أعدو على رجلي حتى ما أرى وراء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولا غبارهم شيئاً»، ما عنده فرس، كله ملاحق بالجر والأرجل، انظر إلى همته وإلى شجاعته وإلى تجلده رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فلحقهم حتى ما يرى من أصحاب محمد ولا غبارهم، حتى الغبار الذي يطلع من جر الفرسان ما يرى شيئاً من ذلك. قال: «حتى عدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب» يعني هؤلاء الكفار ما زالوا يمشون حتى انتهى بهم هذا المشي إلى شعب، الشعب يعني المكان الصغير الذي يكون بين مرتفعين صغيرين، قالوا له: شعب، «قال فيه ما يقال له ذو قرد» يعني موضع يقال له هذا الاسم، «ليشربوا منه وهم عطاش» يعني بهم عطش شديد هؤلاء المشركون. قال: «فنظروا إلي أعدو وراءهم» رأوا سلمة بن الأكوع يجري خلفهم، قال: «فحليتهم عنه» وفسر ذلك بقول: «يعني أجليتهم عنه»، فزعوا وخافوا من سلمة بن الأكوع فلم يستطيعوا الشرب من هذا الماء، وإنما هربوا، هربوا وتركوا هذا الموضع، فهذا معنى قوله: «فحليتهم عنه» يعني أجليتهم عنهم، أي طردهم عنه. قال: «فما ذاقوا منه قطرة» ما شربوا منه ولا قطرة واحدة وهم عطاش. قال: «ويخرجون فيشتدون في ثنية» يعني يطلعون مرتفع ثنية، يعني الشيء المرتفع، قال: «فأعدو فألحق رجلاً منهم فأسكه بسهم في نقب كتفه»، نقب بضم النون وسكون القاف، وهو العظم الرقيق على طرف الكتف، هذا العظم الرقيق الذي يأتي هنا على طرف الكتف يقال له النقب، فرماه في هذا الموقع، انظر إلى دقة رميه رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال: «قلت: خذها وأنا ابن الأكوع، واليوم يوم الرضع»، الله أكبر، انظر إلى همته وإلى شجاعته رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال: يعني هذا الرجل: «يا ثكلته أمه، أكوعه بكرة»، ومعنى «يا ثكلته أمه» يعني فقدته أمه، يعني سلمة بن الأكوع، أما قوله: «أكوعه بكرة» يعني أنت أنت الأكوع الذي كنت بكرة هذا النهار، يعني أنت هو ذاك الذي من أول النهار وأنت معنا وأنت خلفنا. فأجابه سلمة: «قال: نعم، يا عدو نفسه، نعم أنا سلمة بن الأكوع الذي كلمتكم وحدثتكم وأخبرتكم أنني خلفكم منذ أن استقتم ظهر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». قال: «وأردوا فرسين على ثنية»، ومعنى «أردوا فرسين» أي أهلكوهما وأتعبوهما حتى أسقطوهما وتركوهما، يعني من شدة جريهم وخوفهم سقط فرسان من هذه الثنية بسبب التعب والجهد الذي بلغ بهما. قال: «فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله»، ما شاء الله، غنم هذين الفرسين، رجل واحد، كم غنم منهم؟ ألا غنم منهم الرماح، وغنم منهم الكساء البرد كما تقدم، وغنم منهم ما استاقوه من الإبل ونحو ذلك، كل هذا مما غنمه سلمة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال: «فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم». قال: «ولحقني عامر بصطيحة فيها مدقة من لبن، وصطيحة فيها ماء»، الصطيحة هو إناء من جرون، سطح بعضها على بعض، سطح بعضها على بعض، فجعلت قربة يوضع فيها الماء أو اللبن أو نحو ذلك. وأما قوله: «فيها مدقة من لبن» أي فيها قليل من لبن ممزوج بماء، لبن مع شيء من الماء. قال: «فتوضأت وشربت، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على الماء الذي حليتهم عنه» يعني النبي صلى الله عليه وسلم قدم، تقدم الفرسان أولاً والنبي خلفهم عليه وسلم، ثم جاء فهرب المشركون ولحقهم سلمة، فرجع فإذا برسول الله عليه وسلم في الموضع الذي فيه ماء، والذي كما قال سلمة: الذي حليتهم عنه، يعني طردتهم عنه. قال: «فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ تلك الإبل وكل شيء استنقذته من المشركين، وكل رمح وبردة، وإذا بلال نحر ناقة من الإبل التي استنقذت من القوم، وإذا هو يشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كبدها وسنامها». قال: «قلت: يا رسول الله، خلني فأنتخب من القوم مئة رجل، فأتبع القوم فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته». قال: «فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه في ضوء النار، فقال: يا سلمة، أتراك كنت فاعلاً؟ أتراك كنت فاعلاً؟» قلت: «نعم، والذي أكرمك». فقال: «إنهم الآن ليقرون في أرض غطفان». قال: «فجاء رجل من غطفان فقال: نحر لهم فلان جزوراً، فلما كشفوا جلدها رأوا غباراً، فقال: أتاكم القوم، فخرجوا هاربين». فلما أصبحنا، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة». قال: «ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين، سهم الفارس وسهم الراجل، فجمعها لي جميعاً، ثم أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه على العضباء راجعين إلى المدينة». قال: «فبينما نحن نسير، قال: وكان رجل من الأنصار لا يسبق شداً»، قال: «فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟» فجعل يعيد ذلك. قال: «فلما سمعت كلامه، قلت: أما تكرم كريماً ولا تهاب شريفاً؟» قال: «لا، إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم». قال: «قلت: يا رسول الله، بأبي وأمي، ذرني فلأسابق الرجل». قال: «إن شئت». قال: «قلت: أذهب إليك». قال: «فوثنيت رجلي فطفرت فعدوت»، قال: «فربطت عليه شرفاً أو شرفين»، أستبقي نفسي، ثم عدوت في أثره، فربطت عليه شرفاً أو شرفين، ثم إني رفعت حتى ألحقه، قال: «فأسكه بين كتفيه»، قال: «قلت: قد سبقت، والله». قال: «أنا أظن». قال: «فسبقت إلى المدينة». طيب، قوله هنا: «قال: فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ تلك الإبل»، وهذا فيه أن الغنيمة لا يجوز أن يأخذ منها شيء حتى تقسم، فسلمة بن الأكوع كم غنم وحده من الإبل ومن الفرس ومن الرماح ومن البرد ونحوها، ومع هذا استاقه كله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال هنا: «نعم، فإذا صلى الله عليه وسلم قد أخذ تلك الإبل، وكل شيء استنقذته»، كل شيء عموم لعموم من المشركين، «وكل رمح وبردة». قال: «قال: وإذا بلال نحر ناقة من الإبل التي استنقذت من القوم» يعني واحد ممن أخذها وغنمها من القوم، «قال: وإذا هو يشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كبدها وسنامها»، استدل العلماء بهذا أن من أفضل ما يكون في الإبل الكبد والسنام، وهذا إلى اليوم، فإن البدو يحبون ذلك، وكنا ذات مرة ونحن حضرنا زواج في بعض البوادي، وكانت الوليمة إبل، الوليمة إبل، فقرب اللحم والأرز، ويأتون به في يعني أواني كبيرة، يعني مثل الطشت الكبير، الصحن، صحن كبير يمكن يجلس عليه خمسة عشر عشرين نفراً يأكلون منه، ويضعون عليه اللحم، فكنا في صحن كبير فيه السنام وفيه لحم، فنحن والحضر نأكل من اللحم، والبدو يتضاربون على السنام، كلهم ينهشون من السنام، ويضحكون أنهم ما لهم، قالوا: أفضل شيء في الإبل هو السنام، أنهم لماذا قالوا؟ انظروا إلى الفرق، تجد لحم السنام يعني فيه شيء من اللذة لأنه يكون بين عظام السنام، ويكون فيه شيء من الشحم الخفيف، فيكون يعني رقيقاً جداً ليس مثل اللحم الآخر من الإبل. فقلنا لهم: نعم، هذا أيضاً كان النبي عليه الصلاة والسلام يطبخ له ويشوى له، ففي هذا الحديث: «وإذا هو يشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم كبدها وسنامها». قال: «قلت: يا رسول الله، خلني فأنتخب من القوم مئة رجل» يعني ائذن لي وأعطني مئة فقط وأذهب لهؤلاء وأريك ماذا سأفعل به، هذا معنى كلامه. قال: «فأتبع القوم فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته» يعني ما يكون منهم أحد له خبر إلا صار مقتولاً وليس له خبر. قال: «فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه»، النواجذ هي الأنياب، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «عضوا عليها بالنواجذ»، قالوا: إن العض بالنواجذ أقوى ما يكون، العض بالنواجذ أقوى ما يكون، وهذا دليل على شدة التمسك بالسنة، فالنبي صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت النواجذ، النواجذ هي هذه الأضراس المربعة التي ليست في الأمام، إنما هي بعد الأربع الأضراس الأمامية، تسمى نواجذ، تسمى نواجذ. فضحك النبي عليه الصلاة والسلام لقول سلمة حتى بدت نواجذه في ضوء النار، لأن الوقت والله أعلم وقت ليل، والنار حمراء، فظهر بياض نواجذ النبي عليه الصلاة والسلام. ثم قال: «يا سلمة، أتراك كنت فاعلاً؟» هل ستفعل هذا؟ قلت: «نعم، الذي أكرم»، وهو صادق رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فقال: «إنهم الآن ليقرون في أرض غطفان» يعني هم الآن بعيد وفي مأمن لأنهم عند قومهم من المشركين، فلا تجدهم إلا في أرض غطفان، ولا يعني يمكن أن تفعل أو تقاتل في ذاك المكان. قال: «فجاء رجل من غطفان» يعني من المسلمين والله أعلم، فقال: «نحر لهم فلان جزوراً» يعني إبلاً، «فلما كشفوا جلدها» ما زالوا في الذبح وهم يسلخون جلد هذه الجزور، «رأوا غباراً» رأوا غباراً في الهواء، «قال: أتاكم القوم»، هم خائفون الآن من المسلمين، فلما رأوا الغبار ظنوا أنهم المسلمون، فقالوا: «أتاكم القوم، فخرجوا هاربين» يعني هرب المشركون خوفاً من المسلمين. قال: «فلما أصبحنا» وهذا يدل على أن نحر الإبل كان ليلاً، وأنه قال: «فلما أصبحنا»، ولذلك قال في ضحك النبي رسول الله حتى بدت نواجذه في ضوء النار، في ضوء النار. قال: «فلما أصبحنا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة». وقوله: «كان خير فرساننا اليوم» أي من قاتل على خيل، هذا هو الفارس، لأن أبو قتادة قتل من قتل، قتل عبد الرحمن، فهو اليوم خير فارس رضي الله عنه، «وخير رجالتنا» أي من لم يكن معه فرس وإنما يقاتل على رجليه، يقاتل على رجليه، من هو؟ سلمة بن الأكوع، لأنه أذاق العدو، وكذلك غنم منهم الغنائم الكثيرة. وهذا فيه، بارك الله فيكم، استحباب الثناء على الشجعان وسائر أهل الفضل، لا سيما إذا صدر منهم ما يثلج الصدر وما فيه نصر للإسلام والمسلمين. وقد يقول قائل: أليس هذا من المدح أمام الشخص؟ فيقال: المدح المذموم إذا خشي على صاحبه الفتنة، إذا خشي على صاحبه الفتنة، أما من كان في حقه هذا المدح لا يخشى عليه الفتنة فلا بأس به، كهذا الموضع وغيرها من المواضع، فهذا لشك أنه ثناء عظيم على هذين المجاهدين، «خير فرساننا اليوم أبو قتادة»، هذا مدح وثناء، لكن يحمل هذا على أن أبا قتادة وسلمة قد أمن في حقهما الفتنة بهذا المدح وهذا الثناء. قال: «ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين، سهم الفارس وسهم الراجل، فجمعها لي جميعاً»، في القسمة أن من خرج بفرسه له سهمان من الغنيمة، سهم له وسهم لفرسه. طيب، أبو قتادة ما عنده فرس كما سمعنا، يعدو برجليه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ومع هذا أعطاه النبي عليه الصلاة والسلام سهمين، بل هو يستحق أكثر من ذلك، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه سهمين، وذلك قال: «أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين، سهم الفارس وسهم الراجل»، قال: «فجمعها لي جميعاً». قال: «ثم أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه على العضباء»، وهي اسم فرس للنبي عليه، أو اسم جمل أو ناقة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد مر معنا اسم لناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو؟ القصوى، طيب، وهذه تسمى العضباء. قال: وهذا فيه جواز الإرداف، وقد جمع بعض أهل العلم الأحاديث التي أردف فيها النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه، فمن هذه الأحاديث هذا الحديث، هذا الحديث أن ممن أردفه النبي عليه الصلاة والسلام خلفه سلمة بن الأكوع، ومن يستحضر أيضاً قيس بن سعد، أحسنت، معاذ بن جبل، أحسنت، والفضل في الحج أردفه خلفه أيضاً، وهكذا وردت أحاديث فيمن أردفه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا فيه جواز الإرداف، وفيه كذلك تواضع النبي عليه الصلاة والسلام، تواضع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هو رسول الله ومع هذا يردف خلفه من أصحابه. قال: «ثم أردفني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم خلفه على العضباء راجعين إلى المدينة». قال: «فبينما نحن نسير، قال: وكان رجل من الأنصار لا يسبق شداً»، ومعنى «لا يسبق شداً» يعني عدواً على الرجلين، يعني لا يسبقه أحد لخفته وسرعته، إذا أراد أحد أن يسبقه جرياً على الرجلين ما يستطيع أن يسبقه أحد، فهو ينادي يقول: هذا الرجل: «ألا مسابق إلى المدينة؟» من سيسابق إلى المدينة؟ وننظر من الذي يسبق، «ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟» الصحابة ساكتون، فجعل يعيد ذلك يعني يكرر يقول: «هل من مسابق؟ ألا مسابق إلى المدينة؟» قال: «فلما سمعت كلامه، أي سلمة بن الأكوع، يقول: فلما سمعت كلام، قلت: أما تكرم كريماً ولا تهاب شريفاً؟» يعني أنت تتحدى من الآن فينا رسول الله، وأنت تقول: هل من مسابق؟ فينا شرفاء، فينا كرماء، ما تكرم كريماً ولا تهاب شريفاً، ما عندك يعني هيبة لأحد. قال: «لا، إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فيه تعظيم الصحابة لرسول الله عليه الصلاة والسلام، بل لو قال له صلى الله عليه وسلم: أنا سأسابق، لما سابقوه لأنهم يعلمون قدره عليه الصلاة ومنزلته ويهابون. واستدل العلماء بذلك على جواز المسابقة، جواز المسابقة بهذه المناسبة. شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى كان يحب المسابقة، وقد رأيت ذلك في مرة من المرات، كان معنا أسئلة نريد أن نسأله، فقال: «اخرجوا معي العصر إلى الوادي»، ومن عادته الشيخ أنه بعد درس العصر يخرج إلى الوادي يجلس قدر ساعة أو نحو، إذا حد ضيوف عنده أو حد عنده أسئلة خاصة أو نحو ذلك، ينزل إلى الوادي على الرمال وتحت الأشجار أو نحو ذلك، وكان عندنا أسئلة، قال: «اخرجوا معي العصر»، وخرجنا وراءه، وكان عنده ضيوف من كبار السن، من كبار السن، أظن أظن من أهل صعد أو ما جاء، وراء، فجلس الشيخ وجلسنا حوله، وكان يلاطف هؤلاء الضيوف، ثم قال لواحد منهم: «تسابقني»، الشيخ يقول لهذا: «تسابقني»، وذاك يظهر، قال له: «قم، قم نتسابق»، قام الشيخ، خرج العمامة وخرج الجنبية، ويلبس الجنبية هذا، وقال: «هيا، اختموا أنتم إلى تلك الشجرة»، ووقف هو هذا الرجل، وانطلق، والشيخ يجري ويضحك إلى الشجرة، والشيخ سريع ما شاء الله، هو الذي سبق هذا الشيخ الكبير، والشيخ يضحك، رحمه الله، فهذا مما أخذه من النبي عليه الصلاة والسلام ومن