الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 111، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يشرح المقطع حديث «إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» مبيناً أن من علامات الساعة تسليم العلم والفتوى للجهال وأهل الأهواء. ويؤكد أن البركة والهداية في اتباع أكابر العلماء الراسخين لا الأحداث، مستشهداً بأقوال عمر بن الخطاب وابن مسعود وقصة ابن عباس.
يؤكد المقطع على وجوب تحسين السؤال بالسؤال عما ينفع ويقرب إلى الله، والاقتداء بأقوال الأكابر من العلماء لما فيهم من الوقار والخبرة والأمانة. محذراً من اتباع صغار السن أو غير المؤهلين الذين يفتون بغير علم فيؤدي ذلك إلى الهلاك، مع أمثلة من سلف الأمة كإمام أحمد والشعبي وابن تيمية.
يؤكد المقطع على ضرورة وجود شيخ معلم يتلقى عنه طالب العلم، محذراً من الاكتفاء بالقراءة في الكتب دون توجيه لأن ذلك يوقع في الخطأ والضلال. كما يبين مكانة لقب «شيخ» في الشرع وأنه لا يُطلق إلا على من استكمل شروط العلم والعمل، وأن صلاح الناس مرهون ببقاء العلماء الربانيين.
يعلن المتحدث أن هناك ستة أبواب متبقية وسيتم تناولها في الأسبوع القادم. ويختتم حديثه بالحمد لله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال: "باب في العلم والعلماء وما يدور في فلكيهما"، وهو الباب الثالث والخمسون في هذا الكتاب، الأثر السابع والعشرون بعد الثلاثمئة. قال صلى الله عليه وسلم: «إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة». هذا الحديث الذي ذكره المؤلف رواه الإمام البخاري. الحديث فيه عبرة، وذلك أن رجلاً عربياً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: متى الساعة؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يحدث القوم، ثم بعد ذلك أجابه عليه الصلاة والسلام، وقال: «إذا ضُيِّعَتِ الأمانة فانتظر الساعة». قال: وكيف إضاعتها؟ قال: «إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة». ومن ذلك: إذا أُسنِدَ العلم إلى غير أهله، بأن كان في أهل الأهواء والبدع، أو في الجهال والسفهاء. فإذا كان هذا فيهم والعياذ بالله، فهذا من أشراط الساعة. من أشراط الساعة: يُتَّبَعُ الحلم عند الأصاغر. والأصاغر فُسِّرَ عند العلماء بأنهم أهل الأهواء والبدع. أهل الأهواء والبدع: كل مبتدع من الأصاغر، ولو كان عندهم ما عندهم من العلم. وكذلك فُسِّرَ الأصاغر بأنهم من بعد الصحابة، لأن الصحابة أكابر. فمن عارض قوله قول الصحابة فهو من الأصاغر. فصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هم المكيال في هذا، فهم أكابر في العلم، وأقوالهم مقدمة على غيرهم ممن بعدهم. فُسِّرَ كذلك بمن عارض قول الصحابة ممن جاء بعدهم. وفسِّرَ الأصاغر كذلك بأحداث الأسنان، وهم الصغار في السن. فيقال أيضاً: كذلك، ولو كان عندهم من العلم فهم من الأصاغر. هذه تفسيرات أهل العلم للأصاغر. فإذا أُسنِدَ الأمر إلى غير أهله، فهذا من علامات الساعة. يرتكز واحد ويفتي الناس وهو جاهل بدين الله سبحانه وتعالى. اتَّخذ الناس رؤوساً، رؤوساً: يعني يجعلونه رأساً يقتَدَى به، وهذا من الجهل. فهذا من أشراط الساعة. ولهذا قال في الأثر بعده: قال صلى الله عليه وسلم: «البركة مع أكابركم». وهذا جاء في المستدرك، وفي الحلية، وغيره. حديث ابن عباس، وهو حديث صححه الحافظ ابن حجر رحمه الله: «البركة مع أكابركم». وليس كل كبير هو أكابر، بل أكابر السن مع العلم. مع العلم لأن الكبير تُؤمَن عليه التسرع، وتُؤمَن عليه التسرع، ويؤمن كذلك الطيش. فالبركة مع الأكابر: أكابر السن الذين قد غاصوا في بحور العلم. ولهذا يمر علينا أن نأخذ من الأكابر، خاصة لأمور الفتن. أمور الفتن هذه ما يعرفها كل شخص، إنما كبار العلماء. الفتنة إذا أقبلت عرفها العلماء، وما قال الحسن: «وإذا أدبرت عرفها كل الناس»، لأنها قد بينوا، أدبرت الفتنة وقد بينها العلماء. فإذا أقبلت الفتنة فالمسلم عليه بالعلماء الكبار، البركة والبركة، فبوتقة الخير الإلهي والشيء. فإذا ثبت هذا في الأكابر، فالله سبحانه وتعالى يجعل في علمهم البركة، فيبارك الله عز وجل في علمهم. وينبغي للصغير أن يقتدي بالكبير: أكابر العلماء الراسخون في العلم، الذين يربون الناس بصغار العلم قبل كباره. ومنهم من العلماء من قال: يُشمَّد صغير السن، لكن يكون عنده علم، مثل ابن عباس حبر العلم. كان عمر يدنيه ويقربه في مجلسه، لأنه كان من أهل العلم. فكان مجلس شورى، شورى: انظر عمر جعل له مجلس شورى، يشاوره في الأمور العظيمة، يجمع لها الصحابة، شورى أكابر الصحابة، وأيضاً المشيخة، وأيضاً العلماء، ومنهم ابن عباس مع صغر سنه. وهكذا إذا... ذكر ابن عباس أنهى أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أراد عمر أن يختبره، يختبر علم ابن عباس، لأنهم قد يقولون: هذا صغير، كيف يجالس معنا؟ فسألهم عمر عن قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. فكان ابن عباس كان عنده علم بذلك، بعد أن أُسند إليه السؤال، ولم يجب عليه أحد بالشكل الصحيح الذي يعلمه عمر. فقال ابن عباس: هذا أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أَعْلَمَهُ الله به: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. فابن عباس مع صغره كان من أكابر الصحابة بالعلم. قال عمر بن الخطاب: «قد علمت متى صلاح الناس ومتى فسادهم: إذا جاء الخير من قبل الصغير استعصى عليه الكبير، وإذا جاء الخير من قبل الكبير تابعه الصغير، فاهتديا». فهذه: من أين يؤتى الناس؟ متى يكون صلاحهم ومتى يكون فسادهم؟ صلاح الناس عندما يأخذ الصغير من الكبير. الصغير يأخذ من الكبير، يعني يتعلم العلم، العلم النافع. وأما إذا كان بالعكس، أن الصغير هو الذي يعلم، والكبير هو الذي يستمع، يستعصي الكبير، يقول: هذا أصغر مني، كيف آخذ منه؟ كيف آخذ منه؟ فيستعصي، فيفسدونه، فلا يأخذ بقوله. قال: «وإذا جاء الخير من قبل الكبير تابعه الصغير فاهتديا». فالبركة مع الأكابر. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «لا يزال الناس بخير ما أتاهم... ما أخذ... أي ما أخذ العلم من قبل أكابرهم. فإذا أتاهم من قبل أصاغرهم هلكوا». إذن لا يزال الناس بخير، يقول ابن مسعود، كما في حديث ابن مسعود سلم: «إذا جاء العلم من قبل الكبار، فإذا جاء من قبل الأصاغر هلكوا». وأنت الآن رأيت الساحة الدعوية: من يتبع الأصاغر ويترك الأكابر؟ بهذا بيان من العلماء يجتمع عليه كبار العلماء، مثلاً في فتنة أمر ما، شخص ما، وبعض الناس، يعني بعض من يُحسَب بالعلم، يقول بهذا، يظل مع هذا الصغير فيهلك معه. وكم هلك أناس لأنهم ما أخذوا بقول الأكابر، وسلم أناس ووفقهم الله بالسنة لأنهم أخذوا عن الأكابر، أخذوا أقوالهم. قال: أخذ الله ابن عمر رضي الله عنه: «حسن السؤال، نسخ العلم». حسن السؤال يعني: يُحسِن الإنسان السؤال، يسأل عن ما ينفع، ولا يسأل عن ماذا؟ عن شيء لا ينفع، ولا يأتي بالغرائب، ولا يأتي بالغلوطات، يعني يغالط، يريد أن يغالط. قال أحمد المطيع: سألت أحمد بن حنبل عن الوضوء بماء النورة، فقال: لا يعجبني. فسألته عن الوضوء بماء الباقلاء، وقال له: لا يعجبني. يعني نبت بماء الباقلاء، قال له: لا يعجبني. فأكثر من المسائل على الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وكلها أسئلة... رأى الإمام أحمد أنه لا تنفع هذا الشخص، فأعرض عنه الإمام أحمد رحمه الله تعالى. قال: فقمت من المجلس، فأخذ الإمام أحمد بثوبي، وقال: «لو إيش تقول إذا دخلت المسجد؟» قال: فسكت. فقال: «لو إيش تقول إذا خرجت من المسجد؟» قال: فسكت. قال: «اذهب فتعلم هذا». يعني: اسأل عن شيء فعل، ويقربك إلى الله سبحانه وتعالى، في أشياء أنت ما تعرفها، أنت ما تعرفها. تسأل عن مسائل كبار، وقوم يسأل عن مسائل كبار، وأغلوطات، وألغاز، وألغاز. جاءت إلى الإمام الشعبي رحمه الله تعالى، قال: «وقد خبأت لك أسئلة عندي في راسي، أسئلة كثيرة خبأتها لك»، يريد من المسائل الألغاز والأغلوطات. قال له: «خبئها لإبليس إذا لقيته، فقل له: خبأت لك هذه». هي المسائل تخبئها لمن؟ لإبليس، روح عند الشيطان. هكذا الإمام الشعبي رحمه الله: «تخبئها لي أنا؟ يروح يدور في الكتب، آه هذه مسألة، الآن الشيخ ما يدري عنها، مسألة سؤال، يسأله واحدة، اثنين، ثلاثة، يقوم يضحى في راسي، يقول: الآن الشيخ هذا ثلاثة، يريه أنه ما يعرف، أنه أمام الناس لا شيء». قالوا: «خبأت لك هذه». مسائل ما هو يريد أن يستفيد، يعني مسترشد الذي يسأل سؤال مسترشد، هذا يجاب، هذا يجاب. هذا يعني ما يعرفون من هو الذي يسأل سؤال مسترشد ويريد يتعلم، ومن يسأل سؤال أغاليط وسؤال ألغاز، ولا يحسن السؤال. ومن يسأل فيأتي بأسئلة غالية، غريبة، عجيبة، كبيرة، ليست من مستوى... ليست من مستوى فأنت الآن مستوى... فطالب علم مثلاً يسأل عن ما ينفعك ويقربك إلى الله في دينك، كيف تتعلم، كيف تتفقه، المسائل الصغيرة وتسأل عنها شيئاً فشيئاً، تذهب تسأل عن نوازل الكبار، ربما يجتمع لها، كما يقال: قال العلماء الكبار، ويجتمع... لو أن مسألة واحدة اجتمع لها جمع، عمر لها لابده، قالوا: «إذا بي لابل إبليس إذا لقيت إبليس، خبأت لك هذه المسائل». نسأله أسأله بعد ذلك. قال عبد الله: «إذا نصف العلم أن تحسن السؤال». كيف أدب السؤال؟ نتعلم أدب السؤال ونحسن السؤال مع علمائنا ومع مشايخنا، وإلا لو رأى منك العالم ذلك، ربما... لربما أجابك بإجابة تكون فيها لك عبرة وعظة في المجلس، محذر. قال عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري رحمه الله: «يريد لا يزال الناس بخير ما كان علماؤهم المشايخ». ولم يكن علماؤهم الأحداث، لأن المشيخة قد زالت عن متعة الشباب وحدته وعجلته وسفهه، واستصحبت التجربة والخبرة، ولا يدخل عليه في علم الشبهة، ولا يغلب عليه الهوى، ولا يميل به الطمع، ولا يستزله الشيطان استزلال العَجَف. ومع السن الوقار... انظر هكذا تفسير العلماء، يقول ابن تيمية في تفسير حديث «البركة مع أكابركم»: «لماذا البركة مع أكابركم؟» قل: انظروا ما في الكبار من الصفات. قلنا: ومع السن الوقار والجلال والهيبة. والحدث قد تدخل عليه هذه الأمور، ما هي الأمور التي تدخل عليه؟ حدة الشباب، العجلة، السفه، عدم الخبرة. قال: «قد تدخل عليه هذه الأمور التي أمنت على الشيخ، فإذا دخلت عليه وأفلت هلك وأهلك». قال أبو بكر القطوسي رحمه الله: «لا يؤتى الناس الخطل من قبل علمائهم، وإنما يؤتون من قبل أنه إذا مات علماؤهم، أفتَى من ليس بعالم، فيؤتى الناس من قبله». وهذه من علامات الساعة: آخر الزمان يكثر المفتون، المفتون. والآن في القنوات، الكثير منهم... ترى العجل، الحجاب، الكثير منهم ممن لم يدرس ويتعلم على أيدي الكبار والعلماء والمشايخ، فصاروا مفتين في القنوات، هذه التي تأتي في التلفاز الآن. يسأل الناس، ما يسألون العلماء. كثير من النساء، وما رضعت الهاتف، واتصلت بأحد هؤلاء. فصارت الآن هذا هو الواقع، والعياذ بالله. قال: «وقد صرف عمر هذا المعنى تصريفاً، فقال: خان ما خان أمين، قد... ولكنه تُمِّنَ غير أمين فخان». ما خان أمين، أمين الذي يسمى أمين، ما يخون، لأن صفته أمانة. لكن متى يكون ذلك؟ عندما يُوسَّد الأمر إلى غير أهله، فيؤتمن الخائن، فيقول... فيقول... قال: «ولكنه تُمِّنَ غير أمين»، أي خائن، ليست من صفاته الأمانة. ويوسف عليه الصلاة والسلام قال: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾. يعني عنده علم، وعنده حفظ، يحفظ هذه الأشياء التي هي الخزائن. هذا أيضاً عامل في الأمانة، أنه سيؤتمن على خزائن، سيحفظها، ولن يفرط فيها. وأيضاً يعني كيف يصرفها بعلم، لأن الله آتاه العلم. فالله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. وهذه الصفة أيضاً في موسى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. وهو أمين. أعد صفات الأنبياء، والنبي صلى الله عليه وسلم كانت صفات أمانة، كان إذا رُؤِيَ قيل: أقبل الصادق الأمين، كان ملقباً بالصادق الأمين. فالذي يؤتمن على شيء وهو أمين ما يخون، لكن إذا أؤتمن غير الأمين يخون. هكذا حسَر عمر رحمه الله. فهذا من باب يُوسَّد الأمر إلى غير أهله. وقال: «إذن وكذلك فعل الربيع». قال مالك: «بَكَى رَبِيعَةُ يَوْمًا تَكَاءً جَدِيدًا، فَقِيلَ لَهُ: مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِكَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ أُسْتُفْتِيَ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ». ربيعة بعهد أتباع التابعين، يبكي، يبكي، لماذا يبكي ربيعة رحمه الله تعالى؟ قال: لأنه مستفتى من لا علم عنده، يبكي على هذا. فكيف نحن الآن؟ من زمان مستفتى كثير ممن لا علم عنده، وهذا من المصائب العظيمة، حتى بكى رحمه الله. قال: قال أحمد بن علي الخطيب البغدادي رحمه الله، إمام المعروف، خطيب، صاحب المؤلفات والمصنفات: «ولا بد للمتفقه من أستاذ يدرس عليه، ويرجع في تفسير ما أشكل عليه، ويتعرف منه طرق الاجتهاد، وما يفرق به بين الصحة والفساد». إذن هذا ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار، أن البركة مع الأكابر. المشكلة أن الطالب لا بد أن يكون له شيخ، لا بد أن يكون شيخ، أستاذ يدرس على يديه، ولا يكون فقط تفقه على كتاب، على كتاب، لأنه قد يزل، وقد يزل، قد لا يفهم ما في الكتاب. فالشيخ يوقفه على ما في الكتاب، فإذا أشكل عليه شيء رجع إلى شيخ فيما استشكل عليه: ما معنى هذا؟ ما معنى هذا الذي في هذا الكتاب؟ لكن إن لم يكن له شيخ، ودرس على الكتب فقط، وتفقه على الكتب فقط، ولم يأخذ على أيدي علماء، أو من ينطقه على الخطى والصواب في الكتب، فإنه ستكون هناك عنده أخطاء. ولهذا يقول أبو حيان النحوي رحمه الله تعالى: «يظن الغمر أن الكتب تهدي، أخافه من إدراك علوم، وما يدري الجهول بأن فيها قواضح حيرت عقلاً فهيمًا. إذا رمت العلوم بغير شيخ، ضللت عن الصراط المستقيم، وتلتبس العلوم عليك، حتى تصير أضل من توم الحكيم». توم الحكيم: هذا يضرب به المثل في البلاد، توم الحكيم، حمار الحكيم. حمار الحكيم يقول: هذا الحمار صاحبي، يعني أنا أحسن من صاحبي. ليش أنت أحسن من صاحبي؟ قال: لأني جاهل بسيط، صاحبي جاهل مركب، جاهل مركب. فالذي يركب في هذا الحمار، هذا أضل مني، لأنه جاهل مركب، لكن أنا عندي جاهل بسيط، عندي جاهل بسيط. لهذا يقولون: الذي يدرس من الكتب يكون أضل من توم الحكيم. فلذلك يمره أن تحذر من ماذا؟ التفقه بغير شيخ. لا بد أن يكون لك مشايخ، هكذا يكون لنا مشايخ، نعرِض عنهم ونستفهم منهم. فإذا كان لنا علماء، ولنا مشايخ، لن نضيع بإذن الله تعالى، سنكون بأمان. فإذا قرأنا شيئاً من الكتب، واستعصر علينا، ولم نفهمه، ورجعنا إلى مشايخنا ومعلمينا. قال أحمد: «إنما يحيى الناس في المشايخ، فإذا ذهب المشايخ، فماذا بقي؟ ماذا بقي؟» إذن حياة الناس بوجود المشايخ، المشايخ، والعلم الذي يقال له شيخ. تلاحظون هذه الآن صارت الكلمة سهلة، حتى على مثالنا، نحن لسنا بمشايخ، لسنا بمشايخ، ولا يخفى واحد يقول لنا: شيخ. هذا الواقع، لكن هذه بلية، هذه بلية. فإذا كان أهل الأهواء والبدع يشيخون الصغار في العلم، أو الصغار في السن، فتلك مصيبة، ولا ينبغي لنا أن نقتدي بهم، لأن هذه الكلمة كلمة عظيمة عند السلف، كلمة «شيخ». نعم، إذا كان شيخ في السن، كبير في السن، تجاوز الخمسين والستين، ومن باب احترامه: يا شيخ، يا شيخ، هذا لا بأس أن يقال له: يا شيخ، باب الاحترام وكبره في السن. أما شيخ العلم، الذي قد قرأ الكتب والمصنفات، وحفظ الأحاديث، وحفظ القرآن، وعنده من العلم ما يستطيع أن يفتي به الناس، فهذا درجة المشايخ، درجة ماذا؟ المشايخ. ويبغي علينا أن نتلطف، أن نتلطف في هذه الكلمة، ونعرف لها حقها، ولا نعطيها إلا من يستحقها. هذا هو الذي يبغي على طلاب العلم في كلمة «شيخ». فما هو كل شخص شيخ، ما هو كل شخص شيخ. فلوا ناديته بكنيته لكان أحب، كان أولى، وليس في غضاضة، ليس في غضاضة من هذا، لكان كذلك، ويحب ذلك أن تناديه باسمه، أو تناديه بكنيته. وقال: أي، أحمد بن حنبل رحمه الله: «إنما الناس من شيوخهم، فإذا ذاب شيوخ، فمع من العيش؟» لعمري، مع من العيش؟ الناس ليس يُوفَّق بعلمائهم الذين يعلمونهم من كتاب وسنة، ويفقهونهم في دين الله عز وجل. فالناس يقتدون بالمشايخ، وهي بالياء، وليس في الهمزة، المشايخ بالياء، وتكتب بالياء، وتنطق بالياء. إذن هذا من باب العلم، وهو أننا نكون مع أكابر علمائنا، مع مشايخنا، مع معلمينا، نسترشِد ونستفهم ونستنصحهم، ونسألهم سؤال مسترشد، سؤال مستفهم، ونتأدب أيضاً معهم، حتى نحفَظ العلم. نسأل الله عز وجل أن يثبِّتنا في ديننا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. فبهذا نقول: إن هذا الباب... سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. وبقيت ستة أبواب، إن شاء الله تعالى نحملها في الأسبوع القادم، بأوله وقوته. الحمد لله رب العالمين.