الدرس في التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 11، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
ينتقل الحجاج من عرفة إلى مزدلفة ثم إلى منى لرمي جمرة العقبة، مع شرح معاني الرواح والانتقال بين هذه المناسك. يُبين المقطع أهمية هذه الخطوات في الحج ومعانيها اللغوية والشرعية.
يشرح المقطع تعظيم الله من خلال مناسك الحج مثل نحر الهدي والأضاحي، ويستدل بقصص إبراهيم وإسماعيل وبني إسرائيل في طاعة أوامر الله تعالى.
يُبين فضل الشهادة في سبيل الله حيث ينتقل الشهيد إلى الجنة ويتمتع بالرزق عند الله، ويتحدث عن استبشار المؤمنين بنعمة الله وفضل الشهادة مستدلاً بقول الله تعالى في سورة آل عمران.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على الأشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علامة بن القيم رحمه الله في قصيدته الميمية: وراحوا إلى جمع فباتوا بمشعر الحرام، وصلوا الفجر، ثم تقدموا. بعد أن ذكره رحمه الله وقوفهم بعرفة في اليوم التاسع من الحجة، فإن الحجاج ينطلقون بعد غروب الشمس إلى مزدلفة، فيبتون فيها، ثم يصلون فيها الفجر، واستقبلوا القبلة، ويدعون الله جل وعلا حتى يسفر الفجر، ثم ينتقلون قبل طلوع الشمس إلى منى، رمي جمرة العقبة الكبرى. قال علامة بن عثيمين رحمه الله: قوله «وراح إلى جمع» أي الحجاج، والرواح قد يراد به مجرد الانطلاق، لا الانطلاق في آخر النهار فحسب، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «فيمن تقدم إلى يوم الجمعة، من راح في الساعة الأولى». وهذا في أول النهار، يعني أن الرواح قد يطلق ويراد به آخر النهار، كما أنه قد يطلق ويراد به مطلق الذهاب والمشي والسعي، فقد يكون في آخر النهار، وقد يكون كذلك في أول النهار أو في وسط النهار، وهو المراد به في هذا الموضع «وراحوا» يعني ذهبوا. قال: وأما قول من قال: إن الرواح يكون في آخر النهار ولا يصح لغير ذلك، فإنه قول لا أصل له، فاللغة العربية تدل على أن الرواح وإن كان في الأصل يكون بعد الزوال، ولكنه قد يطلق أيضا على مجرد الذهاب. وهذا مما دلت عليه اللغة، وقد ذكر ابن منظور في لسان العرب قال الأزهري: وسمعت العرب تستعمل الرواح في السير كل وقت، تقول: راح القوم إذا ساروا وغدوا. وهذا موجود حتى في اللغة العامية الآن، فأنت تقول للرجل في الصباح: أين ذهبت؟ فيقول: رحت لفلان، يقول: رحت لفلان، يعني ذهبت إليه أو مشيت إليه، ولا يقصد بذلك آخر النهار. قال: وقوله «وراحوا إلى جمع» أي بعد غروب الشمس، يعني غروب شمس يوم عرفة، لأنهم لا يذهبون إلى جمع إلا بعد غروب الشمس، فالحاج يقف في عرفة من زوال الشمس إلى أن تغرب الشمس، ثم ينطلق إلى مزدلفة. ثم قال رحمه الله: إلى الجمرة الكبرى يريدون رميها لوقت صلاة العيد، ثم تيمموا. يعني رحمه الله أنهم باتوا في منى، والصواب أنهم باتوا في مزدلفة، المبيت في ليلة عرفة يكون في مزدلفة، بعد أن ينطلق من عرفة إلى مزدلفة، فيبيتون في مزدلفة، ثم يأتون المشعر الحرام في مزدلفة. قال: وقفتها هنا ومزدلفة كلها موقف، فلعل هذا سبق لسان أو كتابة من الشيخ رحمه الله. والله تعالى قال: ﴿ثم أتوا المشعر الحرام ووقفوا فيه﴾ إلى أن يسفروا، ثم تقدموا إلى الجمرة الكبرى، وهي جمرة العقبة، حتى يرموها لوقت صلاة العيد، يعني في وقت الضحى. فجمرة العقبة الكبرى ترمى وحدها في اليوم العاشر، ويكون رميها بعد طلوع الشمس قدر الرمح، يعني في وقت الضحى، وهذا معنى قوله «لوقت صلاة العيد»، لأن صلاة العيد تكون في وقت صلاة الضحى، بعد أن ترتفع الشمس قيد رمح ورمحين. قال: ثم تيمموا يعني قصدوا، قال رحمه الله: إلى الجمرة الكبرى يريدون رميها لوقت صلاة العيد، ثم تيمموا منازلهم للنحر، يبغون فضله وإحياء نسك من أبيهم يعظموا. منازلهم يعني في منى، لينحروا ما معهم من بهيمة الأنعام من الهدايا والأضاحي، والأضاحي يتقربون بها إلى الله جل وعلا، وهذا أيضا يكون في اليوم العاشر، بعد رمي جمرة العقبة، فإنه ينحر الحاج هديه، ثم بعد ذلك يحلق رأسه ويتحلل التحلل الأول. قال: يبغون فضله أي فضل النحر وإراقة دماء الهدايا والأضاحي. قالوا: وإحياء نسك من أبيهم يعظموا، يعني إبراهيم عليه السلام، فلو كان يرضي الله نحر نفوسهم لدانوا به طوعا وللأمر سلموا، يعني لو كان الله عز وجل يرضى من العبد المؤمن أن ينحر نفسه وأن يذبح نفسه لفعل ذلك المؤمن وسلم أمره لله جل وعلا، وانقاد لأمر الله جل وعلا وأطاعه. قال: كما بذلوا عند الجهاد نحورهم لأعدائه حتى جرى منهم الدم، يعني كما أن المؤمن المجاهد في سبيل الله بذل نفسه لله، بذل نفسه لله وهو يعرّض نفسه وحياته للموت والقتل في سبيل إعلاء كلمة الله جل وعلا. ولكنهم دانوا بوضع رؤوسهم، وذلك ذل للعبيد وميسم، دانوا بوضع رؤوسهم يعني بحلقها لله سبحانه وتعالى ذلا وتعبدا وطاعة وقربة، وهذه علامة ميسم، معنى علامة لإيمان العبد. قال الشيخ العثيمين رحمه الله: يعني أن هؤلاء نزلوا شعور رؤوسهم تعظيما لله، فإن حلق الرأس لا شك أنه تعظيم، فإن العسكر الآن إذا مر بهم من يعظمون حلقوا ما فوق رؤوسهم، يلقون لنسائهم تعظيما له، إذن فهذا تعظيم لله، يعني بحلق المؤمن لرأسه هذا فيه تعظيم لله سبحانه وتعالى، وإذلال للعبد نفسه لله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: وقوله «فلو كان يرضي الله نحر نفوسهم لدانوا به طوعا وللأمر سلموا»، قال: يعني رحمه الله أنه لو رضي الله منهم أن ينحروا نفوسهم لنحروها ولذبحوا أنفسهم. وانظر إلى إبراهيم عليه السلام لما أمره الله تعالى أن يذبح ابنه امتثل، مع أنه ليس له ابن سواه، وجاء وقد جاء على كبر، يعني على كبر سن، وكانت يعني تظن زوجته أنها عقيمة، ومع ذلك أمره الله بذبح ولده وفلذة كبده، ولا شك أن هذا أمر عظيم، يعني تخيله إنسان ما رزق بولد ومرت السنون العديدة وبعد أن كبر رزقه الله بالولد، ثم يؤمر بذبحه، لا شك أن هذا شديد على النفس، ومع ذلك ما كان من إبراهيم عليه السلام إلا أن استجاب لأمر الله، وما كان من إسماعيل الذبيح عليه السلام إلا أن كذلك استجاب لأمر الله سبحانه وتعالى، حتى أضجعه وكاد أن يذبحه، فرفع الله عز وجل هذا الأمر وفداه بكبش عظيم. قال: ولكنه امتثالا لأمر الله استسلم، إلا أن رحمة الله عز وجل أدركته، فأوحى الله تعالى إليه أن يفديه بذبح عظيم، وآتاه أجره كاملا، يعني أجر استجابته لأمر الله سبحانه وتعالى وانقياده له. قال: وبنو إسرائيل لما قيل لهم في التوبة «فاقتلوا أنفسكم» أخذوا السكاكين واجتمعوا، ثم صار بعضهم يقتلون بعضا تحقيقا للتوبة. قال: «توبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم» كان هذا من شرط التوبة أن يقتلوا أنفسهم، ذكر أهل التفسير أنهم قتلوا بعضهم بعضا قربة إلى الله جل وعلا. قال: فالمؤمنون لو أن الله رضي منهم أن يقتلوا أنفسهم لقتلوها، فلو قال لك ربك: «اقتل نفسك» فمقتضى الإيمان أن تقول: سمعا وطاعة، وتقتل نفسك، لكن الله عز وجل لا يأمر عبده بذلك، ولا يرضى من العبد أن يقتل نفسه، لكن لو فعل أو أمر سبحانه وتعالى ذلك، ما كان من المؤمن إلا أن ينقاد لأمر الله. قال: ثم ضرب المؤلف رحمه الله مثلا فقال: «كما بذلوا عند الجهاد نحورهم لأعدائه حتى جرى منهم الدم». قال: فالمؤمن حقا المحب لله والمعظم له لا يهمه أن يقدم نحره لعدوه وعدو ربه إعلاء لكلمة الله عز وجل، فالمجاهد في سبيل الله قد باع نفسه لله، «إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون»، فهو يجود بنفسه رغبة فيما عند الله جل وعلا من الثواب والأجر والفوز بالجنة، وكذلك محبة لدين الله جل وعلا ولإعلاء كلمة التوحيد. قال: ومعنى البيت أنهم بذلوا نحورهم لأعداء الله حتى جرى منهم الدم، حتى إن الواحد منهم كان إذا طعن يقول: «فزدوا ورب الكعبة»، كما ثبت في الصحيحين في قصة القراء السبعين الذين بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم ليعلموا الناس القرآن والسنة، فتعرض لهم بعض قبائل المشركين فقتلوهم، ومنهم خال أنس بن مالك عبد الله بن حرام، فرماه واحد من المشركين برمح من خلفه حتى أنفذه، يعني خرج من الجانب الآخر، فقال: «فزت ورب الكعبة». قال: «فزت ورب الكعبة»، ثم قالوا: «اللهم بلغ عنا نبيك أننا قد لقيناك فرضيت عنا ورضينا عنك». قال: فهو يرى أن هذا فوز، وهو الله فوز لأنه ينتقل بذلك من حياة الصخب والندم والتعب والحزن والتنغيص والتكدير إلى دار فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ولا شك أن هذا هو أعظم الفوز الذي ينبغي أن يسعى له المسلم أن يفوز بالجنة، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، هذا هو الفوز العظيم. قال تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾. قال: وقوله تعالى: «عند ربهم» هذه الإضافة إلى الربوبية خاصة لم ينلها إلا من كان مثلهم أو أعلى منهم. وقوله تعالى: «أحياء عند ربهم يرزقون»، فإن الشهيد حي يرزق، وكما في الحديث: «أرواحهم في أجواف طير خضر تسرح في الجنة وتأكل حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش»، والحديث صحيح عند الإمام مسلم. قال: وهذا فضل عظيم أنهم لما خرجت أنفسهم من هذه الأجساد الترابية جُعلت في أجساد طير خضر يسرح في الجنة، يعني يتنقل فيها ويأكل من ثمارها. قال: ولذلك كان قتلهم في سبيل الله فوزا لهم، بل إن المجاهد في سبيل الله يتمنى أن يرجع إلى الدنيا لماذا؟ حتى يرجع إلى أهله وأولاده أو يرجع إلى ماله، لا حتى يقتل في سبيل الله مرة أخرى. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من أحد يرحل من هذه الدنيا أو يموت فيتمنى أن يرجع إليها إلا الشهيد، إنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل في سبيل الله لما يرى من فضل الشهادة»، يعني لما يرى من الكرامة التي أكرمه الله سبحانه وتعالى بها يتمنى أن يرجع ويقتل مرة أخرى ويقتل مرة أخرى في سبيل الله. قال رحمه الله: وقال تعالى: ﴿فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين﴾. نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا الشهادة في سبيله وأن يبلغنا منازل الشهداء. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.