الدرس في كتاب الصلاة 27، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح النهي عن البصاق أمام المصلي أو عن يمينه أثناء الصلاة، ويبين آداب البصاق في الصلاة. يناجي المصلي ربه ويجب عليه احترام ذلك.
يوسع النقاش ليشمل البصاق تجاه القبلة خارج الصلاة، مستندًا إلى أحاديث نبوية وتفاسير العلماء. يُؤكد على أهمية الخشوع في الصلاة.
يناقش تحريم الأشياء التي تشغل المصلي أثناء الصلاة مثل الصور والزخارف. يُشدد على أهمية إبعاد كل ما يشغل المصلي حفاظًا على خشوعه.
يتضمن الدعاء بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. تُعدّ الصلاة على النبي من الأعمال المستحبة في الإسلام وعلامة من علامات الإيمان.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحافظ، أحمد بن علي بن حجر -رحمه الله- في كتابه «البلوغ المرام»، في كتاب الصلاة، في باب الحث على الخشوع، عن أنس، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه، فلا يبصقن بين يديه، ولا عن يمينه، ولكن عن شماله تحت قدمه». متفق عليه. وفي رواية: «أو تحت قدمه». هذا الحديث يخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- أن المصلي إذا كان في الصلاة فإنه يناجي ربه، والمناجاة هي المسارة، ناجيت فلانًا، أي ساررته بكلام. ولهذا نهى النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يتناجى اثنان دون الثالث، يعني أن يسر إليه بكلام دون الثالث؛ من أجل أن ذلك يحزنه. فالمصلي في الصلاة يناجي ربه، يعني هناك بينه وبين الله -جل وعلا- مسارة في الكلام من ذكر الله، وتلاوة القرآن، ودعاء الله -جل وعلا-. وجاء في حديث عمر: «فإن الله قبل وجهه إذا صلى»، أي أن الله -عز وجل- يواجه العبد عند صلاته، ويقبل الله -عز وجل- على العبد إذا أقبل عليه في الصلاة. قال: «فلا يبزقن»، وفي رواية البخاري: «فلا يبصقن»، بالزاي، وهو معنى البصاق، والبزاق هو إخراج ماء الفم، الريق الذي يكون في الفم، إذا أخرجه يسمى بزاقًا. يعني إذا كان الإنسان في الصلاة فأراد أن يبزق أو يبصق، نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يبصق بين يديه. فلا يبصقن بين يديه، يعني أمامه، كما سمعنا في حديث عمر: «فإن الله قبل وجهه إذا صلى». ولا عن يمينه كذلك، لا يبصق عن يمينه، أي جهة اليمين. جاء في رواية: «لأن عن يمينه ملك»، كما في البخاري، حديث أبي هريرة، قال: «ولكن عن شماله تحت قدمه»، يعني يبصق بالجهة اليسرى. وهذا إذا لم يكن عن يساره أحد، كما جاء في رواية أخرى في السنن، قال: «فإن لم يكن عن يساره أحد، فعن يساره»، إذا كان فارغًا؛ حتى لا يؤذي من بجانبه. وقوله: «تحت قدمه»، يعني يبصق عن يساره تحت قدمه. وفي الرواية الأخرى: «أو تحت قدمه». وهذه الرواية أوسع، يعني هو مخير، عن يساره من أي جهة، أو تحت قدمه. فهذا الحديث فيه نهي المصلي إذا أراد أن يبزق أن يبصق أمامه؛ لأن الله -عز وجل- قبل وجهه، وهذا يعد من سوء الأدب. يعد من سوء الأدب أن يبصق أمامه وهو متوجه إلى الله -سبحانه وتعالى-. ولو أن إنسانًا يقف بين ملك الملوك في الدنيا، فبصق أمامه، لا شك أنه يعد ذلك من سوء الأدب، وذلك مما يسوء. ولله -جل وعلا- المثل الأعلى، فكيف بملك الملوك -سبحانه- أن يعامله العبد مثل هذه المعاملة؟ فإذا احتاج أن يبزق، فإنه لا يبصق أمامه، ولا يبصق عن يمينه؛ لأن عن يمينه ملك. فإن قال قائل: أليس عن شماله كذلك ملك؟ يقال: نعم، لكنه إذا بصق عن شماله، فحينئذ لا يبصق جهة الملك الذي عن يمينه. والأمر الثاني: أن الملك الذي في اليمين أشرف من الملك الذي في الشمال، هكذا ذكر أهل العلم -رحمهم الله- في الجواب عن ذلك. قال: «ولكن عن شماله»، يعني إذا احتاج أن يبزق، فإنه يبصق عن شماله، إذا لم يكن عن شماله أحد، أو تحت قدمه. طبعًا هذا إذا كان يصلي في صحراء، أو يصلي في أرض مفروشة بالرمل أو الحصباء. أما إذا كان يصلي في المسجد المفروش بالفرش، هنا ما يمكن أن يبصق على الفراش؛ لأن هذا تلويث له. فحينئذ ماذا يفعل؟ يبصق في ثوبه، طرف الثوب، أو العمامة، يبصق فيها ويلف بعضها على بعض، كما فعل النبي -عليه الصلاة والسلام- كما جاء في حديث أبي هريرة، قالوا: يفعل به هكذا، ثم بصق -عليه الصلاة والسلام- في طرف ردائه، وضم بعضه إلى بعض. فإن هذا الفعل أولًا فيه سوء أدب مع الله -جل وعلا-، وكذلك أيضًا فيه بيان أن المصلي إذا قام يصلي، فإنه يناجي ربه -جل وعلا-، فلا ينبغي أن يشتغل بشيء يشغله عن ذلك، يشغله عن مناجاة الله، وعظمة وقوفه بين يدي الله -سبحانه وتعالى-. وهذا هو وجه الشاهد من ذكر الحديث بهذا الباب، باب الحث على الخشوع. فهذا حال المصلي بين يدي الله -سبحانه وتعالى-، فينبغي أن يكون خاشعًا، حاضر القلب، ساكن الجوارح. وقوله في الحديث: «إن الله قبل وجهه»، هل هذا ينافي علو الله -سبحانه وتعالى-؟ الجواب: لا. الله -عز وجل- مستوٍ على عرشه استواء يليق بجلاله -سبحانه وتعالى-، وهو قبل عبده في الصلاة، ولا مانع من ذلك. ولا يلزم من ذلك المخالطة والمصاحبة. فأنت تقول: القمر أمامي حقيقة، مع أن القمر في العلو. وتقول: الشمس أمامي، وهي في جهة العلو. فإذا صح ذلك في المخلوق، فالخالق من باب أولى. والمؤمن الذي يعظم ربه -جل- لا يسأل مثل هذا السؤال. ما يقول: كيف؟ كيف الله في السماء والله قبل وجه العبد؟ لأن الله -عز وجل- لا يشبه بخلقه، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. فالمؤمن يقبل هذه الأحاديث، وما أخبر به النبي -عليه الصلاة والسلام-، ويؤمن بها، ويصدق بها، ولا يعارضها بعقله، ولا برأيه. طيب، هنا مسألة أخرى، وهي البصاق تجاه القبلة. الآن هنا نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يبصق بين يديه، يعني أمامه في الصلاة. طيب، إذا كان في خارج الصلاة، هل يجوز أن يبصق تجاه القبلة أم لا؟ ولذا بعض الأحاديث الدالة على أن هذا أنه عام في الصلاة، وفي خارج الصلاة. ومن ذلك قول -عليه الصلاة والسلام-: «من تفل تجاه القبلة، جاء يوم القيامة وتفلته بين عينيه». رواه ابن خزيمة، وابن حبان، من حديث حذيفة -رضي الله تعالى عنه-. وجاء أيضًا بلفظ: «يبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة، وهي في وجهه». وهذا أيضًا أخرجه ابن خزيمة، من حديث ابن عمر، وصححه شيخ الألباني -رحمه الله-. فهذان الحديثان يدلان على النهي مطلقًا في الصلاة، وخارج الصلاة. وبهذا جزم الإمام النووي -رحمه الله-. وهكذا أيضًا كلام الحافظ ابن حجر يشير إلى ذلك. وهكذا الإمام الصنعاني قال بهذا. وهكذا الشيخ الألباني -رحمه الله-. فعلى هذا، فالمسلم لا يبصق اتجاه القبلة، سواء كان في الصلاة أو في خارج الصلاة. قال -رحمه الله-: وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان قرام لعائشة سترًا ببيتها، فقال لها النبي -صلى الله عليه وسلم-: أميطي عنا قرامك هذا، فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي». رواه البخاري. القرام: ستر رقيق من صوف ذو ألوان. صلى النبي -عليه الصلاة والسلام-، وهذا القرام كان أمامه، فقال لعائشة: «أميطي عنا قرامك هذا»، يعني أبعديه؛ «فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي»، يعني تلوح وتظهر لي في صلاتي، حتى أخلت بالخشوع في الصلاة. فهذا الحديث فيه أن المصلي يبعد كل شيء يشغله في الصلاة، ويكون سببًا في انشغاله، وذهاب خشوعه. من ذلك الأشياء الملونة والمزخرفة من ستائر، أو سجادات، إذا كان السجاد فيه زخارف وأشياء تشغل المصلي، فالأولى أن يبعدها، ويصلي في أشياء صافية، ليس فيها تصاوير، أو ليس فيها كذلك زخارف تشغل المصلي، وهذا محافظة على خشوعه في الصلاة. قال: واتفق على حديث عائشة في قصة أنبجانية أبي جهم، وفيه: «فإنها ألهتني عن صلاتي». أي البخاري ومسلم اتفقا على حديث عائشة في قصة أنبجانية أبي جهم. وأبو جهم هو عامر بن حذيفة، أهدى إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- خميصة، وهي عبارة عن كساء فيه خطوط، فصلّى فيها النبي -عليه الصلاة والسلام-، فشغلته هذه الأعلام والخطوط، فقال: «اذهبوا بخميصة هذه إلى أبي جهم، وأتوني بأنبجانية أبي جهم». والأنبجانية عبارة عن كساء غليظ، ليس فيه شيء من الخطوط، سادة صافية. فالنبي رد له الخميصة، وهو أهداها له، فردها له، وطلب الأنبجانية؛ تطيبًا لخاطره، حتى ما يقع في قلبه: لماذا رد النبي -صلى الله عليه وسلم- هديتي؟ فرد الخميصة، وأخذ الأنبجانية، ثم ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- العلة، فقال: «فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي»، أي الخميصة، بما فيها من أعلام وخطوط. فهذا فيه -كما ذكرنا- أن المصلي يبعد كل شيء يشغله في الصلاة. ومن ذلك السجادات التي فيها زخارف. وهكذا أيضًا إذا كانت الزخارف أمامه في البيت، أو كذلك في المسجد، فمن الخطأ فرش المسجد بفرش فيها زخارف تشغل المصلي، أو زخرفة المسجد بنقش الآيات، أو نحو ذلك؛ خاصة في القبلة، هذا أيضًا مما يشغل المصلي، ولا ينبغي أن يفعل. وقد نهى النبي -عليه الصلاة والسلام- عن زخرفة المساجد، وهي أيضًا من أسباب انشغال المصلي، وذهاب الخشوع بسبب ذلك. أو وضع أشياء، كساعات مثلًا مزخرفة في قبلة المصلي، رغم أنه يصلي، وهو ينظر إليها، هذا مما يشغله. مما يبعد أن تجعل هذه الأشياء في غير قبلة المصلي، في الخلف، في السواري، في الجوانب، أو في المؤخرة؛ حتى لا يشغل المصلي بشيء. كل ذلك من أجل العناية والاهتمام بأمر الخشوع، وحضور القلب. فإذا كان نبي -عليه الصلاة والسلام- هو رسول الله، وخير خلق الله، شغل بهذه الخميصة، شغلته هذه الخميصة التي فيها أعلام، فكيف بغيره؟ باب أولى أن يشغل بمثل ذلك، فينبغي إبعاده. صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد، وآله، وصحبه أجمعين.