الدرس في التعليق على الجواب الكافي 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الدعاء عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله أو يخففه إذا نزل. وهو من أنفع الأدوية في حياة المؤمن.
ناقش المحاضر أحاديث متعلقة بالدعاء ورد القدر، مشيرًا إلى ضعف سند بعضها. ورغم ذلك، أقر بصحة الأمر بالدعاء وأهميته.
يؤكد الإسلام على أهمية الدعاء، حيث أمر الله تعالى عباده بالدعاء ووعدهم بالاستجابة. الدعاء من أعظم العبادات التي يحبها الله تعالى.
يجب على المسلم أن يتذكر الله ويعبده في أوقات الرخاء ليجد الله معه في أوقات الشدة. من لا يذكر الله إلا في الشدة يكون مقصرا.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: فصل، والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله ويرفعه، أو يخففه إذا نزل. والدعاء أيضا من الأدوية التي تنفع منها الأمراض المعنوية القلبية، والأمراض الحسية، فإذا التجأ العبد إلى ربه جل وعلا، عافاه الله من البلاء. وربنا جل وعلا قد يبتلي العبد، فليبتلي أحباءه جل وعلا والمقربين إليه، فلهذا أشد الناس بلاء الأنبياء، ما تجد نبيا إلا وقد ابتلي بلاء عظيما. ومما نحن بصدده ابتلاء أيوب، نبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام، فإنه ابتلي بالمرض حتى تركه القريب، وصار هذا المرض فيه ثماني عشرة سنة. ثم قال أيوب، نبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام: قام ودعا ربه جل وعلا أن يكشف عنه هذا البلاء، فكشف الله عز وجل عنه هذا البلاء بماء بارد: ﴿اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب﴾. فالدعاء عظيم، وهو يرفع البلاء، ويمنع نزوله، أو يخففه إذا نزل. أو أن الله عز وجل يدفع بهذا الدعاء شرا أعظم منه. قال: وهو سلاح المؤمن، كما روى الحاكم في صحيحه من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السماوات والأرض». وهذا الحديث لا يصح، بل هو موضوع، كما حكم بذلك الشيخ الباني رحمه الله، عن حديث موضوع فيه حماد الضبي، وهو كذاب، فهو لا يصح. لكن جاء عن بعض السلف، كسفيان الثوري وغيره، أن الدعاء سلاح المؤمن. قال: وله مع البلاء ثلاثة مقامات. أحدها: أن يكون أقوى من البلاء، فيدفعه. أن يكون هذا الدعاء أقوى من البلاء لشدة الحاجة، وأيضا لإلحاح صاحبه، وكذلك لإخلاصه في دعاء ربه جل وعلا، وافتقاره إلى الله، فهذا قد يكون أقوى من البلاء، فيدفع هذا البلاء. قال: الثاني: أن يكون أضعف من البلاء، فيقوى عليه البلاء، فيصاب به العبد، ولكن قد يخففه، وإن كان ضعيفا، أن يخفف البلاء عليه، أي الله عز وجل بدعوة هذا العبد، لكن هذه الدعوة فيها ضعف، إما من ناحية المدعو نفسه، أو حاله، أو كذلك ضعف الدعاء، وعدم إلحاح. قال: الثالث: يتقاومان، ويمنع كل واحد منهما صاحبه. قالوا: قد روى الحاكم بسند ضعيف، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة». كأنها تكون خصومة بينهما. لكن هذا الحديث أيضا لا يصح. قالوا: فيه أيضا، من حديث ابن عمر، أي في الحاكم، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء». وهذا أيضا لا يصح. لكن صح أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء، في حديث أسامة بن زيد، أسامة بن زيد رضي الله عنهما، فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عباد الله تدعوا، فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء». وتقدم أيضا أنه في قوله: علمه من علمه، وجهله من جهله. وأما هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف، ففيها ضعف. قالوا: فيه أيضا، من حديث ثوبان، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه». وهذا أيضا حديث ثوبان اختلف فيه، لأنه من طريق سالم بن جعد، عن ثوبان، واختلف: هل سمع سالم أم لم يسمع؟ وبينهما أبو أسماء الرحبي، لكن هل سمع من ثوبان؟ أثبت سماعه الإمام البخاري في التاريخ، ونفى سماعه علي وأحمد، فلهذا بعض العلماء يتحسن هذا الحديث، كالشيخ الألباني رحمه الله عليه. وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، وفيه: لا يرد القدر إلا الدعاء، وإن كان هذا معناه صحيح. ولا يزيد في العمر إلا البر، كبر الوالدين، أو صلة الأرحام، فإنها تعمر الديار، وتزيد في الأعمار. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسى له في أثره - أي أخر له في عمره - فليصل رحمه». وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه. قال: فصلا من أنفع الأدوية الإلحاح في الدعاء. قد روى ابن ماجه في سننه، من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يسأل الله يغضب عليه». من لم يسأل الله يغضب عليه، وهذا الحديث فيه إبراهيم الخوزي، وهو مختلف فيه، فمنهم من قال: إنه ضعيف، لهذا ضعف بسبب هذا الحديث، وهم أكثر العلماء على ضعفه: من لم يسأل الله يغضب عليه. وقد أمر الله عز وجل في كتابه بسؤاله سبحانه وتعالى، وقال: ﴿ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾. فالدعاء من أجل العبادات. قال: في صحيح الحاكم. وقول: صحيح الحاكم، هنا فيه تجاوز الإمام ابن القيم رحمه الله، لأن الحاكم، صحيح أنه سمى كتابه المستدرك على الصحيحين، وأراد الصحة، وأراد أن يستدرك حديثا صحيحة على البخاري ومسلم، لكنه لم يوف بما قال، عن ثلث الكتاب، قد يصف له أقل، يصف له أقل من ثلث الكتاب، وثلثه على غير شرط، والثلث الآخر ما بين ضعيف وموضوع، فلهذا تسميته بالصحيح من التساهل. قال: في صحيح الحاكم، الحديث: «لا تعجزوا في الدعاء، فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد». وأيضا هذا الحديث لا يصح. قال: وذكر الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، رضي الله عنه، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - أو قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم -: «إن الله يحب الملحين في الدعاء». وهذا الحديث لا بأس به. والملحين: أي الذين يكررون الدعاء، ويلحون فيه، فهذا يحبه الله عز وجل، ويستجيب لدعاء صاحبه، فهو من آداب الدعاء أن يلح فيه الداعي. قال: في كتاب الزهد للإمام أحمد، عن قتادة، قال: قال مورق - وهو العجلي من التابعين، وإن كان هو في الحديث ضعيفا، لكنه رجل من أهل الزهد والعبادة -: «ما وجدت للمؤمن مثلا إلا رجلا في البحر على خشبة، فهو يدعو: يا رب، يا رب، لعل الله عز وجل ينجيه». يقول مورق: إن المؤمن مثل الغريق الذي يخاف الغرق، رجل في البحر على خشبة، هذا منتظر الغرق، إذا ذهبت عنه هذه الخشبة ذهب، أو قد يغرق. وأيضا يهلك من ناحية أنه لا طعام له، ولا شراب، وممكن أن يأتيه الحوت من تحت البحر، وهكذا، فهو في مخاوف عظيمة، فلهذا فهو يلجأ إلى الله عز وجل، يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى في حالاته كلها، في يسره وعسره، وفي نشاطه وفي مكره، وكله يرجع إلى الله جل وعلا، فينادي الله عز وجل: يا رب، يا رب. وأعظم اللجوء اللجوء عند الشدة. ولكن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، في حديث ابن عباس: «تعرف على الله في الرخاء، يعرفك في الشدة». تعرف على الله في الرخاء، يعرفك في الشدة. أما إن كان المسلم معرضا عن الله، لا يدعو، ولا يطلب منه، ولا يلح عليه في السراء، وفي اليسر أيضا، ثم إذا جاءت الشدة دعا، فهذا مقصر جدا. تعرف على الله في الرخاء، يعرفك في الشدة. فهذا شيء مما ذكره الإمام ابن القيم، إن شاء الله تعالى، نقرأ ما أيضا يلحق بهذا الفصل في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.