الدرس في التعليق على الجواب الكافي 66، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الذنوب تسبب مرض القلب وتؤثر على حياته، ولا دواء لها إلا تركها. القلوب لا تصلح إلا إذا منعت ما أرادت.
الأبرار يكونون في نعيم في الدنيا والآخرة، بينما الفجار يكونون في جحيم في الدنيا والآخرة. نعيم الأبرار وعذاب الفجار يبدأ في الدنيا ويستمر حتى الآخرة.
السعادة الحقيقية تأتي من الأنس بالله، والزهد في الدنيا. شيخ الإسلام يبين أن السعادة ليست مرتبطة بالأماكن أو الظروف الخارجية.
بسم الله الرحمن الرحيم، رحمة الله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. أما بعد، قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله: فصل، ومن عقوباتها أنها تصرف القلب عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه، فلا يزال مريضا معلولا، لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه. فإن تأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان، بل الذنوب أمراض القلوب وداؤها، ولا دواء لها إلا تركها. سبحان الله، فهذا الذنوب تمرض القلب، وحياة الإنسان وموته ومرضه في دين الله عز وجل هو حياة القلب وموته ومرضه. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت»، كمثل الحي والميت. وقال ربنا جل وعلا: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَثَلِهِ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾. وهذا هنا كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أجمع العلماء على أن المراد هنا حياة القلب وموته، حياة القلب وموته. أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها. فلهذا فالحياة في الإسلام هي حياة القلب، والموت موته، والمرض مرضه. وهناك مثل ما يمرض الجسد، يمرض القلب، ومرض القلب بالذنوب والمعاصي والسيئات، وليس له دواء إلا تركها. ليس لهذا القلب دواء إلا إذا تركها، فإذا لازمها فإنه تلازم هذا المرض، وقد يزداد ولا يذهب، حتى قد يكون مثلا الإنسان يدعو الله عز وجل أن يذهب ما به من المرض، وهو مصر على المعاصي، فقد لا يذهب هذا. لماذا؟ لأنه لم يترك الدواء، إلا أن يشاء الله عز وجل فيوفقه لتركها، وإلا إذا كان مستمرا عليها يبقى هذا الدواء موجودا فيه، إلا أن يشاء الله جل وعلا. قال رحمه الله: وقد أجمع السائرون إلى الله -من العلماء ومن العباد- لهذا جاء بهذا اللفظ: السائرون إلى الله، حتى يجمع العلماء والعباد. قال: وقد أجمع السائرون إلى الله أن القلوب لا تعطى مناها حتى تصل إلى مولاها. هذا قاعدة عظيمة في دين الإسلام، وأن القلوب لا تصلح إلا إذا منعت ما أرادت. ولهذا كما قلنا، فكرنا في درس شرح مقدمة المجموع، أن أعظم الأمور التي سلكها كثير من السلف هي أحجام النفس وعدم إعطاءها ما تمنت. لكن بعض الناس غلوا كثيرا في هذا الباب، غلوا كثيرا في هذا الباب. لكن السلف كان وسطا بين المفرطين والمفرطين. فهذا كانوا على طريقة صحيحة، ربوا قلوبهم وأفئدتهم على دين الله عز وجل، وعلموا أن الحياة هي حياة القلب. ولهذا تجد الصحابة رضي الله عنهم، لحياة قلوبهم، أنهم إذا عملوا ذنبا تعاظموه، وعظمه في نفسه، وصار كبيرا عليه، حتى أنه لا يبالي أن يقوم بين الناس ويخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك الذنب. فلهذا تجد في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم كم من رجل، وكم من صحابي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ما اقترفه من الذنب، حتى يريد الحل من هذا. وانظر إلى قصة تلك المرأة الغامدية التي جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما رجمت، قال الرجل: أخزاها الله. قال: «إنها تابت توبة لو تابت لو تاب أهل المدينة لكفتهم». كما قال عليه الصلاة والسلام. فلهذا كان الصحابة رضي الله عنهم، لحياة قلوبهم، كان إذا عملوا ذنبا تعظموا هذا الذنب. قال: وقد أجمع السائرون إلى الله أن القلوب لا تعطى مناها حتى تصل إلى مولاها، ولا تصل إلى مولاها حتى تكون صحيحة سليمة. أن يأتي إلى الله عز وجل بقلب سليم، كما قال خليل الله إبراهيم: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. ليس فيه مرض. قال: ولا تكون صحيحة سليمة حتى ينقلب داؤها، فيصير نفس دوائها، وهو ترك ذنب. قال: وليس صح لها ذلك إلا بمخالفة هواها، فهواها مرضها، وشفاؤها مخالفته. فلهذا فمخالفة النفس، لأن النفس أمارة بالسوء وتشتهي شهوات وملذات وتشتهي الحرام. الله عز وجل جعل في طريق الجنة هذه المشقات، وجعل في طريق النار السهولة. هذه الشهوات الملذات التي تحبها النفس، وجعل في طريق الجنة المشقة والأشياء التي تكرهها النفس. فلهذا فمن خالف نفسه وخالف هواه فإنه ينجو بحمد الله جل وعلا. قال: فإن استحكم المرض قتل أو كاد. وكما أن من نهى نفسه عن الهوى كانت الجنة مأواه، فكذا يكون قلبه في هذه الدار في جنة عاجلة. من نهى نفسه عن الهوى -أي عن هواها- كانت جزاؤه الجنة مأواه، كما ذكر الله عز وجل في سورة النازعات. قال: فكذا يكون قلبه في هذه الدار في جنة عاجلة، لا يشبه نعيم أهلها نعيما البتة. أن أهل الجنة الذين تركوا وقلوبهم حية، تكون قلوبهم أيضا في جنة، وهم في الدنيا. مهما أصيبوا من المرض، مهما أصيبوا من الفقر، مهما أصيبوا من ترك بعض لذات الدنيا، ما أعطاهم الله عز وجل شيئا منها حكمة منه سبحانه وتعالى، مهما يكون ذلك، إلا تجد أنهم في نعيم، في راحة عظيمة. كما سيذكر المغفور له رحمه الله عن بعض السلف، قال: لا يشبه نعيم أهلها نعيما البتة، بل التفاوت الذي بين النعيمين كالتفاوت الذي بين نعيم الدنيا والآخرة. هذا النعيم نعيما عظيما. قال: وهذا أمر لا يصدق به إلا من باشر قلبه هذا وهذا. أن يعاش طريق الظلمة، طريق المعاصي، ثم يعاش طريق الطاعة وترك المعصية، يجد فرقا عظيما وبونا شاسعا بين هذا وهذا. كما يكون أهل النار وأهل الجنة، كما أيضا فرق بين نعيم الدنيا وبين نعيم الآخرة. وهذا الذي كان على المعاصي وغيرها، تجد أنه وإن تنعم بما في الدنيا، مهما تنوعت عنده الدنيا، فلا يجد تلك اللذة وتلك الراحة التي يجدها ذاك، وإن كان فقيرا معدما. قال: وهذا أمر لا يصدق به إلا من باشر قلبه هذا وهذا. ولا تحسب أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ مقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط، بل في دورهم الثلاثة هم كذلك. إن الأبرار لفي نعيم، حتى في الدنيا كذلك، وفي البرزخ بين الدنيا والآخرة، وكذلك في الآخرة. والفجار والفجار في جحيم، حتى في الدنيا، وإن تنعموا، وإن كانت معهم الأموال والجاه وغيرها. فإن الله عز وجل يقول: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. فقط متاع يتمتعون به، لكن لا يجدون لذة لذة هذا النعيم الذي معهم، وهذه الأموال التي معهم، والتمتع الذي معهم. وإن وجدوا لذة يجدونها قليلة، ثم تذهب عليهم. ولهذا كما قلنا، تجد الفجار والكفار وغيرهم يبحثون عن اللذات، ما يجدون لذة إلا وهم إن هم يكون فيها، حتى صاروا مثل الحيوانات. قال: إن الأبرار قوله جل وعلا: ولا تحسب أن قوله سبحانه جل وعلا: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ مقصور على نعيم الآخرة وجحيمها فقط، بل في دورهم الثلاثة هم كذلك. عن الدار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار. فهؤلاء في نعيم، وهؤلاء في جحيم. وهل النعيم إلا نعيم القلب؟ وهل العذاب إلا عذاب القلب؟ وأي عذاب أشد من الخوف والهم والحزن وضيق الصدر وإعراضه عن الله والدار الآخرة وتعلقه بغير الله وانقطاعه عن الله؟ بكل واد منه شعبة، وكل من تعلق به وأحبه من دون الله فإنه يصومه سوء العذاب. فكل من أحب شيئا غير الله عذب به ثلاث مرات. كل من أحب شيئا غير الله من المحبوبات التي تكون في الدنيا، فإنه يعذب بهذا المحبوب، يصاب بالهم والحزن والضيق بهذا الذي أحبه. قال الإمام ابن القيم: فكل من أحب شيئا غير الله عذب به ثلاث مرات في هذه الدار، فهو يعذب به قبل حصوله حتى يحصل، حتى ما يريد أن يشبع من لذات وغيرها يحصل له هذا. تجد أنه معذب حتى يحصل له، فإذا حصل عذب به حال حصوله، بالخوف من سلبه وفواته والتنغيص والتنكيد عليه. وأن من العذاب في هذه المعارضات، فإذا سلبه اشتد عليه عذابه. أن إذا لم يتحصل على ذلك المطلوب اشتد عليه ذلك الحزن والضيق. قال: فهذه ثلاث أنواع من العذاب في هذه الدار، أن في دار الدنيا فقط. قال: وأما في البرزخ، فعذاب يقارنه ألم الفراق الذي لا يرجع إليه، وألم فوات ما فاته من النعيم العظيم باشتغاله بضده، وألم الحجاب عن الله، وألم الحسرة التي تقطع الأكباد. ولهذا جعل الله عز وجل يوم القيامة يوم الحسرة. قال: فالهم والغم والحسرة والحزن تعمل في نفوسهم نظير ما يعمل الهوان والديدان في أبدانهم، بل عملها في النفوس دائم مستمر حتى يردها الله عز وجل إلى أجسادها، أن تتحسر. لماذا تركت هذه الطريقة الصحيحة؟ لماذا تركت طريقة طاعة؟ تتحسر وتتندم، لكن لا ينفعها، لكن هذا عذابها. قال: فحينئذ ينتقل العذاب إلى نوع هو أدهى وأمر. فأين هذا من نعيم من يرفرف قلبه طربا وفرحا وأنسا بربه، واشتياقا إليه، وارتياحا بحبه، وطمأنينة بذكره؟ حتى يقول بعضهم في حال نزعه: واطرباه. كأنه يجد لذة عظيمة عند موته، حتى قال: واطرباه. كأنه يطرب قلبه أو يطرب قلبه من شدة الفرح بلقاء الله عز وجل. قال: ويقول الآخر: إن كان أهل الجنة في مثل هذا الحال، إنهم لفي عيش طيب. وهذه ذكرها لابن القيم في عدة كتبه على هذا، وعنى لم يذكر من الذي قالها، لكن ذكر أيضا عن شيخ الإسلام أنه يقول مثل هذا. يقول: أنه إذا كان أهل الجنة في مثل هذا الحال، إنهم لفي عيش طيب، على راحة عظيمة. ولا شك أن أهل الجنة نعيمهم أعظم من هذا، أعظم من ما يكون في نفوس أهل الإيمان في الدنيا. ففي الجنة لا شك أنه أعظم. وهذا قاله الشيخ رحمه الله لما دخل السجن، سجن قلعة، فكان يقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا الحال، إنهم لفي عيش طيب. ماذا يريد مني أعدائي؟ فأنا جنتي في صدري. هكذا كان يقول. ذكر الإمام أنه كان يقول هكذا. شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: أنا جنتي في صدري، حبسي خلوة مع الله، وسفري سياحة. وهكذا يريد شيخ الإسلام أن يبين أنه مهما حبسوه فهو مع الله، ما يؤثر فيه حبسه، ولا يؤثر فيه خروجه إلى بلد، لأنه لا يجد النعيم إلا مع الله جل وعلا، والأنس بالله سبحانه وتعالى. قال: ويقول الآخر: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا لذيذ العيش فيها. ذكر هذا عن بشر الحافي ومعروف الكرخي. منهم من يذكره عن بشر، ومنهم من يذكره عن بشر.