من أسباب الوقاية من العين

الخطبة بعنوان من أسباب الوقاية من العين، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 4 ربيع الآخر 1442هـ الموافق 20 نوفمبر 2020م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

التحذير من العين وتأثيرها

النبي صلى الله عليه وسلم حذر من العين وأثرها الشديد، وأمر بالاستعاذة منها. العين قد تسبب الموت أو المرض دون قصد من الشخص الذي يصيب بالعين.

أسباب الوقاية من العين والحسد

يُناقش أسباب الوقاية من العين مثل إخفاء مواضع الجمال وتعويد الأبناء بالتعاويذ الشرعية. بعض الناس قد يُصيبون غيرهم بالعين دون قصد، ويمكن الوقاية منها باتباع الإجراءات الشرعية.

علاج العين بالرقية الشرعية

يشرح كيفية علاج العين بالرقية الشرعية مثل قراءة المعوذتين واستخدام الماء في العلاج. النبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ بالله من أعين الجن وأعين الإنس.

ختام وتأكيد على توحيد الله والصلاة على النبي

يختم بالتسبيح والصلاة على النبي محمد ويؤكد على عظمة الله وتوحيده. يُظهر الأهمية الدينية للصلاة على النبي وآله وصحبه ويبرز السلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، روى الإمام البخاري في صحيحه من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العين حق». وجاء في صحيح الإمام مسلم من حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «العين حق، ولو كان شيءٌ سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوه». وجاء عند ابن عدي من حديث أبي ذر وجابر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العين حق، تدخل الرجل القبر، والإبل القدر». وجاء عند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا عدوى ولا طيرة والعين حق». وجاء عند الحاكم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «العين تستنزل الحالق» أي الجبل. هذه الأحاديث فيها إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بأن العين حق، أي إصابة الإنسان بغيره بالعين أن ذلك حق وواقع وله تأثير، وعلى هذا عامة الأمة كما قال الإمام القرطبي رحمه الله، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، ولم ينكر ذلك إلا طائفة من المبتدعة. أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن العين حق، وأنه لو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين، أي لو قدر أن شيئًا يسبق القدر لكانت العين لقوة تأثيرها وقوة وقوعها، لكن لا شيء يسبق القدر لأن الله عز وجل قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. وهكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن العين قد تقتل الرجل حتى تدخله القبر، أو يصاب بالعين فيموت فيدفن بسبب إصابته بالعين، وهكذا تدخل الإبل القدر، أي يتصاب بالعين فتسقط فينحرها صاحبها ويدخل لحمها القدر، هذا تأكيدًا لقوة التأثير بالعين، بل ربما أسقطت الجبل الصلب كما قال عليه الصلاة والسلام: «العين تستنزل الحالق» أي الجبل. قال إمام المناوي رحمه الله: وذلك أن العين تخرج من عينه حرارة تصيب المعين فتُهلِكُه أو تُفْسِدُه، أي إذا أصاب الإنسان عينًا فإنه قد يمرض ويُصيبه السقم والأوجاع، بل ربما يموت بسبب العين. ولذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بوقوعها وحذَّر منها غاية التحذير، وأمر بالاستعاذة منها كما صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «استعيذوا بالله من العين فإن العين حق». رواه نماجة من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. عباد الله، إن المسلم قد يُصيب أخاه بالعين عن قصد، وقد يكون عن غير قصد، قد يتعمد أن يُصيبه بالعين ولا شك أن ذلك مُحرَّم ولا يجوز لأن ذلك من الأذية من أذية المسلم لأخيه، وذلك مُحرَّم في شريعتنا. وهكذا أيضًا تجد بعض الناس بذلك، أي بأنهم يُصيبون بأعينهم، وإن كان هذا الأمر صادرًا منهم بإرادةٍ ورغبةٍ ومحبةٍ لذلك، فإن ذلك أمرٌ مُحرَّم ويأثمون على ذلك. وقد ذكَر الإمام القرطبي رحمه الله عن الأصمعي أنه قال: كنت أعرف رجلًا عيونًا أن يُصيبُ بالعين حتى مرةً على بقرٍ تُحلب فأعجبه شخبُها أي صوتُ حلبِها، فقال: أيَّتُهنَّ هذه؟ قالوا: تلك، فماتت كلُّها. قال الأصمعي: وقد سمعتُه يقول: إذا رأيتُ شيئًا أعجبني شعرتُ بحرارةٍ تخرُج من عيني. وهكذا ربما يُصيب المسلم أخاه بالعين من غير قصد، قد يُصيب الولد أباه أو الوالد ولده أو الصديق صديقه، قد يُصيبه بالعين من غير أن يقصد ذلك، ربما بكلماتٍ يُخرجُها أو يرى شيئًا يُعجبه. جاء عند الإمام النسائي وغيره من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف رضي الله عنه عن أبيه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «على ما يقتل أحدكم أخاه، ألا برَّكت؟» ثم أمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يغتسل ثم صب عليه من وضوئه، فقام سهل ليس به بأس. انظر عباد الله، أصابه وهو ربما لا يريد ذلك، ولكن بسبب ما رأى مما أعجبه وأخرج تلك الكلمات، فكانت سببًا في إصابته. ولذلك فإن تأثير العين لها أثرٌ عظيم، بل أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن أكثر موت أمته بعد قضاء الله وقدره هو بالعين. ولذلك ينبغي للمسلم أن يتخذ الأسباب التي تقيه من الإصابة بالعين، من تلكم الأسباب أسباب وقاية قبل الإصابة بها، ومنها أسباب يتخذها المسلم بعد الإصابة بالعين. فمن أسباب الوقاية إخفاء مواضع الحسن والجمال التي ربما تكون سببًا في نظر الناظر إليها وإلفات الأعين إليها، فإن ذلك مما تدفع به العين. قال الله جل وعلا مخبرًا عن يعقوب عليه السلام أنه قال: «يا بنية لا تدخلوا من بابٍ واحد وادخلوا من أبوابٍ متفرقة». قال إمام الطبري رحمه الله عند هذه الآية: كانوا رجالًا لهم هيئة وجمال، فخاف أن تصيبهم العين، فأمرهم أن يتفرقوا في الأبواب ولا يدخلوا من بابٍ واحد حتى لا تصيبهم العين. فمن الخطأ ما قد يفعله بعض الناس، لربما يكون عنده ولدًا وسيمًا أو بنتًا حسنًا فيزيِّنها ويزيد في جمالها مما يجعل الأنظار تلتفت إليها، فيكون ذلك سببًا في إصابتها بالعين. وهكذا أيضًا أن يعوذ الأولاد، أن يعوذ الوالدان ولدهما بقوله: «أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطانٍ وهامة ومن كل عينٍ لامة». وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ بهما الحسن والحسين كما جاء في البخاري. ويقول عليه الصلاة والسلام: «كان إبراهيم يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق عليهما السلام». تعوذ أبنائك بهذه التعويذة حتى يكونوا في حفظ الله وفي رعاية الله جل وعلا. تلتجِر وتعتصِم بالله سبحانه وتعالى من شر كل ذي عينٍ لامة، أي تلُمُّ بالإنسان وتصيبُه بسوءٍ وشر، فيكون في حفظ الله سبحانه وتعالى. ومن ذلك أيضًا من أسباب الوقاية أنك إذا رأيت شيئًا أعجبك أن تُبرِّك، تقول: «تبارك الله، الله يُبارك، ما شاء الله لا قوة إلا بالله»، فإن ذلك مما تُدفع به العين. قال عليه الصلاة والسلام في حديث سهل الذي مرَّ ذكره: «ألا برَّكت؟ ألا قلت: الله يُبارك، تبارك الله؟» فإن ذلك تُدفع به العين. وقال عليه الصلاة والسلام كما جاء عند الإمام أحمد من حديث سهلٍ كذلك: «إذا رأى أحدُكم من أخيه أو من نفسه أو من ماله أو ولده ما يُعجبه فليُبرِّك، فإنه لا يظُرُّه». حتى لو كان شيئًا في نفسك أعجبتك سيارتك، أعجبك بيتك، أعجبك أولادك، أعجبك مالك، فبرِّك، لربما تُصيبه بعين وأنت الذي أصبته بعينيك. وهكذا أيضًا قال عليه الصلاة والسلام: «من رأى شيئًا أعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، قال: فإنه لا يضرُّه». رواه ابن السني من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. فإن ذلك مما تُدفع به العين إذا رأيت شيئًا أيها المسلم أعجبك، سواءً في نفسك أو في أهلك أو مالك أو في صديقك أو صاحبك أو في أحدٍ من المسلمين، فبرِّك، قل: «ما شاء الله، الله يُبارِك، تبارك الله»، فإن ذلك تُدفع به العين. عباد الله، إن من أسباب علاج العين إذا أصيب بها الإنسان استخدام الرقية الشرعية بالقرآن وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام. فقد جاء في الصحيحين من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى جاريةً في وجهها سفعة أي سواد في الخدين، فقال: «استرق لها، فإن بها النظرة». قال أهل العلم: أي النظرة من الجن أو النظرة من الإنس. فإن العين كما قال ابن القيم رحمه الله: العين عينان، عين جنية وعين إنسية، فقد يصاب الإنسان بالعين من الإنس، وقد يصاب بالعين من الجن، بل ربما أن الجن قد يدخل في الإنس إذا رأى من الإنس ما يعجبه فيتلبس به. وهكذا أيضًا كان النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله جل وعلا من أعين الجن وأعين الإنس كما جاء عند الترمذي وغيره من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه. قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من أعين الجن ومن أعين الإنس حتى نزلت المعوذتان، فأخذ بهما وترك ما سوى ذلك». وهكذا أيضًا عباد الله، قال عليه الصلاة والسلام كما جاء في صحيح الإمام مسلم: أنه رأى أبناء جعفر رضي الله عنه فيهم ضعف، فقال لها: «مالي أرى أجسام بني أخي ضارعة؟ أتصيبهم الحاجة؟» قالت: «لا يا رسول الله، ولكن تسرع إليهم العين»، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ارقيهم». وجاء في البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر رسول الله أن يسترقى من العين، أي إذا أصيب الإنسان بشيء من ذلك أن يسترقى، أن يطلب الرقية فيرقى له حتى يشفى بإذن الله جل وعلا. وهكذا أيضًا أن يرقى على من أصاب، أن من أصيب بالعين بأن يقال له: «بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك بسم الله أرقيك». هكذا صح عن النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح. لما مرض أو أصيب رقاه جبريل عليه السلام بهذه الرقية، فهذه مما يرقى بها المريض والمصاب بالعين. وهكذا كذلك أن يغسل، أن يغسل له، أن يتوضأ من يظن أنه أصابه بالعين يتوضأ ثم يصب على المريض، فإنه يشفى بإذن الله جل وعلا كما مر معنا في حديث سهل. لما أصيب أمر النبي عليه الصلاة والسلام عامر بن ربيعة أن يغتسل له، جاء في بعض الروايات: أمره أن يغسل وجهه ومرفقيه وركبتيه وداخلة إزاره أي الإزار من داخل، ثم صب عليه، فقام سهل ليس به بأس. فهكذا إذا أصيب الإنسان بالعين فإنه يغتسل له، قال عليه الصلاة والسلام: «وإذا استغسلتم فاغسلوا»، أي إذا طلب منكم الغسل فلا تمتنعوا من ذلك. أسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لكل ما يحب ويرضى، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.