التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 19

الدرس في التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 19، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

خطورة الجهل والظلم وعدم الاهتمام بالعلم والعدل

يشرح العلامة العثيمين رحمه الله خطورة الجهل والظلم عند الإنسان وعدم اهتمامه بالعلم والعدل. ويبين أن عدم العلم مصيبة، والظلم مع العلم مصيبة أعظم.

تشبيه الدنيا بالحلم العابر والظل الزائل

يشبه المؤلف الدنيا بحلم يراه النائم ويزول بسرعة، كما يشبهها بالظل الذي يزول عند الزوال. هذه التشبيهات توضح زوال الدنيا وسرعة انتهائها.

تتمة الكلام عن زوال الدنيا وسرعة انتهائها

يتم تشبيه الدنيا بالمزنة التي تظلل الإنسان في الصحراء ثم ترحل وتتركه للحر، وبشجرة يستظل بها ثم يذهب ظلها. يضرب المقطع مثلًا لحال الإنسان في الدنيا، حيث يستمتع بها لفترة ثم يرحل عنها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام القيم رحمه الله في قصيدته الميمية: إذا كان هذا نصح عبد لنفسه، فمن ذا الذي منه الهدى يتعلم؟ قال العلامة العثيمين رحمه الله: والجواب على هذا أنه لا أحد، لأنه إذا كان هذا هو النصح، فلا أحد يتعلم من أحد، يعني إذا كان من قد غلب على نفسه الجهل والظلم، فصار يتبع الظلم ويفعله، ويرضى بالجهل ويترك العلم، فكيف يكون حال من كان كذلك ناصحا لغيره إذا كان هذا هو حاله مع نفسه؟ ثم قال رحمه الله: في مثل هذا الحال قد قال من مضى: ﴿وَأَحْسَنَ فِي مَا قَالَهُ الْمُتَكَلِّمُونَ فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ وَإِنْ كُنْتَ تَدْرِي فَالْمُصِيبَةُ أَعْظَمُهَا﴾. قال رحمه الله: قوله ﴿فَإِنْ كُنْتَ لَا تَدْرِي فَتِلْكَ مُصِيبَةٌ﴾، كون الإنسان لا يعلم الشيء ولا يعرفه. وقوله ﴿إِنْ كُنْتَ تَدْرِي فَالْمُصِيبَةُ أَعْظَمُ﴾ يعني مصيبة الظلم. وهذا البيت حكمة من الحكم، وهو يقال في كل شيء، فأنت أحيانا قد تلوم شخصا على مسألة ما، فيقول لك: والله ما كنت أدري، فحينئذ تقول له: إن كنت لا تدري فتلك مصيبة، وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم. والإمام القيم رحمه الله أتى بها في هذا الموضع ليبين خطورة ما عليه العبد الذي هو على مثل هذا الحال، واقع في الظلم، تاركا للعدل، وراض بالجهل، وتاركا للعلم، وهو مستمر على مثل هذا الحال. فإن كان لا يدري أنه على جهل وظلم، وبعد عن الحق والهدى، وعلى خطأ في الطريق والسلوك، فهذه مصيبة، وإن كان يدري أنه على خطأ وعلى جهل وعلى ظلم، على بعد عن الصراط المستقيم، فهذه مصيبة أعظم. ثم قال رحمه الله: ﴿وَلَوْ تُبْصِرُ الدُّنْيَا وَرَاءَ سُتُورِهَا رَأَيْتَ خَيَالًا فِي مَنَامٍ سَيُصْرَمُ﴾. قال العلامة العثيمين رحمه الله: الله أكبر، فهذه حال الدنيا، وقد شبه المؤلف رحمه الله بعدة أمثلة. وهذه من أحسن الأبيات لسيارة غرها المؤلف رحمه الله في ذكر حقيقة الدنيا. قال: كحلم بطيف زار في النوم وانقضى، وانقضى المنام، وراح الطيف والصب مغرم. وقوله قبل ذلك: ﴿وَلَوْ تُبْصِرُ الدُّنْيَا وَرَاءَ سُتُورِهَا﴾، رأيت خيالا في منام سيُصرَم، يعني لو أنك نظرت إلى الدنيا بحقيقة النظر والاعتبار، وسرعة زوالها وانتهائها وذهابها، فهي كخيال يراه النائم في نومه، سرعان ما يُصرم، أن ينقطع وينتهي ويزول. وهكذا حال الدنيا التي ينظر إليها الناظر نظر إعجاب، ونظر رغبة ومحبة وتعلق، وما هو إلا أيام وينتهي هذا الأمر، ويفارق العبد هذه الدنيا، فيعلم أنه كان في أحلام وأماني قد انتهت وزالت. قال: كحلم بطيف زار في النوم وانقضى المنام، وراح الطيف والصب مغرم. قال رحمه الله: قوله الطيف هو ما يطوف بالإنسان في النوم مما يحبه من إنسان أو حيوان أو غيرهما. ويريد المؤلف رحمه الله في هذا البيت أن يشبه حال الدنيا بإنسان رأى في منامه شيئا أحبه، أيًا كان هذا الشيء، بشرا كان أو غيره، شيء أحبه وتعلق قلبه به. ثم انقضى عنه هذا النوم، ولكنه انقضى وقلبه متعلق بما رأى، فآل له الحصول على ذلك، كيف يتحسر على هذا الأمر الذي رآه وتعلق قلبه به وحبه وراد نيله، وقد انقضى وزال وانتهى؟ وهذا وحال الدنيا. قالوا: هكذا الدنيا كأنها أحلام نائم، كأنها أحلام نائم. وكما قال الإمام الحسن البصري رحمه الله: «ما فات من الدنيا أحلام، وما بقي منها أماني». ما فات من الدنيا أحلام أحلام انتهت ومضت لا تعود، وما بقي منها أماني يتمنى الإنسان ويريد، وكذلك يعني يتمنى أن يحصل على كذا، وأن يفعل كذا، وأن ينال كذا، أماني ربما تنتهي وتزول بزوال العبد من هذه الحياة. قال: وإن لو تدبرت الأمر وتذكرت لما كنت صغيرا، يعني فيما مضى من حياتك في هذه الدنيا. قال: تلعب مع زملائك في السوق وتفرح وتمرح، ولما كنت مع أهلك الذين كانوا عندك في البيت، أمك وأبيك وأختك وأخيك وولدك وزوجك، كيف كانوا كلهم معك على ظهر الدنيا، ثم ذهبوا وزالوا وراحوا عن الدنيا، وما بقي لهم إلا الجزاء فقط. وكأنهم لم يكونوا على هذه الدنيا، كأنهم ما عاشوا على ظهرها. أو تذكرت الآباء والأجداد والإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات، وكل من كان معك على ظهر هذه الحياة، أين هم الآن؟ قد ذهبوا وانتقلوا من هذه الدنيا، كأنهم لم يوجدوا فيها. وهذا سيكون حالك، وسيكون مآلك، فالتتعظ وتعتبر بذلك. قال: فلتتبرت هذا الأمر، فستجد أن ذلك كل حلم الذي راح، وكأنه لم يكن، أو كالحلم الذي رأيته البارحة، أو في أقرب نومة نمتها وذهبت. فاعتبر هذا المستقبل الذي تراه أمامك، وكأنه آلاف السنين، بهذا الماضي، لأنه سوف يزول كما زال ما مضى. قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾، يعني كل ما لبثوه من السنين في هذه الدنيا صارت كعشية، صارت كيوم من الصباح إلى آخر النهار، أو ضحاها أقل من ذلك إلى وقت الضحى. قال: وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾، فهكذا الدنيا كأنها ساعة من نهار. قال: وأنت الآن مخبر تتحدث عن غيرك، وتقول: كأن فلان وصحبت فلانا، وزارني فلان وزرت فلانا، فتخبر عما مضى. وغدا ستكون خبرا يتحدث عنك، ويقال: زرنا فلانا، وزارنا فلان، وجلسنا مع فلان، وجلس معنا، وهو الآن في قبره مرتهن بعمله. وهكذا الأيام دول. قال رحمه الله: ﴿وَظِلِّ أَرْدَهِ الشَّمْسِ عِنْدَ طُلُوعِهَا سَيَقْلِصُ فِي وَقْتِ الزَّوَالِ وَيُفْصَمُ﴾، يعني رحمه الله أن الدنيا أيضا كظل طيب بارد لذيذ، تريه الشمس الرائي إذا طلعت، فيمكث عنده، ثم عند الزوال يضمحل هذا الظل ويزول. فهكذا الدنيا أيضا تزول كما يزول هذا الظل، فشبه الدنيا رحمه الله بالظل الذي يصدل به الإنسان ويستريح ويتلذذ بذلك، لكن سرعان ما تطلع الشمس إلى وسط السماء وإلى جهة، وتميل جهة الغروب، عند أن تصل إلى وقت الزوال، فيذهب هذا الظل وينتهي ويزول. وهكذا الدنيا، وهكذا الدنيا تزول وتنتهي. ثم قال رحمه الله: ﴿وَمُزْنَةٍ صَيْفٍ طَابَ مِنْهَا مَقِيلُهَا فَوَلَّتْ سَرِيعًا وَالْحَرُورُ تُضْرِمُ﴾، أي وكأن الدنيا مثل إنسان في فلاة، أي في أرض الصحراء، وهو في صيف شديد الحر، فأظله الله بمزنة، أي بقطعة من الغمام بيضاء باردة، ساعة من الزمن، ثم راحت عنه لأنها تمشي ولا تستقر. فبقي عنده الحرور، يعني شدة الحر، يتضرم فيه. فهكذا الدنيا أيضا، وقد شبهها الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك بأنها مثل إنسان قال: في ظل دوحة، قال: يعني من قيلولة، وهو النوم في وقت الظهيرة، قبل الظهر أو بعد الظهر، في ظل دوحة، والدوحة هي الشجرة العظيمة. حتى إذا كان آخر النهار وبرد الجو، قام وتركها. وهكذا حال الإنسان في الدنيا، فإنه يستضل بظلها، ويتمتع بنعيمها، ويعيش فيها، لكن سرعان ما ينتقل منها، وتذهب هذه الدنيا وتزول وتنتهي. طيب، نقف هنا إن شاء الله. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.