الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 24، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوم القيامة يحمل ميزانًا له كفتان توزن فيه الأعمال والصحائف والعامل نفسه، حيث يثبت أهل السنة وجود هذا الميزان لإقامة العدل.
جاءت النصوص الشرعية بوزن الأعمال والصحائف والعامل، وتدل على أن الميزان خاص بأهل الإسلام، بينما ينكر المعتزلة وجوده، ويستدل أهل السنة بحديث البطاقة.
الأعمال الصالحة والسيئة توزن، والعامل نفسه له وزن، وقد اختلف العلماء في كيفية الوزن وعدد الموازين، ولكن الله تعالى أعلم بتفاصيل هذا الأمر.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. بعد، فذكرنا في الدرس الذي مضى بعض مسائل الصراط، الصراط الحسي الذي يكون يوم قيامة، وهناك الصراط المعنوي، وهو الكتاب والسنة، واتباع الكتاب والسنة هو صراط معنوي. فمن مشى على الصراط المعنوي فإنه يسلك ذلك الصراط الحسي، بما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قاله المقام الهائل من الصراط والميزان، لما ذكر أهوال يوم القيامة وما يحصل يوم القيامة، ذكر الصراط، وذكر قبله الزلازل والمحن، وذكر أنه يكون يوم القيامة المقام الهائل، وهو لهوال من الصراط والميزان. ذكرنا في الدرس الماضي الصراط، وعما الميزان. فالميزان يثبتها للسنة والجماعة، أنه لله عز وجل ميزان له كفتان، وقد جاء ذلك صريحا في حديث البطاقة، حديث عبد الله بن عمر الذي أخرجه أحمد والترمذي، أنه ينشر لرجل من أمتي، قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل من أمتي ينشر له تسعة وتسعون سجلا كلها في خطايا، التي عملها، ثم يقال له: هل ظلمناك في شيء؟ فيقول: لا يا رب، أنا هذه الأفعال كلها فعلتها، وهذه الذنوب كلها فعلتها. فيقول: بلى، إن لك عندنا حسن، إن لك عندنا حسن. فيعطى بطاقة مكتوب فيها: لا إله إلا الله. فيقول: ما تزن هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: فتوضع البطاقة في كفة، والسجلات في كفة، فتطيش كفة السجلات، ولا شيء يثقل اسم الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. معنى أن البطاقة أثقل من السجلات. فهذا الحديث يدل على أن هناك ميزانا له كفتان، لأنه قال: توضع البطاقة في كفة، والسجلات في كفة. فلهذا أثبت أهل السنة ميزانا يوم القيامة يجعله الله عز وجل ليقيم به العدل. وأما المعتزلة وغيرهم من أهل البدع أنكروا أن يكون لله ميزان، قالوا: لأن المراد بالميزان في النصوص العدل. فقالوا: أن المراد بالميزان في النصوص هو العدل. وهذا كلام باطل. وقالوا: أن الميزان لا يحتاج إليه إلا البقال. هكذا يقولون استهزاء. فلهذا الله عز وجل أراد أن يثبت عدله سبحانه وتعالى، وأن يري الناس عدله جل وعلا. وقد جاءت النصوص في الآيات والأحاديث بوزن الأعمال، وكذلك بوزن العامل، وبوزن الصحائف. معنى أن هذا كله يوزن، توزن الصحائف كما جاء في هذا الحديث، وتوزن الأعمال، الأعمال أيضا توزن، كما قال الله عز وجل: ﴿فَمَن ثَقُلَت مَوازينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ المُفلِحونَ وَمَن خَفَّت مَوازينُهُ فَأُولئِكَ الَّذينَ خَسِروا أَنفُسَهُم في جَهَنَّمَ خالِدونَ﴾، وقال: ﴿فَمَن ثَقُلَت مَوازينُهُ فَهُوَ في عيشَةٍ راضِيَةٍ وَمَن خَفَّت مَوازينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾. فهذا يدل على أن الله عز وجل يوزن هذه الأعمال، الصحائف، الأعمال التي توزن، فهناك الأعمال تثقل وتخف. وهذا ليس للكافر، لأن الكافر ليست له حسنات، الكافر ليست له حسنات حتى تثقل أو تخف، وإنما هذا في أهل الإسلام، فلهذا فتوزن أعمالهم. بل إنه حتى العامل يوزن، جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «يؤتى يوم القيامة بالرجل الكافر فيوضع في الميزان، فلا يزن جناح بعوضة». فلا يزن عند الله جناح بعوضة. قال: «قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن شئتم فاقرءوا: ﴿فَلا نُقيمُ لَهُم يَومَ القِيامَةِ وَزنًا﴾». فالكافر لا وزن له عند الله، ليس له وزن. فيوضع هذا الكافر لا يزن شيئا، معنى مثل الريشة، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فلا يزن جناح بعوضة»، أن لو وضعت جناح بعوضة كانت أدخل منه. فمعنى ذلك أنه لا وزن له، «فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا». أيضا مما يدل على أن العامل يوزن، ما جاء عند أحمد أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أراد سواكا، فأردت أن أقتني سواكا، فصعدت إلى شجرة، أن هذه الأشجار بعضها تكون طويلة، مثل هذه الأشجار مثل النخل وغيرها، فيصعد الإنسان إليها. فقال: فأردت أن أقتني أراكا، فصعدت فضحك، معنى ضحك الذين كانوا هناك ضحكوا على دقة ساقي عبد الله بن مسعود. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أتضحكون من دقة ساقيه؟ فوالذي نفسي بيده، لساقاه أثقل من أحد في الميزان يوم القيامة». فدل ذلك على أن العامل أيضا يوزن. ولهذا ذكر الحافظ ابن حجر، وكذلك الإمام ابن القيم، وكذلك الحافظ ابن كثير، وغير هؤلاء، إما ذكر الجمع بين هذه النصوص، أن يقال: أنها توزن الأعمال والصحائف، وكذلك العامل نفسه، كل ذلك يوزن. لكن هل هناك موازين متعددة أم ميزان واحد؟ الذي جاء أنه ميزان. وأما قول الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَت مَوازينُهُ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿وَنَضعُ المَوازينَ القِسطَ لِيَومِ القِيامَةِ﴾، فذكر بعضهم أنه ليست موازين هنا، ليست جمع ميزان، وإنما جمع موزون، أي أنها الأعمال. ونضع الموازين القسط، أي نضع الأعمال التي توزن فنوزنها. فظاهر أنه ميزان، لكن لم يأت في النصوص أنه أكثر من ميزان، والله أعلم. لكن المهم أن هناك ميزان يوم القيامة توزن فيه الأعمال والصحائف، وأيضا كذلك العامل أيضا يوزن. فهذا ما يذكر في هذا الباب، ونكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.