التعليق على مذكرة أصول الفقه 8

الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 8، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في مفهوم التكليف وعلاقة الأمر بالنهي

يناقش مفهوم التكليف وعلاقة الأمر بالنهي، ويشرح أن الأمر بالشيء نهي عن ضده مع توضيح الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية. كما يتطرق إلى شروط التكليف وارتباطها بالمكلف والفعل المكلف به.

شروط التكليف وحدود مسؤولية المكلف

يتناول شروط التكليف مثل العقل والتمييز، وحدود مسؤولية المكلف مثل حالة النائم والناسي والصبي والمجنون، مع استعراض آراء العلماء حول تكليف هؤلاء الأفراد.

أحكام العبادات والمعاملات في حالات خاصة

يناقش أحكام الصلاة والصيام والطلاق بالنسبة للسكران والنائم والناسي، مع استعراض آراء العلماء في هذه المسائل وتوضيح أحكام كل حالة.

حكم الصلاة في حالة السكر وتطبيقاته

يتناول حكم صلاة الشخص السكران، حيث تعتبر باطلة بالنص والإجماع لأنه يفقد عقله، مثل الصبي والمجنون، وبالتالي لا يعتبر مكلفا.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أجل الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله والصحب أجمعين. قال المؤلف رحمه الله: فصل. قال المؤلف رحمه الله: الأمر بالشيء نهي عن ضده من حيث المعنى. قد قررنا صح ومقرناه. قال: قولهم هنا ولا تشترطوا إرادة الآمر في هذا المبحث غلط؛ لأن المراد بعدم اشتراط الإرادة في الأمر إرادة الآمر وقوع المأمور به. أما إرادته لنفس اقتضاء الطلب المعبر عنه بالأمر فلابد منها على كل حال. يعني قولهم في أن لا تشترط إرادة الآمر وقوع المأمور به، يعني مقصودهم قد يقع من غير أمره. والذي أوقعهم في هذا هو أنهم لم يفرقوا بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية. لم يفرقوا بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية. والإرادة الشرعية يشترط لها إرادة الآمر، أما الإرادة الكونية فلا. يعني قد يقع شيء كونا والله عز وجل لم يأمر به، لا يأمر به ككفر الكافر. أراده الله كونا ولم يريده شرعا. أراده كونا ولم يريده شرعا. لم يأمر الله سبحانه وتعالى بذلك، بل نهى عن ذلك. وقال: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ لكن أراده كونا. أراده كونا. بخلاف الأمور الشرعية التي يحبها الله ويرضاها، فهذه مستلزمة للأمر. فهذه يريدها الله سبحانه وتعالى شرعا، لكن قد تقع وقد لا تقع. كالإيمان وكفر أبي لهب، يريده الله شرعا ولم يريده كونا، ولهذا لم يقع. لكنه مما يأمر الله سبحانه وتعالى به. فقولهم بعدم اشتراط الإرادة في الأمر إرادة الأمر وقوع المأمور به، هذا أوقعهم في ذلك عدم التفريق بين الإرادتين. طيب. قال: أما إرادته لنفس اقتضاء الطلب المعبر عنه بالأمر فلابد منها على كل حال. قال: ومحل النزاع هنا. ومن المسائل التي تنبني على الاختلاف في هذه المسألة قول الرجل لامرأته: إن خالفت نهيي فأنت طالق. إن خالفت نهيي فأنت طالق. ثم قال: قومي. فقعدت. فعلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، يعني هو عين النهي عن ضده. فقوله: قومي، هو عين النهي عن القعود. فيكون قعودها مخالفة لنهيه المعبر عنه بصيغة الأمر، فتطلق. أو لا فرق بين الأمر والنهي، والأمر بالشيء عين النهي عن ضده. إذن قوله: قومي، هو عين ماذا؟ هو عين لا تجلسي. فعلى هذا تطلق. وعلى أنه مستلزم له على القول الصحيح، فيتفرع على الخلاف المشهور في لازم القول: هل هو قول أولا؟ ذكر شيخ الإسلام رحمه الله -كما في الفتاوى- أن لللازم أربع أحوال. أن لللازم أربع أحوال. الحالة الأولى: أن يلتزم الملزم باللازم، فيلزمه. أن يلتزم الملزم باللازم، فيلزمه. كالرافضة مثلا، يقال لهم: إن كفرتم الصحابة، يلزم من ذلك الطعن في الشريعة؛ لأن شريعة جاءت من جهة الصحابة رضي الله تعالى عليهم. فيلزم من تكفيرهم الطعن في الشريعة. طيب. فإن التزموا بذلك كفروا، وإن لم يلتزموا لم يلزموا. على أن هذا يعني لازم لا ينفكون عنه. هذا لازم لا فكاك لهم منه إلا أن يرجعوا ويتركوا هذا القول الفاسد. قال: الحالة الثانية: أن يبطل الملزم اللازم بأدلة صحيحة، فلا يلزمه. يعني يقال له: يلزم من قولك كذا. فيأتي بأدلة صحيحة؛ لأن هذا لا يلزمه، فلا يلزمه. الحالة الثالثة: أن يتبين للملزم خطأ قوله، أو أن يتبنى الملزم خطأ قوله، وما يرد عليه من إلزامات، فيتراجع عن خطأه، فلا يلزمه. قال: يلزم من قولك هذا -يعني مثل ما كان في مثال الرافضة- يلزم من قولك أو تكفيرك للصحابة الطعن في الشريعة؛ لأن الشريعة جاءت من جهة الصحابة. فالطعن فيهم طعن في الشريعة. فيقول: إن لزم هذا قولي، فأنا أتراجع عن هذا القول. فإذا تراجع لم يلزمه هذا اللازم. الحالة الرابعة: ألا يبلغه اللازم. ألا يبلغه اللازم. فلا نقول: يلزمه ولا يلزمه. ولا يلزمه حتى يبلغه. حتى يبلغه ويعرض عليه. طيب. هذه أربعة أحوال في لازم القول. وقال شيخ الإسلام رحمه الله: إن القول أو قول من قال: إن لازم المذهب مذهب -لكفر كل من قال بأن الصفات مجاز- لكفر كل من قال بأن الصفات مجاز. قال: وعلى أنه ليس عين النهي عن الضد، ولا مستلزما له، فإنها لا تطلق. وهذا قول المعتزلة. كم مرة معنا في الدرس الماضي؟ قال: ومن المسائل المبنية عليها أيضا ما لو سرق المصلي في صلاته، أو لبس حريرا، أو نظر محرما. فعلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فيكون الأمر بالصلاة هو عين النهي عن السرقة مثلا، فتبطل الصلاة بناء على أن النهي يستلزم الفساد. فعين السرقة منهي عنها في الصلاة بنفس الأمر بالصلاة. فعلى أن النهي يقتضي الفساد، فالصلاة باطلة. وسيأتي لهذا زيادة إيضاح إن شاء الله تعالى. وخلاف العلماء في مثل هذه الفروع مشهور. قال: تنبيه. تكلم المؤلف رحمه الله على الأمر بالشيء الذي له ضد، ولم يذكر حكم الشيء الذي له أضداد متعددة، وحكمها واحد. فالأمر بالشيء نهي عن الضد الواحد أو مستلزم له إلى آخره. ونهي عن جميع الأضداد المتعددة أو مستلزم لها إلى آخره. مثال الواحد: ضد السكون وهو الحركة، يعني ضد السكون الحركة شيء واحد. فالأمر بالسكون يستلزم النهي عن الحركة؛ لأنه له ضد واحد. والأمر بالحركة يستلزم النهي عن السكون. ومثال المتعددة: أن ينهى عن القيام، فضده القعود والاضطجاع. أن ينهى عن القيام، يعني إذا قال: لا تقم. هل يلزم من هذا أن يتجيع أو يلزم منه أن يجلس؟ الجواب: لا نقول: يلزم أحد هذه الأضداد. إن شاء جلس، وإن شاء اضطجع؛ لأن له أضداد متعددة. طيب. فالأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده إذا كان له ضد واحد، ويستلزم النهي عن أحد أضداده إذا كان له أضداد متعددة. هذا معنى كلامه رحمه الله. قال: فصل. قال المؤلف رحمه الله: التكليف لغة إلزام ما فيه كلفة، أي مشقة. قالت الخنساء: يكلفه القوم ما نابهم وإن كان أصغرهم مولدا. يكلفه القوم بمعنى يلزمونه بالقيام بما نابهم من أمور. قال: فقد عرفنا التكليف لغة. أو عرفنا التكليف لغة والصلاح فيما تقدم. وقفنا على التكليف لغة. وقوله: وهو في الشريعة الخطاب بأمر أو نهي. قد بينا فيما تقدم. بينا فيما تقدم وجه إدخال الجائز في أقسام التكليف، مع أنه ليس مكلفا به فعلا ولا تركا. قال المؤلف رحمه الله: ولو شروط يعني التكليف، بعضها يرجع إلى المكلف، وبعضها يرجع إلى نفس الفعل المكلف به. إلى آخره. أما شروط التكليف. أما شروط التكليف الراجعة إلى المكلف، فذكر منها العقل والبلوغ، وعدم النسيان، وعدم النوم. فجعل السكران الذي لا يعقل غير مكلف. ولم يجعل عدم الإكراه شرطا، فالمكره عنده مكلف. وذكر الخلاف في اشتراط عدم الكفر بالنسبة إلى فروع الإسلام. ولذا ذكر أن الكفار اختلف في خطابهم بفروع الإسلام. وذكر ثلاثة شروط راجعة إلى نفس الفعل المكلف به، وهي: الأول علم المكلف المأمور به. فلا يصح تكليفه بما لا يعلمه. لابد من العلم والفهم أيضا. فهم التكليف -كما قال الشوكاني رحمه الله-. الثاني: كون الفعل المأمور به معدوما؛ لأن التكليف بتحصيل الموجود تحصيل حاصل، وهو محال. الفعل الذي يكلف بإيجاده يكون غير موجود. فإذا كان موجودا، هذا تحصيل حاصل. يسأل له ماذا اعتبار؟ قال: الثالث: كونه ممكنا. فليصح التكليف بالمحال. قال: هذا حاصل ما ذكره من شروط التكليف. ودونك تحقيق المقام في الشروط المذكورة. هذا كلام الشنقيطي رحمه الله. قال: أما اشتراط العقل في التكليف، فلا خلاف فيه بين العلماء؛ إذ لا معنى لتكليف من لا يفهم الخطاب. لا معنى لتكليف من لا يفهم الخطاب. المجنون يعني العقل يخرج به المجنون والصبي، وهكذا أيضا كما سيأتي السكران الذي زال عقله. هؤلاء ما يفهمون الخطاب، فكيف يكلفون؟ كيف يكلفون؟ قال: وأما لزوم قيم المتلفات وأروش الجنايات لمن لا عقل له كالصبي الصغير والمجنون، فهو من خطاب الوضع، لا من خطاب التكليف. يعني كانوا يقولون: إذا اعترض معترض فقال: كيف تقولون بأن غير العاقل غير مكلف، ثم تجيبون ماذا؟ الضمان في مال الصبي والمجنون إذا أتلف شيء أو كان عنده مال يبلغ النصاب وحال عليه الحول، تجيبون: الزكاة فيه. هو غير مكلف. فالجواب: أن إيجاب الزكاة في ماله، أو اللزوم بضمان المتلفات، أو كذلك أيضا ما يتعلق بأروش الجنايات، هذا من خطاب الوضع، وليس من خطاب التكليف. وخطاب الوضع لا يشترط فيه التكليف. كخطاب الوضع لا يشترط فيه التكليف. قال: وأما الصبي المميز، فجمهور العلماء على أنه غير مكلف بشيء مطلقا؛ لأن القلم مرفوع عنه حتى يبلغ. لحديث علي وعائشة رضي الله عنهما: «يتوفق القلم عن الثلاثة، وعن الصبي حتى يحتلم». وهو مرفوع عنه القلم حتى يبلغ. قالوا: عن أحمد رواية مرجوحة بتكليف الصبي المميز. الصبي المميز يعني من بلغ سبع سنين فما فوقه. وغالبا يعني يكون سن تمييز في سن السابع. هذا هو الغالب، وهو المعتبر عند أهل العلم. وقد ربما يميز قبل ذلك أو يتأخر تمييزه عن بعد السابع، لكن الغالب أنه في سن السابع. والتمييز -كما قال علماء- يعني يميز بين الأشياء، ويفهم الخطاب، ويرد الجواب. فبهذا يكون مميزا. قال: ومذهب مالك وأصحابه: تكليف الصبي بالمكروه والمندوب فقط، دون الواجب والحرام. يعني فرقوا بين المكروه والمندوب والواجب والحرام. فقالوا: مكلف في المكروه والمندوب. وأما في الواجب والحرام فغير مكلف. قالوا: للإجماع على أنه لا إثم عليه بترك واجب، ولا بارتكاب حرام؛ لرفع القلم عنه. أما المكروه والمندوب، فاستدلوا لتكليف بهما بحديث الخفعمية التي أخذت بضبعي صبي، وقالت: يا رسول الله، ألي هذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجر». والصواب أن هذا الحديث من حديث العباس -في صحيح الإمام مسلم- وليس فيه ذكر الخفعمية. ذكر الخفعمية حديث آخر. وهذا وهم، وتبع فيه صاحب مراقي السعود. وحديث العباس: لما لقي النبي صلى الله عليه وسلم ركبا بالروحاء، فقال: من القوم؟ قال: المسلمون. قال: من أنت؟ قال: رسول الله. فرفعت امرأة صبيا، فقالت: يا رسول الله، لهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجر». قال: وأما النائم والناسي، فاختلف في تكليفهما. فقيل: غير مكلفين -كما درج عليه المؤلف- للإجماع على سقوط الإثم عنهما. يعني إذا حصل منهما شيء من المحظور والحرام، فإنه لا إثم عليهما؛ بسبب أنهما في هذه الحالة غير مكلفين؛ لرفع القلم عنهما -كما في حديث-: «رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل». أما النسيان: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. قال: للإجماع على سقوط الإثم عنهما. ولو كانا مكلفين، كانا آثمين بترك العبادة حتى فات وقتها؛ لأجل النوم والنسيان. يعني لو كانا مكلفين، إذا نام حتى خرج وقت الصلاة، فصار بذلك آثما. لو كان مكلفا. وكذا نسي وقت الصلاة حتى خرج وقتها، لصار بذلك آثما. لكن لم يكن عليهما إثم في مثل هذه الحال. دل على أنهما غير مكلفين. قال: إذا خرج وقتها نعم، يصلي متى ما استيقظ يصلي. آثم لا. إذا كان آثم، معنى أنه مكلف في حال النوم. معنى أنه مكلف، لكن لا. الصواب: غير مكلف. لو كان مكلفا لأثم على نومه عن الصلاة حتى خرج وقتها. طبعا هذا إذا كان غير متفرط. هذا كان غير متفرط. الأمر آخر. قال: وقيل: إنهما مكلفان؛ بدليل الإجماع على وجوب القضاء عليهما؛ إذ لو كانت الصلاة غير واجبة عليهما في وقت النوم أو النسيان، لما وجب قضاؤها عند اليقظة والذكر؛ لأن ما لم يجب لا يجب قضاؤه. هذا قول آخر: أنهما مكلفان؛ بدليل الإجماع على وجوب القضاء على النائم والناسي. وجب عليه قضاؤه. فوجوب القضاء عليه يدل ماذا؟ يدل على أنه مكلف؛ لأنه مكلف. طيب. قال: وجمع بعض محقق الأصوليين من المالكية بين القولين، بأن قال: إن عدم النوم والنسيان شرط في الأداء لا في الوجوب. فالصلاة واجبة عليهما، مع أنهما غير مكلفين بنفس أدائها. يعني أدائها في الوقت؛ لأنهما في هذا الحال حال النوم والنسيان لا يمكنهما الإتيان بهذا الواجب؛ بسبب نوم النائم ونسيان الناسي. لكن هي في ذمته. هي في ذمته. يعني معنى هذا أنها شرط في الأداء لا في الوجوب. يعني أنها شرط في الذمة. هم مكلفون في الذمة. أما بأدائها في وقتها غير مكلفين؛ بسبب وجود هذا العذر. وجود هذا العذر. قال: فالصلاة واجبة عليهما، مع أنهما غير مكلفين بنفس أدائها. فالتمكن من الأداء بعد النوم والنسيان شرط في الأداء فقط لا في الوجوب. التمكن من الأداء بعد النوم والنسيان شرط في الأداء، يعني التمكن من الفعل من فعل الصلاة مثلا بعد النوم أو بعد الذكر، شرط في الأداء. يجب أن يؤديها متى ما ذكر، ومتى ما استيقظ. متى ما استيقظ يأتي بهذا الواجب، أو متى ما ذكر يأتي بهذا الواجب. قال: في الأداء فقط لا في الوجوب. ومرادهم بشرط الإيجاب: أنه شرط في الإيجاب الإعلامي الذي المقصود منه اعتقاد وجوب إيجاد الفعل. الوجوب الإعلامي المقصود منه اعتقاد وجوب إيجاد الفعل، يعني إيجاد هذا الواجب كالصلاة مثلا. يعتقد وجوب أدائها متى ما ذكر أو استيقظ. قال: ومرادهم بشرط الأداء: الإيجاب الإلزامي، يعني الذي هو التمكن من الفعل الذي المقصود منه الامتثال، الذي لا يحصل إلا بالاعتقاد والإيجاد معا. الاعتقاد الذي هو الإيجاد الإعلامي، والإيجاد الإلزامي الذي هو الفعل. قال: وعلم أن ما جزم به المؤلف سيأتي الآن ذكر هذه المسألة: هل صلاتهما قضاء أو أداء في حال النوم والنسيان؟ قال: وعلم أن ما جزم به المؤلف رحمه الله من كون النائم والناسي غير مكلفين يشكل عليه وجوب قضاء الصلاة، والإجماع على أنها قضاء. وقد يجاب عنه بأن القضاء وجب بانعقاد سبب الوجوب، وإن منع من تمامه مانع النوم أو النسيان. والله تعالى أعلم. وأما الإجماع الذي ذكره المؤلف من كونه أجمع لأنها قضاء، فيه نظر. والله أعلم. في المسألة فيها خلاف من العلماء. من يرى أنها أداء. من يرى أنها أداء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها». يعني وقتها بالنسبة لهذا النائم والناسي يكون هذا هو وقتها. قال: «فوقتها حين يذكرها». لا كفرت لها إلا ذلك. ثم ترى طب الله أقيم الصلاة لذكري. قال: وأما السكران الذي لا يعقل، فجزم المؤلف بأنه غير مكلف. نعم. السكران الذي لا يعقل، يعني السكران الطافح الذي زال عقله بسبب السكر، هذا لا تصح صلاته بالنص والإجماع. لا تصح بالنص والإجماع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾. وإذا كان هذا في حكم الصلاة، فكذلك العقود من باب أولى. فجميع العقود مشروطة بوجود التمييز والعقل. مشروطة بوجود التمييز والعقل. ومن لا عقل له ولا تمييز، لا عبرة بقوله. طيب. قال: وبيّن أن لزوم الطلاق للسكران، ولزوم قيم المتلفات للنائم والناسي، أن ذلك من خطاب الوضع. وذلك هو مراده بقوله: من قبيل ربط الأحكام بالأسباب؛ لأن ذلك بعينه من خطاب الوضع. يعني أن الشرع جعل أسبابا، متى ما وجدت وجدت أحكامها. وجدت أحكامها دون النظر إلى الفاعل. يعني مثلا ضمان المتلفات، متى ما أتلف الإنسان شيئا بغير حق، واجب عليه ضمانه. هذا من خطاب الوضع. حصول التلف والتعدي على أموال الغير بإتلافها يجب ضمانها. هذا من خطاب الوضع. سواء كان المتلف مكلفا أو غير مكلف. طيب. إذا قتل أو أخذ مالا أو فعل، فيضمن. فيضمن ما أتلفه. كذلك أيضا يعني وجوب الزكاة في المال، فبلوغ المال النصاب سبب لوجود لوجوب الزكاة، مع اشتراط حولان الحول. فإذا وجد المال الذي في هذا الوصف، وجب فيه الزكاة. دون النظر إلى مالكه. سواء كان ماذا؟ عاقلا أو غير عاقل. هذا خطاب الوضع. قال: وعلم أن العلماء اختلفوا فيما يلزم السكران. ومما قيل في ذلك التفصيل؛ لأن السكر قد يذهب جميع عقله حتى يكون لا يعقل شيئا، وهو المعروف بالسكران الطافح. يعني طفح عليه السكر حتى زال عقله. وقد يذهب بعض عقله ويبقى معه بعضه. فالأظهر في الطافح أنه لا يلزمه شيء من العقود، ولا العتق، ولا الطلاق، ولا الجنايات. واختلفوا في القتل إذا قتل وهو سكران. فالجمهور قالوا: إن قتل يقتل. والظاهرية قالوا: لا يقتل. وقول الجمهور أقرب؛ لأن التساهل في هذا الباب ربما يجعل الشخص يقتل وهو سكران، ثم يدعي عدم العقل. فحفاظا على الأرواح والدماء، يؤخذ بقول الجمهور. قال: إلا ما كان من خطاب الوضع، كغرم قيمة المتلف. غرم يعني ضمان قيمة المتلف. هذا يلزمه. وإن كان سكره طافح. يلزمه أن يضمن ما أتلف. وأما قوله: من حيث أنه لا يؤاخذ بشيء. لا. صحيح. لا طلاق ولا عقود ولا عتق ولا إلى آخره. ورجح هذا من قيل رحمه الله أيضا في كتاب إعلام الموقعين من عدة أوجه على أنه لا يؤاخذ حال سكره. قال: وأما الذي لم يفقد جميع عقله، فهو الذي فيه قول من قال: لا يلزم السكران إقرار عقود، بل ما جنى عتق طلاق وحدود. لا يلزم السكران إقرار عقود، يعني إذا عقد عقدا لا يلزمه ولا يصح. لكن يلزمه ما جنى. يعني ما حصل منه من إتلاف. وهكذا عتق إذا أعتق. أو طلق. وهكذا إذا ما يتعلق بالحدود. هذا في السكران الغير طافح الذي ما زال عقله موجود. لم يفقد عقله. قال: فإن قيل: قد دل القرآن على تكليف السكران في قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾؛ لأن قوله: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ جملة حالية، يعني الحال حال كونكم سكارى. العامل فيها لا تقربوا. وصاحبها الضمير الذي هو الواو. والمعروف في علم العربية أن الحال إن كانت غير مقدرة، فوقتها هو بعينه وقت عاملها. فيلزم من ذلك أن وقت النهي عن قربان الصلاة هو وقت السكر بعينه. ونهي السكران في وقت سكره يدل على أنه مكلف. فالجواب عن هذا الإشكال من الجهتين التي ذكرهما المؤلف. قال: الأولى: أن المراد بالنهي النهي عن شرب الخمر في أول الإسلام قبل تحريمها. قرب أوقات الصلاة، بحيث يغلب على الظن أنها يدخل وقتها وهو سكران. يعني يدخل وقت الصلاة وهو ما زال في السكر. فيكون النهي عن شرب الخمر قرب وقت الصلاة؛ لأن من شرب المسكرة في وقت يظن فيه أو يظن فيه أنه يأتي وقت الصلاة وهو سكران، فكأنه عالم. يظن فيه أنه يأتي وقت الصلاة وهو سكران، فكأنه عالم بأن صلاته تكون في وقت سكر. ودليل هذا الوجه: أن الآية لما نزلت، كانوا لا يشربونها إلا في وقتين: بعد صلاة العشاء وبعد صلاة الصبح؛ لأنه يغلب على الظن أن السكران يصح فيما بين العشاء والصبح. يعني إذا شربها بعد العشاء ما يأتي الصباح إلا وهو صحيح. وإذا شربها بعد الصباح فلا يأتي وقت الظهر إلا وقت صحيح. قال: وفيما بين الصبح والظهر يعني قد يصح فيما بين الصبح والظهر. وأما في غير ذينك الوقتين فلا يشربونها؛ لأن وقت الصلاة في غيرهما يدخل قبل صح سكران. وهو واضح. طيب. الجواب الثاني: أن المراد بالنهي خطاب من وجد مبادئ النشاط والطرب قبل زوال عقله. يعني من شربها ووجد ماذا؟ الطرب ونشاط الخمر قبل أن يذهب عقله. فإنه إن ابتدأ الصلاة في ذلك الوقت قد يتمكن منه السكر في أثنائها. طيب. إذن النهي إما أن يحمل على أنه قبل قرب وقت الصلاة، أو في حال من قد وجد نشوة الشرب في أوائلها. فهذا لا يقرب الصلاة في مثل هذه الحال حتى يذهب ما يجده من نشوة الخمر. طيب. وأما بالنسبة لصلاته مع السكر باطلة -كما ذكرنا- بالنص والإجماع؛ لأنه إذا زال عقله فلا يكون بذلك مكلفا كالصبي والمجنون. إلى هنا صلوا على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.