شرح أصول السنة للإمام أحمد 1

الدرس في شرح أصول السنة للإمام أحمد 1، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

مقدمة درس أصول السنة للإمام أحمد وبيان معنى السنة وأصولها

يستهل الشيخ الدرس ببيان مكانة الإمام أحمد وتلامذته، موضحاً أن أصول السنة تعني التمسك بمنهج الصحابة والاقتداء بهم وترك البدع. ويعرف السنة لغةً واصطلاحاً عند المحدثين والأصوليين بأنها العقيدة ومنهج السلف.

مصادر الاستدلال عند أهل السنة ووجوب اتباع الكتاب والسنة وأقوال الصحابة

يذكر المقطع أن مصادر الاستدلال المعتمدة هي القرآن والسنة الصحيحة وأقوال الصحابة، وينتقد من يدعي اتباع الكتاب والسنة ثم يعرض عن الحديث المخالف لمذهبه. ويستدل بأقوال الأئمة الأربعة التي تأمر بترك أقوالهم عند مخالفة النص، مؤكداً أن سبيل المؤمنين هو سبيل الرسول.

وجوب التمسك بمنهج الصحابة والصبر على جور الأئمة

يؤكد المقطع وجوب اتباع منهج الصحابة والصبر على ظلم الحكام وعدم الخروج عليهم إلا عند كفر بواح مع الاستطاعة. ويحذر من البدع، مشيراً إلى أن النجاة في الفتنة تكون بالتمسك بالسنة وسنة الخلفاء الراشدين.

ختم المجلس وبيان ما سيقرأ غداً من ترك البدع والخصومات

يختصر الشيخ المجلس الحالي ويعلن أن قراءة الغد ستتناول النهي عن البدع وكل بدعة ضلالة، والنهي عن الخصومات والجلوس مع أهل الأهواء، وترك المراء والجدال في الدين.

التفريغ النصي الكامل

الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. فهذا درس خاص: قراءة في أصول السنة للإمام أحمد رحمه الله تعالى وغفر له، وهو من الكتب العظيمة التي تبيّن منهج السلف الصالح وعقيدة أهل السنة والجماعة. أملاها الإمام الجليل، إمام أهل السنة والجماعة، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي رحمه الله تعالى وغفر له. ذكرنا أمس شيئاً من ترجمته، وأنه إمام يقتدى به، ومن منابر الهدى، ومن النجوم في الأمة التي يستضاء بها. فهذه أملاها على تلميذه الإمام عبدوس بن مالك العطار، وكان صاحبه، وكان الإمام أحمد يجله ويعظم احترامه، وكان شديد الأنس به والمحبة له. ولا شك أن الشيخ والعالم حينما يأنس لشخص يعطيه من العلم ما لا يعطي غيره. ولهذا كان عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود من أحب الناس إلى عبد الله بن عباس، فكان من أعلم الناس فائدة منه، فكان من أعلم الناس عن ابن عباس فائدة وتحصيلة. وكان أبو عبد الرحمن الزهري رحمه الله في خلقه شدة، فكان ابن عباس لا ينسله. ولما مات ابن عباس قال أبو عبد الرحمن الزهري رحمه الله - أبو عبد الرحمن الزهري السلمي -: "يا ليتني تلطفت بابن عباس". فلما كان الإمام أحمد رحمه الله يود عبدوس بن مالك، لا نستغرب أن يعطيه مثل هذه العقيدة ويمليها عليه، التي هي عقيدة إذا لقيت الله بها نجوت عند الله عز وجل. هذه عقيدة قائمة على الكتاب والسنة، وعلى ما عليه سلف الأمة. إذا مت وهي في صدرك فأبشر عند الله عز وجل. ذكرنا أمس أن الإمام أبا الحسن علي بن إسماعيل الأشعري توفى سنة 321 للهجرة، لما رجع عن الاعتزال ورجع عن مذهب الكلابية الذي عليه الناس اليوم، نسأل الله العافية والسلام. وقد تاب ورجع عن هذا. لما رجع كان يقتف في مصنفاته، مثل الإبانة، ومثل مقالات الإسلاميين، ومثل كتاب الرسالة إلى أهل الثغر، كان يقول: "وأنا على عقيدة الإمام أحمد بن حنبل"، يعني مثل هذه العقائد السلفية. ولهذا قال الإمام أبو يعلى في طبقات الحنابلة، وقد ذكر ترجمة عبدوس بن مالك: له مسائل... ماذا قال عندنا يا إخوان؟ نسأل: هل ترون معنا أمس؟ قال لأبي يعلى: "ماذا قال عندك يا إخوان؟ سمعت أمس معنا؟ طيب، عندك يا أبا..." قال له: "لعبدوس له مسائل جليلة عن الإمام أحمد، لو لو ذهب الشخص إليها، لو رحل إليها شخص إلى الصين لكان قليلاً ولا كثيراً، تأكد لكان قليلاً". هكذا أبو يعلى: "له مسائل جليلة عن الإمام أحمد"، يقصد هذه المسائل، لو رحل إليها رجل إلى الصين كان قليلاً. هذا لتعظيم شأن العلم. نبدأ اليوم في الأصل الأول: قال حدثني عبدوس بن مالك. تكلمنا أمس عن الإسناد، وأنه صحيح، ولا يضر مسألة أن أبا جعفر محمد بن سليمان المنقر التنيسي لم نجد له توثيقاً، فقد روى عنه عدد من الأئمة، وتلقى الناس عنه هذا الكتاب، فهي نسخة لا يضر هذا. خنافاً لبعض المعاصرين، وذكرت هذا ليعلم هذا. قال عبدوس بن مالك العطار: "سمعت أبا عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني يقول: أصول السنة عندنا". تكلمنا أمس على كلمة "أصول"، وأن الأصل هو جانب الشيء الأقوى. فأصل الشجرة: الجذور، والساق. لأن الأصل ما تفرع عنه غيره. فالجذر تفرع عنه الساق، والجذر قوي. كلما كانت الشجرة يعني جذورها كانت ممتدة في الأرض كانت أمكن، والساق أيضاً فيه قوة. ثم تأتي بعد ذلك الفروع أضعف. هذا معنى الأصل. فهو سيذكر الأصول التي ينبني عليها غيرها. السنة: ما المراد بالسنة في هذا الموضوع؟ السنة تطلق على أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، هذا إطلاق. وصول السنة: السنة تطلق على أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم القولية أو الفعلية، أو ما كان إقراراً من النبي صلى الله عليه وسلم، أو صفة خلقية أو خُلقية. هذا تعريف علم المصطلح: السنة عبارة عن أقوال الرسول، وأفعال الرسول، وتقريرات الرسول. ما أقره الرسول كحديث جابر: "كنا نعزل والقرآن ينزل"، يسمى حديثاً مرفوعاً حكماً. لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع والوعي أقر. فلو كان خطأً أنزل القرآن على نبينا صلى الله عليه وسلم بالتحريم، يسمى إقراراً. أو صفة خلقية: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض مشوباً بحمرة، يضرب شعره على منكبيه، يفتح ثلاثة أزرار، ليس بالطويل البائن. صفة خلقية أو صفة خُلقية. أو أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم: كان خلقه القرآن. هذا يعتبر مرفوعاً. هذه سنة عند المحدثين. النوع الثاني من السنة عند الأصوليين: مقابل الواجب، مقابل الواجب. فيقال: هذا واجب أو فرض، وهذا مسنون أو سنة. الركعتان التي تصلى بعد العشاء: واجب أو سنة؟ سنة. سنة الوتر: سنة مؤكدة. وهكذا. لكن المراد بالسنة ها هنا: أصول السنة. وإذا رأيت في كتب العقائد "السنة عندنا"، المراد العقيدة ومنهج السلف. المراد العقيدة ومنهج السلف. هذا المراد بالسنة: المراد العقيدة ومنهج السلف. قال الإمام أحمد: "أصول السنة عندنا"، يعني العقيدة ومنهج السلف: "التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والاقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة، وترك الخصومات، وترك الجلوس مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين". هكذا بدأ الإمام أحمد رحمه الله وغفر له هذه العقيدة: "أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم". معنى هذه العبارة: أن الأصل عند أهل السنة والجماعة أنهم يتمسكون بالقرآن الكريم، ويتمسكون بما صح عن سيد المرسلين، ولا يخرجون عما كان عليه أصحاب رسول الله. هذا أصل العقيدة السلفية. مصادر الاستدلال عند أهل السنة والجماعة هي هذه التي أحق أن تسمى مصادر استدلال: الكتاب، والسنة الصحيحة، وما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. كم تجد اليوم من الناس من يقول: "نحن على الكتاب والسنة"؟ الكثير يتلفظ بهذه النغض. وربما إذا أتيته بحديث رسول الله المخالف... بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المخالف لرأيه، أو لرأي شيخه، أو لرأي مذهبه، أعرض عنه. امتحان بسيط: كيف تقول أنت على الكتاب والسنة؟ ولهذا الإمام... من اللطائف أن الإمام ابن القيم في كتابه النافع "مدارج السالكين" قال: "ناظرت بعض فقهاء المذاهب، وقلت له: لم لا تأخذ بحديث كذا وكذا في مسألة كذا؟ قال: إنه يخالف المذهب". يعني هذا الحديث يخالف مذهبنا الذي نحن عليه. نحن شافعية أو حنابلة أو حنفية، ما نقول بهذا الحديث. الحديث هذا يخالف المذهب. قال: "فقلت له: أرأيت يا شيخ، لو أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان حياً يخاطبك، وخاطبك بهذا الحديث، أكان لزاما عليك أن تأخذ قوله؟ قال: إي والله". أنتم معي في هذا. معنى هذا: أبا أحمد، أرأيت لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حياً يخاطبك، يعني خاطبك أنت يا فلان، ويعطيك هذا الحديث، أكان لزاما عليك أن تأخذ به؟ قال: بلى. قال: "فما نسخ ذلك بعد موته؟" قال: فوضع إصبعه على فيه، وقال: "ها ها ها". كذا في "مدارج السالكين". وضع إصبعه على فيه وقال: "ها"، يعني اندهش. إذا كان في حياته خاطبك يجب أن تأخذ. طيب، بعد موته ليش ما تأخذ؟ إيش اللي يمنعك؟ لماذا في الحياة قول الرسول حجة، وبعد الموت لا؟ قول الشافعي حجة، قول أحمد حجة، قول أبي حنيفة حجة، قول مالك حجة. هذا خلل. ألا تلاحظون أن هنا خللاً خللاً؟ إذن ما هو كل من يقول: "أنا على الكتاب والسنة" هو فعلاً على الكتاب والسنة. الذي على الكتاب والسنة: حينما تقول له: الله عز وجل قال كذا وكذا، ويفهم أن هذه الآية تخالف ما عليه من الحكم، قال: "سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير". وحينما تقول له: حديث كذا وكذا يخالف ما أنت عليه، يقول: "سمعاً وطاعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم". هذا الاتباع الصادق للنبي صلى الله عليه وسلم. لهذا كم من الناس مخالف ولكن لا يشعر أنه غائب بعيد عن منهج أهل السنة والجماعة. وهكذا الكتاب والسنة معصومان، معصومان. الكتاب والسنة معصومان، وأقوال البشر ليست معصومة. فكيف تأخذ تترك المعصوم لغير المعصوم؟ ولهذا أجمع الأربعة على وجوب اتباع الكتاب والسنة وترك أقوالهم. ولهذا قال الإمام الشافعي: "إذا رأيتم قولي يخالف قول رسول الله فاضربوا بقولي عرض الجدار". من قال هذا؟ الشافعي رحمه الله. "إذا رأيتم قولي يخالف قول رسول الله، اضربوا بقولي عرض الجدار، لا قيمة". والإمام أحمد يقول: "لا تقلدني، ولا تقلد مالكاً، ولا الشافعي، وخذ من حيث أخذت". يعني الأصل الكتاب والسنة. ليس الأصل أن تقول: "الله أحمد قال". لا، الأصل: قال الله، قال رسوله. وهكذا مالك رحمه الله كان يقول رحمه الله وغفر له: "كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب ذاك القبر". وكان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. صاحب ذاك القبر لا يناقش ولا يعترض على قوله، يستسلم لقوله، يخضع لقوله. نترك آراءنا لقوله، أقوالنا نتركها لقوله. هذا هدي السلف. وأبو حنيفة أيضاً نفس الكلام ذكره. فلذلك: التمسك بما كان بالكتاب، تعظيم الكتاب، وأن لا نجعل قول أحد من الناس حاكماً على النص، من سمات أهل السنة والجماعة. قال تعالى في الكتاب... إلى أن قال عز وجل بعد أن ذكر الكتب: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48]. إن أنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب، ومهيمناً عليه. كل الكتب: القرآن صدقها، وهو مهيمن عليها. هذا وحي مع وحي. فكيف بوحي مع آراء؟ ثم قال المصنف رحمه الله: "التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم". من منهج أهل السنة والجماعة: لزوم غرز الصحابة في فتاويهم. لا نخرج عن أقوال الصحابة في مسائلهم، لا نخرج عن أقوال الصحابة في آرائهم، لا نخرج عن أقوال الصحابة. ولهذا قال المحققون: "إذا اختلف الصحابة على قولين لم يجز إحداث قول ثالث". هكذا يقول المحققون من الأصوليين: إذا اختلف الصحابة على قولين، هل يجوز إحداث قول ثالث؟ لا يجوز. بل ما معك إلا أن تقول بهذا القول أو بهذا القول. إذ الحق لا يخرج عنهما. أنتم فهمتم هذا؟ الصحابة اختلفوا في مسألة، قال قائلون بالتحريم، وقال قائلون بالإباحة. أنت تقول: "الله مثلا مكروه"، وتقول كذا. لا، لا يصح هذا. والدليل على التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه هدي أهل السنة والجماعة: قوله تعالى في آية النساء: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: 115]، ثم قال بعدها: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]. ومن يشاقق الرسول: مشاقق، المنازعة والمخالفة لرسول الله، هي القضية الأولى. ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾، ثم قال بعدها: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. إذن هما شيء واحد. ومن يشاقق الرسول، وقال بعدها: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. كل ذلك مشاقق للرسول. فبان بهذا أن سبيل المؤمنين هو سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته، وأن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي سبيل المؤمنين. وأن من خرج عن سبيل المؤمنين فقد شاقق الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو مستحق للوعيد: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. فدل هذا على أن اتباع ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واجب ولازم. اليوم تسأل بعض الناس فيقول: "لا، أنا لا أتبع في كل شيء". وهو صادر مثلاً: الربيع العربي. الربيع العربي يخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر على جور الأئمة. أحاديث كثيرة في هذا الباب فيها وجوب الصبر على الحاكم الباغي الجائر الظالم. ليس معنى هذا أننا ندافع عن ظلمه، ندافع عن بغيه، نبرر له، نعوذ بالله من ذلك. ﴿هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [النساء: 109]. نحن ما نبرر خطأ حاكم ولا محكوم. ولكن الشريعة والسنة جاء بوجوب الصبر على جور الأئمة وطغيانها، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان، وعندكم استطاعة. فهما حالتان: حالة جور ظلم، وحالة استطاعة عند الكفر. وهذه لم توجد إلى الآن. الاستطاعة لم توجد إلى الآن. بل أحوال المسلمين كما ترون: ماذا حصل للمسلمين في سوريا؟ هل استفادوا؟ ما استفادوا. مع أن هذا النصيري لا شك في كفره، ولكن لا توجد استطاعة. إنما هي هلكة محضة. فنسأل الله أن يصلح الأحوال. تقول لهم: هذا يخالف هدي السلف والصحابة، الذين لا يرون الخروج على أئمة الجور والبغي والظلم. ليس تبريراً لظلمهم. أنا أكرر هذا لأن بعض الناس يخلط الحق بالباطل. لا نتكلم على قضية الخروج: ألا مصلحة فيه؟ مصادمة الشعوب والحكام لا فائدة فيه، لا فائدة فيه. واليوم بعض المنظرين فهموا هذا. اليوم بعض دعاة الأمس اليوم يفهمون هذه القضية بعد أن ذاقوا من الويلات ما ذاقوا. فهو باب فتن. فالصحابة كانوا يصبرون، يصبرون. وهذا هدي السلف. هذا هدي السلف. وإذا قلنا السلف، فأولى الناس بأن يكونوا سلفاً هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكل عبادة لم يتعبد بها الصحابة لا نتعبد بها. كل دين لم يكن عند الصحابة ديناً فلا يجوز من بعده من يجعله ديناً، كما قال الإمام مالك: "كل دين لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو بدعة". هكذا ثبت عن الإمام مالك، أو بمعنى: رحمهم. قال: "التمسك". رحمه الله قال رحمه الله: "التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم". ولهذا إذا جاءتك مسألة ولم تجد لها مخرجاً، فابحث عن فقه الصحابة فيها، فإنه المخرج، فإنه المخرج. إذا جاءت نوازل فإنها تقاس على ما عليه الصحابة، تقاس على ما عليه الصحابة. حديث أنس رضي الله عنه في صحيح البخاري: رد به أنه قال: "راوي شكا إلى أنس بن مالك جور الحجاج". الحجاج كان يقتل العلماء، يسجن العلماء، متساهل تساهلاً عظيماً في سفك الدماء. وذهب طائفة من السلف، وعلى رأسهم سعيد بن جبير، وفلان، وفلان، إلى تكفيره. هل عرفنا هذا؟ ومع هذا يسأل أنس رضي الله عنه، فيقال له: "شكونا إلى أنس جور الحجاج". فقال: "اصبروا. سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه. سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم". اصبروا، إنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم. لهذا كان الصحابة يعني يصبرون في مثل هذا الموضع. فالتزم بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعله منهاجاً، هو علامة أهل السنة والجماعة. لهذا يقول: "نحن سلفيون". ما معنى سلفيون؟ أي متمسكون بما عليه السلف، ومنهم السلف الصحابة. إذن ما معنى سلفيون؟ متمسكون بما عليه السلف، ومن السلف الصحابة رضوان الله عليهم. ومن جاء بعدهم يدخل في حكمهم التابعون، لكن الأصل الصحابة. إذن السلف معناها: مسلم على الكتاب والسنة، وعلى منهج الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. رضي الله عنهم وأرضاهم. قال: "التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاقتداء بهم". الاقتداء بمن؟ بالصحابة. فالصحابة قدوة للناس. وفي هذا المعنى حديث في مسند أحمد وغيره، وهو حديث صحيح: "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر". صح هذا الحديث، فأمر بالاقتداء بأبي بكر وعمر. وفي حديث أيضاً في مسند أحمد ومستدرك الحاكم: حديث العرباض بن سارية، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وإنه من يعش منكم...". حديث آخر: "الحديث: وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً". ما هو الحل؟ "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ". هذا مثل إنسان لو في بحر غريق، ما يعرف يسبح، وسقط من السفينة، ولا سقط من الصنبور، ولا سقط في الماء، ومدله إنسان حبل، فهو يتمسك بالحبل. وبعضهم ربما يجعل الحبل بين أنيابه، يجعل الحبل هنا، ويعضوا زيادة، وسحب، ويعضوا. ليش تعضوا؟ ليش تصبر؟ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما يفلد". يعني فهموا: الحبل واليد مع اليد، ويسحب. هكذا يشبه النبي صلى الله عليه وسلم المسلم حال اختلاف الناس والفتن والهيجاء: "وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً". الحل: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ". وإياكم ومحدثات الأمور: الأمور الحادثة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد الصحابة، اجتنبوها. وإياكم: هذه صيغة تحذيرية، صيغة تحذير. ﴿وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ﴾، فإن كل محدثة بدعة في رواية، وكل بدعة ضلالة في رواية. فيها خلاف. وكل ضلالة في النار: فيها خلاف، والراجح ضعفها. فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. فهذا دليل على وجوب التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأخذ الفقه عنهم، والاقتداء بهم في العقائد والأعمال والسلوكيات في أمور الدين. نقتدي، نقتدي بصحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. طيب، طيب. نكتفي بهذا القدر، ونقرأ غداً: "وترك البدع، وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة، وترك الخصومات، وترك الجلوس مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين". فإذا كان لكم شيء... إلا وقفنا ها هنا.