الدرس في شرح الباعث الحثيث 5، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يستعرض المقطع شروط الحديث الصحيح الخمسة المتمثلة في اتصال السند، عدالة الرواة، ضبطهم، عدم الشذوذ، وعدم العلة. ويبين أن الإمام البخاري أول من جمع الصحيح مستوفياً هذه الشروط وتبعه مسلم، مع ترجيح الجمهور لمنهج البخاري في اشتراط السماع المثبت.
يفصل المقطع خلاف الإمامين في شرط اتصال الإسناد، حيث يشترط البخاري تحقق السماع المباشر ولو مرة واحدة، بينما يكتفي مسلم بالمعاصرة والثقة ما لم يثبت التدليس. ويعرف تدليس الراوي بأنه الإيهام بالسماع عمن لم يسمع منه.
يسرد المقطع خلاف بعض العلماء كابن النيسابوري والمغاربة الذين قدموا صحيح مسلم لحسن ترتيبه أو لعدم وقوفهم على صحيح البخاري. ويختم بذكر أوائل من جمعوا الصحيح المجرد وهم البخاري، مسلم، ابن خزيمة، ابن حبان، والحاكم.
يختتم الدرس بالصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه أجمعين. ويذكر اسم المترجمة نانسي قنقر التي قامت بنقل محتوى الدرس.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. كنا قرأنا في أصح الأسانيد، وأن هذا الراجح أنه ينظر إليه بجهتين: إما أن نعتبر الإمام فنقول: أصح الأسانيد عند أحمد وابن معين، أو أن نقول: ونحوهم. أصح أسانيد أبي هريرة، أصح أسانيد ابن عمر، أصح أسانيد ابن عباس، رضي الله عنهم أجمعين. قال رحمه الله: أول من جمع صحاح الحديث. فائدة: أول من اعتنى بجمع الصحيح، يعني الصحيح الذي اجتمع على الشروط الخمسة. وما هي شروط الصحيح الخمسة؟ ما هي شروطه عنده؟ اتصال السند، عدالة الرواة، وضبطهم. هذه ثلاثة. عدم الشذوذ، والعلة. أول من اعتنى بجمع الصحيح، أي الصحيح المتفق عليه أو المجرد عن الضعيف. نحوه: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، رحمه الله، الإمام المشهور من بلاد بخارى، وهي في بلاد طشقند، في بلاد روسيا اليوم. من أين البخاري؟ من بلاد طشقند في روسيا اليوم. وتلاه صاحبه وتلميذه أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري. نيسابور اليوم في بلاد إيران. فمن أين مسلم؟ من بلاد إيران. كلاهما كتب الصحيح: صحيح الإمام البخاري، وصحيح مسلم. كلها أحاديث صحيحة. قال: فهما أصح كتب الحديث، والبخاري أرجح؛ لأنه اشترط في إخراجه الحديث في كتابه هذا أن يكون الراوي قد عاصر شيخه وثبت عنده سماعه منه، ولم يشترط مسلم الثاني، بل اكتفى بمجرد المعاصرة. وهذا الكلام قبل أن نخوض فيه: البخاري رحمه الله، ومسلم، وسائر أهل الحديث يشترطون اتصال السند. اتصال السند وهذا أول شرط من شروط الحديث الصحيح: أن يكون هو الحديث المسند المتصل الإسناد بنقل العدل الضابط. لابد من اتصال الإسناد، لابد من اتصال الإسناد. البخاري رحمه الله يقول: لابد أن يكون الشيخ وتلميذه... أن يكون التلميذ سمع من الشيخ سماعا محققا ولو مرة واحدة. لابد أن يكون التلميذ سمع من الشيخ. فأنا أنظر في هذا الطالب وهذا الشيخ: هل سمع هذا الطالب من هذا الشيخ ولو حديثا واحدا؟ يقول فيه: سمعته. مقصود البخاري تحقيق الاتصال؛ لأن أول شرط من شروط الحديث الصحيح اتصال السند. فيقول: لابد أن أقف ولو مرة على هذا في إسناد من الأسانيد والمرويات. هذا الراوي يقول: حدثني، أو أخبرني، أو أخبرنا، أو سمعته، أو حدثني، أو أنبأنا، أو قال لي. هل عرفنا هذا ولو مرة واحدة؟ كل هذا تحقيقا لشرط الاتصال. الإمام مسلم رحمه الله يرى أن الراوي إذا تعاصر مع الراوي، وكان اللقاء ممكنا، والراوي ثقة معروف بالصدق والديانة والأمانة، فهو ثقة، وليس ممن يدلس. تدليس سيأتي معنا: يعني أن يحدث عن إنسان ولم يسمع منه، فيوهم السامع أنه سمع منه وهو لم يسمع منه. هذا يسمى تدليس، سيأتي معنا. يعني: كلام مسلم رحمه الله: كأن يكون يصليان في مسجد واحد، فيأتي هذا الراوي ويقول عن فلان ابن فلان الذي يصلي معهم في المسجد. الغالب في الناس أن يتكلموا مع بعض، فكونه ثقة وثقة لا يكذب، يقول: فلان قال كذا وكذا. الغالب أنه صادق في كلامه، بل هذا الأصل إلا ما ندّل. لكن البخاري اشترط تحقيق السماع ولو مرة، أن يقول هذا الراوي لهذا الراوي من هذا الراوي: سمعت فلانا، أو حدثنا فلانا. فعلى هذا: مسلم لم يكتفِ بمجرد المعاصرة. هذا قصور في العبارة منهم رحمه الله، قصور في العبارة. قال: بل اكتفى بمجرد المعاصرة. مسلم اشترط شروطا مبناها على تحقق اللقاء وإمكانه إمكانا قويا. ومن هنا ينفصل لك النزاع في ترجيح تصحيح البخاري على مسلم. يعني: عند المحدثين أن ما صححه البخاري أقوى، كما قال -لعله السيوطي- في ألفيته الصغرى: «ما عليه اتفق فما روى الجعفي فردا ينتقى». فمسلم كما سيأتي. قال رحمه الله: ومن هنا ينفصل لك النزاع في ترجيح تصحيح البخاري على مسلم، كما هو قول الجمهور، خلافا لأبي علي النيسابوري شيخ الحاكم، وطائفة من علماء المغرب، فإنهم زعموا أن صحيح مسلم يقدم. وهؤلاء اعتذر لهم العلماء بأعذار، من أهمها: أنهم لم يقفوا على البخاري، ومنها أنهم استفادوا من مسلم في حسن الترتيب. فمسلم يرتب الكتاب ترتيبا حسنا، يذكر الأحاديث كلها في مظنة واحدة، والبخاري يفرق الحديث، فربما ساق حديثا في عشرين موضعا، ومسلم يسوقها في موضع واحد. لهذا يقول بعض الناظمين من أهل اليمن في نظمه: «تشاجر قوم في البخاري ومسلم لدي، وقالوا: أي ذين تقدموا؟ فقلت: لقد فاق البخاري صحة، كما فاق في حسن الصناعة مسلم». نحوه: «مسلم في الألفاظ يتحرى بلفظه، بمعناه، كما فاق في حسن الصناعة مسلم». ثم إن البخاري ومسلم لم يلتزما بإخراج... إلى آخر الكلام. هذه مسائل تابعة لبحث الصحيح. إذن: أول من جمع الصحيح المجرد دون غيره من أنواع الحديث، الصحيح فقط، من ووفى بالشرط. أول من جمع الحديث الصحيح المجرد ووفى بالشرط: من الإمام البخاري، ثم مسلم، ثم يليه ابن خزيمة، ثم ابن حبان، ثم الحاكم. سيأتي الكلام على هذا. فإذا كان لكم شيء، وإلا وقفنا ها هنا. وهذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر