الدرس في شرح قصيدة في أدب الطلب لأبي علي اللؤلؤي 1، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يستهل المقطع بقراءة أبيات من قصيدة أبي علي اللؤلؤي في أدب الطلب، مؤكداً أن العلم لا يُنال إلا بالتعلم والتلقي عن الشيوخ لا بمجرد القراءة. ويشير إلى أن المرء يُعرف بلسانه وقلبه، وأن الحفظ والإتقان والتفهم أساس تحصيل العلم خاصة في أول الطلب.
يؤكد المقطع أن العلم لا يُنال إلا بالتلقي من الشيوخ والمثابرة والدعاء، مستشهداً بأقوال السلف وابن تيمية، وأن الحفظ والإتقان والتفاهم أساس لطالب العلم. كما يستشهد بأبيات للشافعي تذم من لا يحفظ، ويختم بالدعوة للبدء في المنظومة العلمية غداً.
يختتم المتحدث كلامه بالصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، وهي خاتمة معتادة في الدروس والمحاضرات العلمية.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. نود نقرأ في بيتين، نقرة من قصيدة أبي علي اللؤلؤي رحمه الله في أدب الطلب، ثم نختم في دقائق إن شاء الله تعالى. هذه قصيدة لأبي علي اللؤلؤي، وخليفة للمأمون كما يقول ابن عبد البر رحمه الله. يقول ابن عبد البر: "وأحسن ما رأيت في أدب التعلم والتفقه من النظم ما ينسب إلى اللؤلؤي". اللؤلؤي هو الحسن بن زياد، معروف. والمأمون: عبدالله بن هارون الرشيد. نسبت هذه القصيدة إلى اللؤلؤي الفقيه الحنفي المعروف، ونسبت أيضا إلى هارون الرشيد، إلى عبدالله بن هارون الملقب بالمأمون، وكان عالما فصيحا مفوها. يقول: "واعلم بأن العلم بالتعلم، والحفظ والإتقان والتفهم. والعلم قد يرزقه الصغير في سنه، ويحرم الكبير. وإنما المرء بأصغريه، ليس برجليه ولا يديه: لسانه وقلبه المركب في صدره، وذاك خلق عجب". يذكر رحمه الله أن العلم بالتعلم، فمن أراد العلم بغير تعلم لم ينله. وإنما العلم بالتلقي، فكل العلوم تأخذ أخذا بالتلقي. فمن أراد هذه العلوم من غير أن يتلقاها حرمها أو أخطأ فيها. فالعلم بالتعلم، كما أن الحلم بالتحلم. فينبغي لطالب العلم أن يعلم أن القراءة لها فضل، ولكن التلقي والتعلم أفضل، لا سيما في أول الطلب. لا بد من تلقٍّ وأخذ ومثابرة للأشياء في أخذ العلم، وإلا فإن الإنسان يكون كما قيل في مثل "توم الحكيم"، وكما قيل في غير: "يظن الغمر أن الكتبة أهدي، أخاف أهم لإدراك العلوم، ولم يدر الجهول بأن فيها غوامض حيرت عقل الفهيم. إذا رمت العلوم بغير شيخ ضللت عن الصراط المستقيم، وتلتبس العلوم عليك حتى تصير أضل من توم الحكيم". فينبغي الأخذ والتلقي والصبر، فالعلم يحتاج إلى مصابرة، وإلى دعاء لله عز وجل أن يعينه على أن ينال العلم والفهم، ويتضرع إلى الله عز وجل أن يفهمه وأن يعلمه. لهذا كان ابن تيمية، وهو من أذكياء العالم، يقول: "اللهم يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني". فالعلم بالتعلم، بالتعلم، بالتلقي، هذا سبيل العلم، هذا سبيل العلم: التعلم والتلقي. فيأخذ الطالب كتابه، ويحرص على الكتابة، ويحرص على الآخر. قال رحمه الله: "والحفظ والإتقان والتفاهم". كذلك الحفظ، لا بد لطالب العلم من الحفظ، أن يكون ممن يحفظ، وإلا فإنه يفوته من العلم ما فات، كما قال القائل: "ليس بعلم ما حوى القمطر" -أي صندوق الكتب- "ما العلم إلا ما حواه الصدر، فذاك فيه زينة وفخر". وعيب من لا يحفظ العلم: حفظ التعاريف، حفظ المسائل، حفظ القرآن وهذا أولها، حفظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. كلها يسيرة على من طلبها وأرادها، ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر؟ هل من طالب مجتهد حريص متذكر مستبصر فيعان؟ فالله بيده العون والإعانة، وعلى طالب العلم أن يتعرض لفضل الله عز وجل، فإن العلم رزق يحتاج إلى سعي، فمن لا يسعى لا ينال، لا ينال. فلابد من الحفظ. ولهذا يذكر العلماء أبياتا كثيرة في هذا المعنى، في ذم من لا يحفظ، كما قيل: "صاحب العلم تراه أبدا، ليس ذا حفظ ولكن ذا غلط. فإذا سألته عن علمه قال: علمي يا خليلي في سفط، في كراري سجّاد أحكمت، وبخط... أي خط... أي خط. فإذا قلت له: هاتي لنا، حكّ لحييه جميعا تخط، تنسى". من الشافعي رحمه الله. فينبغي الحرص على الحفظ. قال رحمه الله: "والحفظ والإتقان والتفاهم". فيتقن المادة، ولهذا نحن نقرأ، فمن أشكل عليه شيء يسأل. ولا بد من التفاهم أيضا، لا بد من التفاهم: أي فهم المسائل وتصوير المسائل، وفهم ما أخذ، الدليل في المسألة، فهم الصواب فيها. فهذا من الأشياء التي تعين على العلم، والعلم بتوفيق الله عز وجل. من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، يفهم منه. كما يقول العلماء: أن من لم يرد الله به خيرا فإنه يحرم، عياذا بالله. نكتفي بهذا القدر، ونكمل غدا إن شاء الله، البدء بالمنظومة. هذا، وصل الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.