شرح قصيدة في أدب الطلب لأبي علي اللؤلؤي 7

الدرس في شرح قصيدة في أدب الطلب لأبي علي اللؤلؤي 7، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

أدب الصمت والتحذير من العجب بالنفس

يستعرض المقطع فضيلة الصمت وقلة الكلام إلا بخير مستنداً إلى حديث «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت»، مبيناً أن الصمت ستر للعيوب ودليل العقل. كما يحذر من العجب بالرأي والحفظ والفتوى، مستعرضاً هدي السلف في ازدراء أنفسهم وخوفهم من الله كحال بكر بن عبد الله المزني وإبراهيم التيمي.

تحذير من القول المثير للفتن وسفك الدماء

ينبه المؤلف إلى خطورة الكلام المحرض على الفتن وسفك الدماء مستشهداً بحديث الوعيد بلقاء الله بملء كف من دم، ويؤكد أن السلامة في الصمت واجتناب ما يثير الفتنة لتجنب المساءلة يوم القيامة.

الختام والدعاء للعلماء والأمة

يختتم الناظم درسه بالدعاء لنفسه بالرحمة ولعلماء المسلمين بالجزاء الحسن، سائلاً الله الهداية والمغفرة للجميع، ومختتماً بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لازلنا في هذه المنظومة النافعة، يقول الناظم لهذه المنظومة في أدب الطلب: «وَقُلْ إِذَا أَعْيَاكَ ذَاكَ الْأَمْرُ مَا لِي بِمَا تَسْأَلُ عَنْهُ خَبَرٌ، فَذَاكَ شِطْرُ الْعِلْمِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ». كذاك ما زالت تقول الحكمة: «وَالصَّمْتُ فِعْلًا بِكَ حَقًّا أَزْيَنُ، وَالصَّمْتُ فِعْلًا بِكَ حَقًّا أَزْيَنُ، إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَكَ عِلْمٌ مُتْقَنٌ». قلنا: هذا لا يفعله إلا عقلاء الناس الذين لا يبالون بذم الناس أو مدحهم، ويزينون كلامهم. ولهذا مدحت العرب وعقلاؤها الصمت، مدحوا الصمت، وفي الصمت ستر العيوب. وإنما صحيفة لب المرء أن يتكلم. وبالصمت أمر النبي صلى الله عليه وعلا عليه وسلم في مواضعه، فقال صلى الله عليه وعلا عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ». متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه وعلا. «وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»: عندك خير تكلم به، ليس عندك خير في هذا الموضع أو نحو ذلك فاسكت. فهذا الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عقبة بن عامر، أنه جاء للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من نجاه؟ من نجاه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «امْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ». هكذا تكون النجاة. «امْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ» أي بالصمت وقلة الكلام إلا فيما يكون خيرا للإنسان. والصمت فاعلم، والصمت فاعلم بك حقا أزين، إن لم يكن عندك علم متقن. إياك والعجب بفضل رأيك، واحذر جواب القول من خطائك. هذه نصيحة جديدة في اجتناب العجب، والعجب أن يرى الإنسان أن عنده شيئا ليس عند غيره، فهذا هو العجب: أن يرى الإنسان أن عنده شيئا ليس عند غيره. عياذا بالله. فيقال: أعجب برأيه أو فتواه أو بكذا أو بحفظه. فطالب العلم يجتنب هذا الخلق الذميم. العجب، عياذا بالله، أن يكون معجبا، تزين له نفسه أن ما معه خير مما مع غيره، وأفضل مما عند غيره، وأن له ما ليس لغيره، وأن عنده ما ليس عند غيره. هذا خلاف هدي السلف الماضي. من صفات السلف الصالحين ازدراء أنفسهم، ازدراء أنفسهم واحتقارها. كان بعضهم يقول: إذا رأيت من هو أكبر مني قلت: سبقني بطاعة الله، يعني فهو خير، فهو خير مني. وإن رأيت من هو أصغر مني قلت: سبقته بمعصية الله، يعني فهو خير مني. وإن رأيت من هو مثلي قلت: سبقني بكذا وكذا. ففي الحاصل في الجميع يرى أنه ليس من خير الناس، كما يقول الناظم: «يَظُنُّ النَّاسُ بِي خَيْرًا وَإِنِّي لَشَرُّ الْخَلْقِ إِنْ لَمْ تَعْفُ عَنِّي». كانوا يزدرون على أنفسهم، فكيف يعجب الإنسان بهبة وهبها الله إياه من حفظ أو نعمة في فهم أو نحو ذلك من تصنيف أو غير ذلك؟ يعجب بها ويزدري غيره، وربما كان ذلك الغير عند الله عز وجل أرفع قدرا وأعظم منزلة وأعظم منزلة وأصدق نية وأخلص عملا، فيكون عند الله ذا منازل عالية، ويكون صاحب العجب، عياذا بالله، صاحب منازل دانية. ثم هذا شيء وهبك الله، ألا تخشى أن تحرمه إذ تتكبر به وتتخايل به وتعجب به حتى تحتقر الناس أو تزدريهم؟ عياذا بالله. لا شك أن هذا يعني من الأخلاق الذميمة التي حذر منها السلف رضي الله عنهم. إياك والعجب بفضل رأيك. ربما يمن الله عليك بفهم في مسألة، فلا تعجب بها ولا تزدري أفهام الناس، لا تزدري أفهام الناس. فالذي أعطاك قادر على أن يسلبك ما أعطاك وأن يمنحه لغيرك. ولهذا يخاف المؤمن من مثل هذا العقاب، ولا يصدر هذا ممن يعقل. كلما كثر علم الإنسان ازدرى نفسه ورأى أنه ليس بشيء. هذه من صفات أهل العلم الراسخين، من صفات المخلصين، من صفات أهل العبادة والصلاح والتقى: أنهم يزدرون أنفسهم ولا يرونها شيئا، لا يرونها شيئا، لا يرونها شيئا. وقف بكر بن عبد الله المزني، أحد كبار أئمة زمانه، على جبل عرفات، فيسمع بكاء الناس ونشيجهم وتضرعهم ودعاءهم يوم عرفة، يلتفت يمنة ويسرة يرى تلك الأحوال وذلك الإيمان وتلك الدموع السائلة، فيقول: «لَوْلا أَنِّي فِيهِمْ لَقُلْتُ قَدْ غُفِرَ لَهُ». هكذا يقول بكر بن عبد الله المزني رحمه الله: «لَوْلا أَنِّي فِيهِمْ لَقُلْتُ قَدْ غُفِرَ لَهُ». فيظن نفسه مشؤوما لكثرة تقصيره وكثرة ما يراه في نفسه من ذنب، فيرى نفسه لأنه لو لم يكن معهم لكان الله قد غفر له، معناه أنه لا يوجد في هؤلاء أسوأ منهم في نفسه. سبحان الله، هكذا كانوا رحمهم الله، رضي الله عنهم. هذا إبراهيم التيمي رحمه الله، قيل في ترجمة إبراهيم التيمي: لو قيل له تموت الساعة ما استطاع أن يزيد عبادة على عباداته التي يعملها، ما يستطيع أن يزيد شيئا من كثرة استغراق وقته بالعبادة، رحمه الله وغفر له. فقال له بعض الناس مادحا: يا إبراهيم، أنت وأنت، ومن مثلك؟ أي في العبادة من قيام الليل وصيام النهار وكثرة قراءة القرآن وطلب العلم والاستغفار وكثرة النافلة وكثرة الصدقة وكثرة البكاء من خشية الله وأعمال كثير. «مَنْ أَنْتَ أَنْتَ وَمَنْ مِثْلُكَ؟» فرضي الله عنه وارضه. بكى ثم قال لهم: لا تقولوا هذا، لا أدري ما يبدو لي من ربي عز وجل، لا أدري ما يبدو لي من ربي عز وجل. إني سمعت الله عز وجل يقول: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾. انظروا إلى هذه القلوب العامرة بازدراء نفسها، فليس فيها الكبر والعجب والتخايل. هذه صفة الأئمة وطلبة العلم. النافع يقول الناظم رحمه الله: «إِيَّاكَ وَالْعَجَبَ بِفَضْلِ رَأْيِكَ، وَاحْذَرْ جَوَابَ الْقَوْلِ مِنْ خَطَائِكَ». أي احذر أن يدفعك هذا العجب إلى أن تفتي الناس بأمر لأنك ترى أن الأعناق قد شرأبت لك وأن الناس نظرت إليك، فتتخيل في نفسك أنك قد بلغت المنزلة العالية، وإذا بك تخوض في بحار كان حقك أن تقف بساحلها وتعرف أنك ضعيف في السباحة وأن البحر هائج، ولكنك غرك مدح الناس وكلامهم. «وَاحْذَرْ جَوَابَ الْقَوْلِ مِنْ خَطَائِكَ». كم من جواب أعقب الندامة، كم من جواب أعقب الندامة. ذكرنا أمس الكلام ما جرى لكثير من دعاة الفتن، عياذا بالله، الذين أجابوا بجهل وقلة علم وبصيرة في نوازل الأمة. من الناس من كان يصيح في بعض المظاهرات فيقول: ثوروا، ثوروا، ثوروا. هكذا يقول. سفك الدماء وذهبت أنفس وانتهكت أعراض، ولم يتغير شيء. ذهب حكم علماني وجاء حكم علماني آخر، والأمر كما عاد كما كان في أول الأرض. ومنهم من يقول: لو مات الثلث أو الثلثان كانوا على خير. يستهين بدماء المسلمين. اليوم نادم على كلامه. نسأل الله العافية والسلامة، نسأل الله العافية والسلامة. والعجبة: إياك والعجب بفضل رأيك، واحذر جواب القول من خطائك. لا تغتر بالشاشة والحضور والمتابعين في الواتس والقنوات، والذين يقولون في الهوامش: بارك الله فيك، وأحسن الله إليك، كثر الله في علماء المسلمين من أمثالك، أنتم أهل الغيرة، الإسلام يحتاجكم. هؤلاء الذين هم من المطبلين، والذين هم من أهل الفتن، يضلون كثيرا من الناس بمدحهم ويذبحونهم من أعناقهم. نسأل الله العافية والسلامة. إياك والعجب بفضل رأيك، واحذر جواب القول من خطائك. كم من جواب أعقب الندامة في الدنيا والمساءلة عند الله عز وجل، مساءلة عظيمة عند رب العالمين سبحانه. في صحيح الإمام البخاري قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَلَا لَا يَلْقَيَنَّ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ، أَلَا لَا يَلْقَيَنَّ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ بِمِلْءِ كَفٍّ مِنْ دَمٍ أَهْرَقَهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ». هذه وصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحديث في صحيح البخاري: «أَلَا لَا يَلْقَيَنَّ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ بِمِلْءِ كَفٍّ مِنْ دَمٍ». قال أهل العلم: ملء الكف من الدم لا يقتل ملء الكف. أنا حاولت أزنه، يعني يطلع مثل الغطاء الذي في دبة الصحة تقريبا. إذا ملء الكف أي في داخل باطن الكف مع جمع الأصابع وضم الإبهام حتى لا يسقط، إذا صببت الماء لعله يبلغ غطاء من غطاءات علب المياه المعقمة أو أكثر قليلا. هذا لا يقتل غالبه، وليس مما تذهب به الأرواح. «أَلَا لَا يَلْقَيَنَّ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ بِمِلْءِ كَفٍّ مِنْ دَمٍ أَهْرَقَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ». شارك بكلمة أو بيد أو بإعانة أو بكتابة في واتس أو في وسائل التواصل أو في قناة أو في غير ذلك. «أَلَا لَا يَلْقَيَنَّ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ بِمِلْءِ كَفٍّ مِنْ دَمٍ أَهْرَقَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ». لا تكن ممن يشارك في هذه الفتن العظيمة بجواب يحصل فيه الضرر على مسلمين، فتحاسب عند رب العالمين سبحانه. كم من جواب أعقب الندامة. فاغتنم الصمتة مع السلامة. كان شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي رحمه الله، العالم المعروف الإمام الزاهد رحمه الله، يقول: يا إخوان، السلامة لا يعدلها شيء، السلامة لا يعدلها شيء. هذا معنى كلام الناظم: «فَاغْتَنِمْ الصَّمْتَةَ مَعَ السَّلَامَةِ». سلامة من دماء المسلمين، سلامة من إيقاد نيران الفتن، سلامة من ترويع الآمنين. تلقى الله عز وجل وأنت سالم عنده سبحانه وتعالى، يرجى لك الخير حينها، يرجى لك الخير حينها. هذه المنظومات فيها نصائح من كلام الأوائل، ينتفع بها طالب العلم إذا وفقه الله سبحانه وتعالى. هذا، فأسأل الله عز وجل أن يرحم الناظم وأن يجزيه وسائر علماء المسلمين خير الجزاء، وأن يهدينا إلى هداه ويغفر لنا جميعا، إنه جواد كريم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.