الدرس في شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 17، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يستعرض المقطع أقوال العلماء في تكفير تارك الصلاة، مبيناً الإجماع على كفر من جحد وجوبها أو امتنع عنها تعنتاً. ويوضح الخلاف فيمن تهاون بها مع إيمانه بها بين الجمهور القائلين بعدم التكفير وطائفة من أهل الحديث المكفرة كفراً أكبر.
يذكر المقطع حديثاً عن خمس خصال من جاء بهن مع الإيمان دخل الجنة، أولها المحافظة على الصلوات الخمس ثم الزكاة وصوم رمضان وحج البيت وأداء الأمانة. ويناقش حكم تارك الصلاة بين التكفير الأكبر والأصغر مع الإشارة إلى مسألة الاستثناء في الإيمان.
يبيّن المقطع أن قول القائل: "أنا مؤمن إن شاء الله" ليس شكاً في أصل الإيمان، بل هو استثناء احتياطي وترك للتزكية يرجع إلى عدم الجزم بقبول العمل وحسن الخاتمة. وقد استدل الأئمة ك أحمد بن حنبل وسفيان الثوري ويحيى بن سعيد بالقرآن والسنة وآثار السلف على مشروعية هذا الاستثناء، وعدّوا تركه من أوائل الإرجاء.
يشرح المقطع لقب الراوي أبي موسى الزمن وسبب تسميته بذلك مع قصة شفائه بالدعاء. ثم يستعرض أقوال ابن مسعود وعلقمة في آداب الإقرار بالإيمان بعبارة "أرجو إن شاء الله"، ويختتم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة المقابر والدعاء للمؤمنين.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لازلنا فيما يسرده الإمام أبو بكر الآجري، قال رحمه الله تعالى: باب ذكر كفر من ترك الصلاة. هذه المسألة من المسائل الخلافية بين أهل السنة والجماعة، ولها صور. فمن الصور ما أجمع على أنه كفر لا يختلفون في ذلك، كفر مخرج عن الملة. ومن الصور ما فيه منازعة. فأما من يعرض على السيف فيقال له: صلِّ، فيقول: والله لا أركع لله ركعة، ثم يفضل الموت على أن يصلي لله، فهذا اتفق الأئمة على أنه كافر، وأنه ليس بمؤمن؛ لأن الإيمان التام يوجب العمل، وهذا الحال من الامتناع التام دليل على فقد الإيمان، وهو دليل على أنه ليس بمؤمن. وأما من جحد الصلاة فقال: لا أؤمن بها، أو كذب بفرض الصلاة، فهذا وإن صلى كافر بإجماع العلماء. هذه أيضا صورة إجماع، لا يختلف الأئمة وسلف الأمة وأهل السنة في أن هذا الصنف كافر بالله العظيم إجماعا. من جحد الصلاة أو كذب بها فهذا كافر بإجماع أئمة المسلمين. وأما من تهاون بالصلاة مع إيمانه بها، فتارة يصلي وتارة يترك، فمثل هذا فيه الخلاف بين أهل السنة والجماعة. من كان متهاونا في أمر الصلاة وفعلها، فتارة يصلي وتارة يترك، هذا محل خلاف بين أهل العلم. وجمهور العلماء الفقهاء وهو قول طائفة من أهل الحديث، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك، وهو رواية عن أحمد يرجحها ابن قدامة وغيره من أئمة المذهب، يقولون: هذا الصنف ليس بكافر، هذا الصنف ليس بكافر. وذهب أكثر أهل الحديث، وهو رواية عن الإمام أحمد، إلى أنه كافر كفرا أكبر. فهذه المسألة موضع خلاف بين أهل العلم من أهل السنة. وقول بعض الناس المعاصرين: إن من لم يكفر تارك الصلاة فقد دخلت عليه شبهة الإرجاء، شعر أو لم يشعر، كلام قائم على ضلالة وجهالة. فالمسألة خلافية، وليست من مواضع التضليل والتبديع. ومن خالف فيها فهو من أهل السنة، ومن قال بكفر تارك الصلاة فهو من أهل السنة. وأما قول هذا القائل الذي يقول: إن من لم يكفر تارك الصلاة فقد دخلت عليه شبهة الإرجاء، شعر أو لم يشعر، فهذا كلام ضلالة عن سواء السبيل، وجهالة بكلام سلف الأمة. فقد نص سلف الأمة على أن هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم. مسألة هذه خلافية بين أهل العلم، لا تصل إلى تبديع طرف من الأطراف، أو إخراجه من السنة، أو رميه بالإرجاء، أو بأنه على مذهب الخوارج. وإن قال الخوارج: أن تارك الصلاة كاف، فهو غيرهم، وهم جنس آخر. وقائل هذه الكلمة هو سفر الحوالي في كتابه "ظاهرة الإرجاء"، وهي من منكرات مقالاته في ذلك الكتاب. قال المصنف رحمه الله: باب ذكر كفر من ترك الصلاة. قال: حدثنا أبو جعفر أحمد بن يحيى الحلواني، قال: حدثنا أبو الربيع الزهراني، قال: حدثنا محمد بن زيد، عن عمر بن دينار، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة". اختلف العلماء في المراد بالكفر هاهنا. ومن أهل العلم من يرى أنه الكفر الأكبر، لا سيما وقد عُرف بالأنف والنهْي. قال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن شاهين، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن يزيد الآدمي، قال: حدثنا يحيى بن سليم، قال: سمعت ابن جريج يقول: سمع أبو الزبير يقول: قال: سمع جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس بين العبد المسلم وبين الشرك إلا ترك الصلاة". قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد، قال: حدثنا الحسن بن عرفة، قال: حدثنا أبو حفص الأبار، عمر بن عبد الرحمن، عن ليث، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بين العبد وبين الكفر، أي بين العبد وبين الشرك، ترك الصلاة". قال: حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد الصندلي، قال: حدثنا الفضل بن زياد، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا زيد بن الحباب، قال: حدثني حسين بن واقد، قال: حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر". قال: حدثنا أبو نصر محمد بن كردي، قال: حدثنا أبو بكر المروذي، قال: حدثنا أحمد بن حنبل. أبو نصر محمد بن كردي الظاهر أنه من الأئمة الثقاة، فقد روى كثيرا في هذه المواضع وصحح حديثه. وعروة بن الزبير من كبار التابعين، كما تقدمنا. قلت: من كبار الصحابة، أو من الصحابة، عبد الله بن الزبير من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. قال رحمه الله تعالى وغفر له: حدثنا أبو بكر المروذي، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن المسعودي، عن القاسم، قال: قال عبد الله بن مسعود: "الكفر ترك الصلاة". قال رحمه الله تعالى: حدثنا جعفر بن محمد الصندلي، قال: حدثنا الفضل بن زياد، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: سمعت الأوزاعي، عن القاسم بن مخيمرة، في قول الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]، قال: أضاعوا المواقيت، ولم يتركوها، ولو تركوها صاروا بتركها كفارا. قال رحمه الله تعالى: حدثنا الفريابي، قال: حدثنا أبو أيوب سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، قال: حدثنا أيوب بن سويد، قال: حدثنا يونس بن يزيد، قال: حدثني الزهري، قال: أخبرني سليمان بن يسار، أن المسور بن مخرمة أخبره، حين طُعن عمر رضي الله عنه، أنه دخل عليه هو وابن عباس، فلما أصبح أفزعوه، فقالوا: الصلاة، الصلاة. قال: نعم، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. فصلى والجرح يثعب دما، رضي الله عنه وأرضاه. فإذا كان هو يقول هذا الكلام، فكيف بغيره؟ رضي الله عنه. قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عفير الأنصاري، قال: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا خيرة بن خالد، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، عن المسور بن مخرمة، قال: دخلت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين طُعن، فقالوا: الصلاة يا أمير المؤمنين. فقال: الصلاة، ها الله إذن، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. قال: حدثنا ابن مخلد، قال: حدثنا أبو داود، قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إذا قال: لا أصلي، فهو كافر، هذا معاند. قال ابن القيم: فالكفر ليس سوى العناد، ورد ما جاء الرسول به، لقول فلان: لو كان مؤمنا لم يمتنع. قال: أخبرنا إبراهيم بن موسى الجوزي، قال: حدثنا إبراهيم بن زهير بن محمد المروزي، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد، قال: حدثنا أبو العوام القطان، قال: حدثنا أبو قتادة، حدثنا قتادة، وأبان بن أبي عياش، كلاهما عن خليد العصري، عن أبي الدرداء، قال: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان، دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها". قال: وكان يقول: "وأيم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن". وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلا، وأدى الأمانة. قالوا: يا أبا الدرداء، وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة، فإن الله تعالى لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها. حسنه الشيخ ناصر الدين رحمه الله تعالى وغفر له. الشاهد من "خمس من جاء بهن": أي صلوات. من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، دخل الجنة. أول الخصال الخمس: صلوات الخمس. خمس، أي خمس خصال سآتي بذكرهن. الأولى: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، أي دخل الجنة. ثم ذكر الزكاة، ثم ذكر الصيام، ثم ذكر الحجة، ثم ذكر أداء الأمانة. وهذا موقوف، وهذا عن أبي الدرداء مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: حدثنا جعفر بن محمد الصندلي، قال: حدثنا الفضل بن زياد، قال: حدثني أحمد بن حنبل، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، أبو عبد الرحمن، قال: حدثني سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني كعب بن علقمة، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر يوما الصلاة، فقال: "من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا وإضاءة، أو قال: نجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهان ولا إضاءة، أو قال: نجاة، ويأتي يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف". حسنه الشيخ الألباني أيضا رحمه الله، وضعفه في المشكاة، يقول المعلم. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أحمد، قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا أبو عبد الله جعفر بن إدريس القزويني، قال: حدثنا يحيى بن عبدك القزويني، قال: حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، وذكر الحديث بإسناده إلى آخره مثلا. قال: حدثنا أبو نصر محمد بن كردي، قال: حدثنا أبو بكر المروذي، قال: حدثنا أحمد بن محمد، قال: حدثنا عبد الله بن نمير، عن محمد بن أبي إسماعيل، عن معقل بن معقل الخثعمي، قال: أتى رجل عليا رضي الله عنه وهو في الرحبة، فقال: يا أمير المؤمنين، ما ترى في المرأة لا تصلي؟ فقال: من لم يصل فهو كافر. قال محمد بن الحسين: هذه السنن والآثار في ترك الصلاة وتضييعها، مع ما لم نذكره مما يطول به الكتاب، مثل حديث حذيفة، وقوله لرجل لم يتم الصلاة: "لو مات هذا لمات على غير فطرة محمد صلى الله عليه وسلم". ومثله عن بلال وغيره، ما يدل على أن الصلاة من الإيمان، ومن لم يصل فلا إيمان له ولا إسلام. وقد سمى الله تعالى الصلاة في كتابه إيمانا، وذلك أن الناس كانوا يصلون إلى بيت المقدس، إلى أن حولوا إلى الكعبة، ومات قوم على ذلك. فلما حولت القبلة إلى الكعبة، قال قوم: يا رسول الله، فكيف بمن مات من إخواننا ممن كان يصلي إلى البيت، إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143]، يعني صلاتكم إلى بيت المقدس. وبالله التوفيق. وهذا يدل على أن المصنف رحمه الله على قول أكثر أهل الحديث القائلين: إن تارك الصلاة كافر كفرا أكبر. وقال جمهور الفقهاء وطائفة من أهل الحديث: بل هو كافر كفرا أصغر. وهذا خلاف في دائرة أهل السنة والجماعة. شاهد أن الصلاة إيمان، وأن تركها عند طائفة من أهل العلم يخرج العبد من الإيمان ومن الإسلام. فإن قيل: إنها لا تخرجه إلى الكفر، قيل: أنقصت إيمانه ولابد. فتارك الصلاة ناقص الإيمان عند من يقول بعدم كفره، نقصانا عظيما. نسأل الله السلامة والعافية. قال رحمه الله تعالى: باب ذكر الاستثناء في الإيمان من غير شك فيه. هذا باب آخر في مسألة من المسائل التي ضلت فيها المرجئة أيضا، وهي مسألة: هل يجوز أن يستثني العبد في إيمانه؟ أمؤمن أنت؟ سيفصلها رحمه الله، ويذكر قول أهل السنة والجماعة، ويذكر كلام الأئمة الذين بمثلهم يهتدى في ظلمات الأهواء. قال: باب ذكر الاستثناء في الإيمان من غير شك فيه. أي: هذا الاستثناء ليس شكا في وجوب الإيمان بالله، ولا شكا في الإيمان برسول الله وبدينه وبالقرآن. ليس هذا من الشك في شيء، كما تقول المرجئة: يسمون أهل السنة "شكاكة" أو "شكاكين" لأنهم قالوا بالاستثناء في الإيمان، وهذا من الألقاب السيئة. قال محمد بن الحسين: من صفة أهل الحق ممن ذكرنا من أهل العلم: الاستثناء في الإيمان، لا على جهة الشك، نعوذ بالله من الشك في الإيمان، ولكن خوف التزكية لأنفسهم، من الاستكمال للإيمان، لا يدري أهو ممن يستحق حقيقة الإيمان أم لا. وذلك أن أهل العلم من أهل الحق إذا سئلوا: أمؤمن أنت؟ قال: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار، وأشباه هذا. فالناطق بهذا والمصدق بقلبه مؤمن. وإنما الاستثناء في الإيمان: لا يدري أهو ممن يستوجب ما نعت الله به المؤمنين من حقيقة الإيمان أم لا. هذا طريق الصحابة والتابعين لهم بإحسان. عندهم أن الاستثناء في الأعمال، لا يكون في القول. الاستثناء في العمل، ليس في ما قالوه من الشهادة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. لا يكون في القول والتصديق في القلب، وإنما الاستثناء في الأعمال الموجبة لحقيقة الإيمان. والناس عندهم على الظاهر مؤمنون، بهم يتوارثون، وبهم يتناكحون، وبهم تجري أحكام ملة الإسلام. ولكن الاستثناء منهم على حسب ما بيناه لك، وبينه العلماء من قبلنا. روي في هذا سنن كثيرة، وأنا أزيدك على ما قلنا. قال رحمه الله تعالى وغفر له: وأنا أزيدك على ما قلنا. أي: من الأدلة على جواز الاستثناء في الإيمان. قلنا: وهذا الاستثناء كما قال المصنف، ليس في قول الإيمان، ولا في تصديق القلب، وإنما في الأعمال. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾ [الكهف: 107]، هل أنت من هؤلاء؟ تقول: إن شاء الله، يعني ممن عمل الصالحات. إن شاء الله، أسأل الله أن يعينني على العمل. إن شاء الله، ترجو العمل، ترجو الإعانة من الله عز وجل. فهذا ليس شكا، وإنما هو خوف من التزكية. قال تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: 32]. هل أنت من المتقين؟ قال: إن شاء الله. هذا نوع من أنواع البعد عن التزكية. قال رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: 27]. هذا استثناء، وقد علم الله تعالى أنهم داخلون. وقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم المقبرة، فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون"، وهو يعلم أنه لاحق بهم. وقال صلى الله عليه وسلم: "إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله تعالى". لأرجو: هذا من البعد عن التزكية، وإلا ففي النبي صلى الله عليه وسلم أخشاكم لله وأتقاكم له، صلى الله عليه وسلم. ورُوي أن رجلا قال عند عبد الله بن مسعود: أنا مؤمن. فقال ابن مسعود: أفأنت من أهل الجنة؟ قال: أرجو. قال ابن مسعود: أفلا وكلت الأولى كما وكلت الأخرى؟ قال رحمه الله تعالى: وقال رجل لعلقمة: أمؤمن أنت؟ قال: أرجو، إن شاء الله، أي من أهل الإيمان الكامل. وقال: قال نعيم... محمد بن الحسين رحمه الله: وهذا مذهب كثير من العلماء، وهو مذهب أحمد بن حنبل. واحتج أحمد بما ذكرنا، واحتج بمسألة الملكين في القبر للمؤمن ومجاوبتهما له، فيقولان له: على اليقين كنت، وعليه مت، وعليه تبعث يوم القيامة، إن شاء الله. ويقال للكافر والمنافق: على الشك كنت، وعليه مت، وعليه تبعث، إن شاء الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، وقال: حدثنا أبو بكر للأثر، وقال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل سُئل عن الاستثناء في الإيمان، ما تقول فيه؟ قال: أما أنا فلا أعيبه، أما أنا فلا أعيبه. قال أبو عبد الله: إذا كان يقول: الإيمان قول وعمل، فاستثنى مخافة واحتياطا، ليس كما يقولون على الشك، إنما يستثني للعمل. قال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: 27]، وهذا استثناء بغير شك. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله تعالى". قال: هذا كله تقوية للاستثناء في الإيمان. قال: وحدثنا جعفر الصندلي، قال: حدثنا الفضل بن زياد، قال: سمعت أبا عبد الله يعجبه الاستثناء في الإيمان. فقال رجل: إنما الناس رجلان: مؤمن وكافر. فقال أبو عبد الله: فأين ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 106]؟ قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما أدركت أحدا، أي من العلماء المعتبرين، إلا على الاستثناء. هذا قول أهل السنة جميعا. قال: وسمعت أبا عبد الله مرة يقول: سمعت يحيى يقول: ما أدركت أحدا من أهل العلم إلا بلغني عنه، إلا بلغني، ولا بلغني أي عنه إلا على الاستثناء. قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: سمعت سفيان بن عيينة، إذا سئل: أمؤمن أنت؟ إن شاء لم يجبه، وإن شاء قال: سؤالك إياي بدعة، ولا أشك في إيماني. ولا يعنف من قال: إن الإيمان ينقص، أو قال: إن شاء الله. ليس يكرهه، وليس بداخل في الشك. قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: إذا قال: أنا مؤمن إن شاء الله، فليس هو بشك. قيل له: إن شاء الله، أليس هو شك؟ فقال: معاذ الله، معاذ الله، أليس قد قال الله، قد قال الله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: 27]، وفي علمه أنهم يدخلون؟ إذا ليس كل استثناء شك، ليس كل استثناء شك. وصاحب القبر إذا قيل له: وعليه تبعث إن شاء الله، فأي شك هاهنا؟ إنما هذا على سبيل التزكية، على سبيل ترك التزكية، يعني: نرجو أن يبقى عملك هكذا، وأن يكون عملك هكذا، وأن تبقى على مثل هذا، لا يتغير الحكم فيك، إن شاء الله. قال: وعليه تبعث إن شاء الله، فأي شك هاهنا؟ وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون"، أي على منزلتكم وعلى إيمانكم، إن شاء الله نموت ونلحق. وسمعت أبا عبد الله يقول: حدثنا وكيع، قال: قال سفيان: الناس عندنا مؤمنون في الأحكام والمواريث، ولا ندري كيف هم عند الله تعالى، ونرجو أن نكون كذلك. نرجو أن نكون من أهل الإيمان. استثناء هذا كله في العمل. هذا من باب ترك التزكية، ليس شكا في أصل الإيمان، لأن هذا واجب الجزم فيه. قال: وحدثنا ابن مخلد، قال: حدثنا أبو داود، قال: سمعت أحمد يقول: قال سمعت سفيان يقول: إذا سئل: أمؤمن أنت؟ إن شاء لم يجبه، لأن السؤال القصد به الفتنة، وربما يكون السائل صاحب هوى. إذا سئل: أمؤمن أنت؟ إن شاء لم يجبه، أو يقول له: سؤالك إياي بدعة، ولا أشك في إيماني. وقال: إن شاء الله ليس يكرهه، وليس بداخل في الشك. قال: وسمعت أبا أحمد، قال: سمعت يحيى بن سعيد، قال: ما أدركت أحدا من أصحابنا، أي العلماء أهل الحديث أتباع السلف، ولا بلغني إلا على الاستثناء. وقال: قال يحيى: الإيمان قول وعمل. وسمعت أحمد، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا وكيع، قال: قال سفيان: الناس عندنا مؤمنون في الأحكام والمواريث، فنرجو أن نكون كذلك، ولا ندري ما حالنا عند الله تعالى. وسمعت أحمد بن حنبل، وسمعت أحمد قال: قال يحيى بن سعيد: كان سفيان ينكر أن يقول: أنا مؤمن. قال: وحدثنا جعفر الصندلي، قال: حدثنا الفضل بن زياد، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: حدثني مؤمن، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: سمعت هشام يذكر، قال: كان الحسن ومحمد يهابان أن يقول: مؤمن، ويقولان: مسلم. قال: وحدثنا أبو نصر محمد بن كردي، قال: حدثنا أبو بكر المروذي، قال: قيل لأبي عبد الله: نقول: نحن المؤمنون. قال: نقول: نحن المسلمون. ثم قال أبو عبد الله: الصوم والصلاة والزكاة من الإيمان. قيل له: فإن استثنيت في إيماني أكون شاكا؟ قال: لا، لأننا نستثني على وجه العمل: هل أنت ممن جاء بالعمل كما أمر؟ هل قَبِلَت صلاتك؟ هل أنت من أهل الجنة؟ قال: أرجو، إن شاء الله. إذن هذا ليس من الشك. قال: وحدثنا أبو نصر، قال: حدثنا أبو بكر المروذي، قال: حدثنا أبو عبد الله، قال: حدثنا علي بن بحر، قال: سمعته جرير بن عبد الحميد يقول: الإيمان قول وعمل. قال: وكان الأعمش، ومنصور، ومغيرة، وليث، وعطاء بن السائب، وإسماعيل بن خالد، وعمارة بن القعقاع، والعلا بن المسيب، وابن شبرمة، وسفيان الثوري، وأبو يحيى صاحب الحسن، وحمزة الزيات، وحمزة الزيات، يقولون: نحن مؤمنون إن شاء الله، ويعيبون على من لم يستثن. قال أبو بكر المروذي: سمعت بعض مشيختنا يقول: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: إذا ترك الاستثناء فهو أول الإرجاء. إذا ترك الاستثناء فهو أول الإرجاء. نسأل الله العافية والسلام. تقدم شرح هذا في شرح أصول السنة لإمامين: أبي حاتم وأبي زرعة. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، قال: حدثنا محمد بن المثنى، أبو موسى الزمن. وما معنى "الزمن"؟ هذا شيخ الستة، شيخ البخاري، شيخ مسلم، وشيخ الترمذي، وشيخ النسائي، وشيخ ابن ماجه، وهو شيخ أحمد أيضا. "الزمن": معناه المشلل الذي لا يستطيع أن يمشي على رجليه. هذا هو الزمن، أحد الرواة، تغرب. قال لأبي موسى الزمن: إني أراك تمشي على رجليك. قال أبو موسى لتلميذه: نعم، إني كنت زمنا، أي كان في زمان من الزمان زمانة في رجلي، لا أستطيع أن أمشي. قال: فقمت في ليلة باردة، فجثوت حتى توضأت، ثم صليت ركعتين، ثم دعوت الله عز وجل أن يعافيني. قال: فقمت أمشي. بقي فيه اللقب. قال: حدثنا محمد بن المثنى، أبو موسى الزمن، قال: حدثنا عبد الأعلى، قال: حدثنا يونس، عن الحسن، قال: قال رجل عند ابن مسعود: إني مؤمن. فقال: قيل له: يا أبا عبد الرحمن، يزعم أنه مؤمن. قال: فسألوه: أهو في الجنة أو في النار؟ فسألوه، فقال: الله أعلم. فقال: أفلا وكلت الأولى كما وكلت الآخرة؟ قال: وحدثنا... قال: وحدثنا... قال: حدثنا... حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، قال: قيل لعلقمة: أو من أنت؟ قال: أرجو، إن شاء الله. قال: أرجو، إن شاء الله تعالى. قال: وحدثنا عبد الرحمن... محمد بن المثنى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: رجل لعلقمة: أمؤمن أنت؟ قال: أرجو. قال: حدثنا الفريابي، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى المقبرة، فقال: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون". وذكر الحديث. قال محمد بن الحسين: فيما ذكرت في هذا الباب مقنع، إن شاء الله، ولا قوة إلا بالله. لعلنا نقف إذا نقف هاهنا، ونقرأ إن شاء الله في وقت آخر. فنسأل الله جل وعلا أن يرحم المصنف وجميع العلماء والمشايخ من أهل السنة والجماعة، وأن يهدي المسلمين إلى سبيل الهدى والرشاد، وأن يصرف عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يختم لنا جميعا بالحسنى، إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر