شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 9

الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 9، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

وصية الإلبيري: زوال المال وبقاء العلم النافع

يسرد المقطع وصية أبي إسحاق الإلبيري لابنه محذراً من الاختيال بالمال لسرعة زواله، ومؤكداً أن العلم النافع هو الباقي الذي يرفع قدر صاحبه في الدارين. ويضرب المثل بخلود آثار العلماء مقابل اندثار قصور المترفين وخزائنهم.

الدليل من الوحي والسنة على تفضيل العلم على الدنيا

يستدل المقطع بقول الله تعالى ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ وبزهد النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا لإثبات أن تقديم المال على علم جهل وظلماً. ويخلص إلى أن لواء العلم باقٍ أبدياً بينما لواء المال زائلٌ فاني لا محالة.

مقارنة بلاغية بين حال العالم والغني في الملذات

يعقد المقطع مقارنات دقيقة بين العالم والغني في الجلوس والركوب والنكاح والأكل، مبيناً أن لذة العلم وطاعة الله أعظم وأبقى من ملذات الدنيا الفانية. ويشير إلى أن القناعة بمعرفة الله تغني عن الدنيا داعياً للإخلاص في طلب العلم.

التجارة مع الله بالإخلاص وزوال متاع الغرور

يشرح المقطع معنى التجارة الحقيقية مع الله بأنها الإخلاص في القول والعمل الذي لا يبور، مستشهداً بآية شراء الله أنفس المؤمنين وأموالهم بالجنة. ويصور الدنيا بأنها عابرة تسوء تارة وتسر أخرى، مستغرباً حب الإنسان لما يسجنه فيها مع ضيق الوقت.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. لا نزال في هذه القصيدة العصماء، وهذه النصيحة الفريدة التي كتبها شاعر محسن من علماء الأندلس، وهي بلاد إسبانيا اليوم، يوم كانت من حواضر بلاد المسلمين، ردها الله إلى أهل الإسلام وأعزهم فيها، وفرج عن المستضعفين فيها. كتب هذه القصيدة العلامة الزاهد أبو إسحاق الإلبيري التوجيبي رحمه الله تعالى وغفر له، متوفى بعد الستين والأربعمائة للهجرة. يقول رحمه الله تعالى: «فَلَا تَخْتَلْ بِمَالِكَ وَالْهَ عَنْهُ فَلَيْسَ الْمَالُ إِلَّا مَا عَلِمْتَ فَلَيْسَ لِجَاهِلٍ فِي النَّاسِ مُغْنٍ فَلَيْسَ لِجَاهِلٍ فِي النَّاسِ مَعْنًى وَلَوْ مُلْكُ الْعِرَاقِ لَهُ تَأَتَّى سَيَنْطِقُ عَنْكَ عِلْمُكَ فِي مَلَإٍ وَيُكْتَبُ عَنْكَ يَوْمًا إِنْ كَتَبْتَ وَمَا يُغْنِيكَ تَشْيِيدُ الْمَبَانِي إِذَا بِالْجَهْلِ نَفْسَكَ قَدْ هَدَمْتَ جَعَلْتَ الْمَالَ فَوْقَ الْعِلْمِ جَهْلًا لَعَمْرِي فِي الْقَضِيَّةِ مَا عَدَلْتَ وَبَيْنَهُمَا بِنُصِّ الْوَحْيِ بَوْنٌ سَتَعْلَمُهُ إِذَا طَاهَا قَرَأْتَ لَئِنْ رَفَعَ الْغَنِيُّ لِوَاءَ مَالٍ فَأَنْتَ لِوَاءَ عِلْمِكَ قَدْ رَفَعْتَ لَئِنْ جَلَسَ الْغَنِيُّ عَلَى الْحَشَايَا فَأَنْتَ عَلَى الْكَوَاكِبِ قَدْ جَلَسْتَ وَإِنْ رَكِبَ الْجِيَادَ مُسَوَّمَاتٍ فَأَنْتَ مَنَاهِجَ التَّقْوَى رَكِبْتَ وَمَهْمَا افْتَضَّ أَبْكَارَ الْغَوَانِي فَكَمْ بِكْرٍ مِنَ الْحِكَمِ افْتَضَضْتَ وَلَيْسَ يَضُرُّكَ الْإِقْتَارُ شَيْئًا إِذَا مَا أَنْتَ رَبَّكَ قَدْ عَرَفْتَ فَمَاذَا عِنْدَهُ لَكَ مِنْ جَمِيلٍ إِذَا بِفِنَاءِ طَاعَتِهِ أَنَخْتَ فَقَابِلْ بِالْقَبُولِ لِنُصْحِ قَوْلِي فَإِنْ أَعْرَضْتَ عَنْهُ فَقَدْ خَسِرْتَ وَإِنْ رَاعَيْتَهُ قَوْلًا وَفِعْلًا وَتَاجَرْتَ الْإِلَهَ بِهِ رَبِحْتَ فَلَيْسَتْ هَذِهِ الدُّنْيَا بِشَيْءٍ تَسُوءُكَ حِقْبَةً وَتَسُرُّ وَقْتًا وَغَايَتُهَا إِذَا فُكِّرَ فِيهَا كَفَيْئِكَ أَوْ كَحُلْمِكَ إِذْ حَلُمْتَ سُجِنْتَ بِهَا وَأَنْتَ لَهَا مُحِبٌّ فَكَيْفَ تُحِبُّ مَا فِيهِ سُجِنْتَ» لا نزال نقرأ في هذه المنظومة، وهذه القصيدة النافعة والنصيحة الصادقة، ولا زال ينصح ولده المكنى أبا بكر، فيقول له: «فلا تختل بمالك واله عنه». والاختيال والخيلاء نوع من الفخر. فهو ينصح ولده ألا تغرّه زخارف الدنيا وبريق الأموال، فهو يقع في نفسه العجب بماله وما آتاه الله عز وجل من مال، ذهباً كان أو فضةً أو ورقاً نقدياً، فهو يختال أي يفتخر ويفرح فرحاً شديداً بماله، وهو في هذا الحال ينسى أن هذا المال زائل وأنه لن يبقى له. يا ابن آدم، يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت؟ هذا مالك الذي يبقى لك: إما أن تأكله فيفنى بالطعام وبالآكل، وإما أن تلبسه فيفنى بالثياب وباللباس، وإما أن تتصدق به فيبقى لك عند الله ذُخرة، نفقةً تبقى لك عند الله عز وجل، وإما أن تموت فيأخذه الوارث. إذن المال الأصل فيه الزوال وليس الأصل فيه البقاء، المال الأصل فيه الزوال. ولهذا ينصحه ويقول: «فلا تختل بمالك واله عنه»، أي اغفل عنه واشتغل بما ينفعك وما يبقى لك. «فليس المال إلا ما علمت»، أي أنه يزول ويذهب إما بطعام أو بشراب أو بلباس أو بنعال أو بأمراض، أو تموت فتتركه لغيرك يفعل به ما شاء. ثم نصحه بنصيحة أخرى: وأن العلم هو الذي يجعل للناس قدراً ومقداراً، فالجاهل مذموم عند الناس مرذول عند الخلق، وأنت يا صاحب العلم قد رفعك الله سبحانه وتعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، وإذا رفع الله أهل العلم لم يستطع أحد أن ينزلهم. يقول رحمه الله: «فليس لجاهل في الناس مغنٍ»، هكذا في بعض النسخ، وظن عندنا في طبعة هكذا «مغنٍ» أي ما يغنيه، فيحتاج الناس إليه لعلمه ولفهمه، فليس عنده هذا الأمر. «فليس لجاهل في الناس مغنٍ»، في النسخة الأخرى: «فليس لجاهل في الناس معنًى»، وهذا أقرأ، أي ليس له كبير اعتبار ولا له عند الناس مقدار لأنه جاهل، هو نفسه يخبط في حياته خبط عشواء. يقول: «ولو ملك العراق له تأتى»، العراق بلد عظيم فيه الثروات وفيه الخيرات وفيه الأموال وفيه التجارات، وهو من أعظم بلاد الإسلام، لو أنه صار ملكاً على العراق كله، هل كان له مقدار وهو جاهل لا يحسن أن يعبد الله على بصيرة، ولا يحسن أن يقوم بعمل على وجه الصواب؟ فهو يخطئ ويتخبط، فليس لجاهل في الناس معنًى ولو ملك العراق له تأتى. «سينطق عنك علمك في ملإٍ ويكتب عنك يوماً إن كتبت»، هذا من رفعة الله جل جلاله لأهل العلم، يُكتب قولهم وترجيحاتهم ونصائحهم وفقههم، فلا زالت الأجيال تتناقل ذلك جيلاً بعد جيل، كأنهم أحياء وهم أحياء بعلومهم وإن ماتت الأجساد. «سينطق عنك علمك في ملإٍ»، إذا كنت صاحب علم فإن العلم يُحفظ في الصدور ويكتب في الأوراق وفي السطور، ويتداول في المجالس ويتناقل عبر الزمان. هذه كتب الشافعي لا زالت معيناً فياضاً يأخذ منها الناس، وهذه كتب الإمام أحمد وابنه عبد الله، وكتاب البخاري الصحيح الجامع المسند الصحيح، وكتاب الإمام مسلم المسند الصحيح، وكتاب الترمذي، كتاب النسائي، كتب ابن تيمية، كتب ابن القيم، كتب المعاصرين من العلماء لا زالت معيناً صافياً ينهل منه الناس، وبيننا وبينهم المفاوز. «سينطق عنك علمك في ملإٍ»، هذه حياة جديدة، «ويكتب عنك يوماً إن كتبت»، أي إن صنفت وكتبت للناس ودونت، وهذا يدل على فضل التصنيف. ولهذا كان ابن الجوزي يقول: «إني لأعظ آلافاً مؤلفةً وأكتب الكتاب فأرى نفع الكتاب أعظم من نفع هذا المجلس، لأنني في كتابي أخاطب آلافاً مؤلفة لم يولدوا بعد». «وما يغنيك تشييد المباني إذا بالجهل نفسك قد هدمت»، هذا أيضاً من أسلوب المقابلة الذي تقدمت الإشارة إليه، وهو الإتيان بالأشياء المتضادة: «ما يغنيك تشييد المباني»، ثم قال: «إذا بالجهل نفسك قد هدمت»، تشييد وهناك هدم، هنا تشييد وهناك هدم، صورة بلاغية جميلة عند علماء المعاني كما تقدم، فهذا من المحسنات المعنوية كما تقدم الكلام عليه. «وما يغنيك تشييد المباني»، أي بناء الدور والقصور، هل هذا يجعل لك مقداراً؟ كم من الناس اليوم يرون آثاراً قصوراً شاهقة ربما لا ندري من بناها ومن أنفق في بنائها، ماتوا ومات ذكرهم، وبقيت الآثار دالةً على قومٍ كانوا أهل غنىً وأهل قوةٍ وشدةٍ وأهل عزيمة، لا زالت شاهدةً عليهم، ﴿تِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾. مساكن قصور ودور، أهرامات وأشياء عظيمة، وذهبوا. «وما يغنيك تشييد المباني إذا بالجهل نفسك قد هدمت»، إذا جاءتك الفرص لطلب العلم فهدمت نفسك بالجهل، نسأل الله العافية والسلامة. «جعلت المال فوق العلم جهلاً، لعمري في القضية ما عدلت»، وهذه القضية نحن نبتلى بها في هذا الزمان، فتجد الفكر المادي يطغى على الناس، فإذا فكروا لم يفكروا في النفع وإنما فكروا في المال الذي يجمع، أكثر من العلم والخير والهدى والصلاح. «جعلت المال فوق العلم»، هذا حال الجهال، وهم كثيرون، كثيرون همهم الحرص على المال أكثر من الحرص على العلم. يقول: «جهلاً»، أي هذا جهل منك، هذا جهل منك، وهذه جملة حالية، أي حال كونك جاهلاً، حال كونك جاهلاً: «جعلت المال فوق العلم جهلاً، لعمري في القضية ما عدلت». «وبينهما بنص الوحي بون، ستعلمه إذا طاها قرأت»، أي بين العلم والمال بون شاسع وفرق واسع، ستعلمه إذا قرأت السورة التي أولها طه: ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾. في هذه السورة أمر الله نبيه أن يتزود من العلم النافع، وهو النبي الذي يوحى إليه بالوحي المبين، وأمره أن يتزود من العلم النافع. أمر الله نبيه أن يتزود من شيء من حطام الدنيا؟ لا، من الأموال ولا من المال ولا من الجاه ولا من غيرها من متع الدنيا، إنما أمر الله نبيه أن يتزود من العلم، فقال: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. وكان النبي صلى الله عليه وسلم كما قدمنا في حديث جابر بن عبد الله يدعو فيقول: «اللهم إني أسألك علماً نافعاً وأعوذ بك من علم لا ينفع»، قدمنا حديث جابر وسنده حسن. فأمر الله نبيه أن يتزود من العلم، أن يتزود من العلم، ولم يأمره أن يتزود من شيء من متع الدنيا. وكان صلى الله عليه وسلم في غاية الزهد في هذه الدار، قالت عائشة لعروة: «والله يا ابن أختي، إن كان ليمر بنا الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار». قال: قلت: يا خالة، فما كان يعيشكم؟ قالت: «الأسودان: التمر والماء، إلا أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار وكانت لهم منائح، وكانوا يرسلون لرسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانها فيسقينا». منائح: أي غنم ذات لبن وذات حليب لحديث عهدها بالولادة. شاهد مع شدة حاجة النبي صلى الله عليه وسلم، كان يأكل الدقل من التمر وهو رديء التمر كما ذكر ذلك الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وربما نام صلى الله عليه وسلم على حصير فأثر الحصير في جنبه، فقام وأثر الحصير في جنبه، فيقول له ابن مسعود: يا رسول الله، ألا اتخذنا لك وطاءً؟ أي فراشاً ليناً ناعماً تنام عليه. فيقول صلى الله عليه وسلم: «ما لي وللدنيا، إنما أنا كراكب استظل تحت ظل شجرة ثم قام وتركها». ويأتي عمر رضي الله عنه فيقول ويبكي: يا رسول الله، ملوك فارس والروم ينامون على الحشايا والفرش، وأنت تنام على هذا؟ فيقول: «يا عمر، ألا ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟» أخرجه الترمذي وغيره وإسناده حسن. «وما يغنيك تشييد المباني إذا بالجهل نفسك قد هدمت، جعلت المال فوق العلم جهلاً، لعمري في القضية ما عدلت، وبينهما بنص الوحي بون»، أي فرق كبير، «ستعلمه إذا طاها قرأت». أمر الله نبيه أن يتزود من العلم: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، ولم يقل: وقل ربي زدني مالاً، فدل على أن العلم يطلب الزيادة منه، وأنه أعظم المطالب وأفضل الحضوض وأعظم الفضائل وأشرف المناقب وأعظم الأعمال الصالحات: طلب العلم النافع. والله جل جلاله يقول في كتابه الكريم: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾. فدلت هذه الآية على أن الله أنزل على نبيه الكتاب والحكمة، وفي تفسيرها أنها السنة، وقيل غير ذلك، ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ﴾، وهذا الذي علمك إياه، قال الله بعدها: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾، فدل على أن العلم أعظم الفضائل وأشرف المناقب وأعظم الخيرات وخير المقامات وأعلاها وأرفعها. ومع هذا يقول الله جل جلاله في الآية الأخرى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، هذا العلم الذي أوتيتموه كله هو قليل، ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وذكرنا قصة الخضر، والحديث في البخاري وغيره، فلما ركب السفينة جاء عصفور فنقر في البحر نقرة أو نقرتين، فقال الخضر عليه السلام، وكان نبياً على الراجح عند أهل العلم: «يا موسى، والله ما علمي وعلمك في علم الله إلا كما نقر هذا العصفور في هذا البحر». ومع هذا، إذا عرفنا أن هذا القليل أمر الله بالتزود منه في سورة طه: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، وهو قليل، وبين الله عز وجل في الآية الأخرى أنه فضل عظيم: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾، هذا يدل على عظيم فضل العلم، ويدل على أن الدنيا حظ مبخوس قليل. ولهذا قال الله في جميع الدنيا بمتاعها وزخارفها سبحانه وتعالى: ذكر الله أن جميع الدنيا بمتاعها، قال الله: ﴿قُل مَّتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾، قليل. وقال سبحانه: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، هذا في متاع الدنيا كله. وقال في قليل العلم: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾، فقليل العلم عظيم جداً، وكثير الدنيا كلها، وكثير الدنيا كلها قليل جداً. فهذه الآيات تدل على أن أعظم الفضائل العلم النافع، وأن الدنيا كما قال الله: ﴿قُل مَّتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾، قليل، وقال في العلم القليل: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾، هذا يدل: إذا كانت جميع الدنيا قليلاً، والعلم القليل عظيماً عند الله، هذا يدل على غاية الشرف للعلم النافع. وهذا وجه عظيم أشار إليه الناظم رحمه الله. «جعلت المال فوق العلم جهلاً، لعمري في القضية ما عدلت، وبينهما بنص الوحي بون، ستعلمه إذا طاها قرأت». «لئن رفع الغني لواء مال»، اللواء: العلم الذي يشار، فيراه الرائي من بعيد، البنود والأعلام والألوية هي التي ترفرف فيراها الرائي من بعيد. «لئن رفع الغني لواء مال، لأنت لواء علمك قد رفعت»، فأي اللواء أعظم؟ لواء العلم الذي يبقى ما بقي الزمان، أم لواء المال الذي يزول بزوالك أو بهدم ذلك المال؟ انظروا اليوم إلى مثلاً هذه المدينة، ربما لو رأيتم في جهة البحر قصوراً قد صارت خرائب، كانت لأناس لهم من المال والسلطة ما لهم، ذهبوا وتبعتهم بيوتهم، فبقيت خرائب، إذا نظر إليها الناظر عرف أنها كانت قصوراً شاهقة، ذهبت. هذا لواء من ألوية الدنيا يزول، لكن لواء العلم يبقى، لواء العلم يبقى ولا يزول إلا بزوال الدهر، إلا بذهاب العلم في آخر الزمان، يبقى لواء العلم، كما ذكر كما تقدم فيما تقدم. «وبينهما، لئن رفع الغني لواء مال، لأنت لواء علمك قد رفعت». «لئن جلس الغني على الحشايا»، الحشايا: هي الفرش المحشوة، الحشايا الفرش المحشوة التي يجلس عليها الإنسان فيجد الراحة بالجلوس لكثرة الحشو من القطن والأشياء الناعمة فيها، وهي نوع من النعم، من النعم. الحشايا يجلس فيها الملوك ويجلس فيها أهل الغنى. «لئن جلس الغني على الحشايا، لأنت على الكواكب قد جلست». أين الارتفاع بين من يجلس على الكواكب ومن يجلس على حشايا، ربما لا تزيد عن شبر من الأرض؟ فرق كبير. العلماء على منابر من نور، العلماء شأنهم عظيم. «لئن جلس الغني على الحشايا، لأنت على الكواكب قد جلست». هذه المقابلة لطيفة في غاية البلاغة وحسن السبك، فهو شاعر مجيد. «وإن ركب الجياد مسومات»، الخيل المسومة: هي التي تكون مرعية ومعلمة، ومعلمة تقول العرب: خيل مسومة إذا كانت معتنى بها في الرعاية، مسمنة معتنى بها، كذلك معلمة، خيل معلم. ولا شك أن الخيل المسومة من نفائس الخيل، الخيل المسومة من نفائس الخيل، وهي التي جمعت بين أنها مرعية بحسن الرعاية، وأنها معلمة بحسن العلم والأدب. «وإن ركب الجياد»، وهي الخيول والأفراس، «وإن ركب الجياد مسومات، لأنت مناهج التقوى ركبت». المناهج: هي الطرق، والمراد بها الطرق العالية، أي ركبت أعلى المناهج وأعلى الطرق التي ترفعك رفعة عظيمة، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، فالله عز وجل رفع شأن المتقين. «ومهما افتض أبكار الغواني»، الغواني: جمع غانية، وهي الجارية الحسناء، سميت بذلك لأنها استغنت أو غنيت بجمالها عن الزينة. الغواني: جمع غانية، وهي الجارية الحسناء، سميت بذلك غانية لأنها غنيت بحسنها وجمالها عن الزينة. «ومهما افتض أبكار الغواني، فَكَمْ بِكْرٍ مِّنَ الْحِكَمِ افْتَضَضْتَ»، أي من مسائل العلم الغامضة التي هي ألذ الملال وأعظم الحلاوات: حلاوة العلم. قدمنا فيما سبق ما يعانيه، يعانيه العلماء في حلاوة العلم، ذكرنا ما قاله ابن تيمية حين فتح عليه السجن من معاني القرآن، وأنه كان يقول: «لو بذلت لهم هذه القلعة ذهباً ما جزيتهم شكر ما تسببوا لي فيه من الخير»، أي من فهم معاني القرآن. وكان بعض الحفاظ كالسيوطي، ربما إذا وجد فائدة قام يرقص دون أن يشعر لشدة الفرح الذي يصيب، شهوة الجماع. «ومهما افتض أبكار الغواني»، شهوة تزول في دقائق معدودة وتزول، لكن لذة الفائدة العلمية وتحرير المسائل العلمية وما يفتح الله على العالم يبقى سنوات طويلة، وكم له من الأجور عند الله عز وجل. «وليس يضرك الإقتار شيئاً إذا ما أنت ربك قد عرفت»، أي أن رزقك مكتوب مأتي إليك، هو آت إليك، الرزق آت إليك يطلبك، فلو لك في الدنيا درهم فسيأتيك هذا الدرهم، فلن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها وعملها، كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: «لا بد أن يأتيك مالك». فإذا كنت ممن يأكل الخبز والماء فأنت في الحقيقة إن شبعت بذلك وقنعت به كمن يأكل اللحم وألذ الطعام، إنما اللذة في الفم وفي اللسان، وبعد أن يجاوزها أكلك وأكله سواء، المطاعم في أول الفم، وأما فيه إذا وصل إلى المريء، إلى المريء وإلى المعدة، خبز وماء وتمر كلحم وقديد وأنواع من ألذ الفواكه، كلها سواء، لا فرق، إنما الفرق في أول الطعام. «وليس يضرك الإقتار شيئاً»، ولهذا جاء في مسند الإمام أحمد، ضرب الله مثلاً مرفوعاً عن ابن عباس فيما أذكر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ضرب الله مثلاً»، يقول الله عز وجل: «مثل طعام، مثل الدنيا كمثل طعام ابن آدم، وإن قزحه وملحه، فلينظر إلى ما يصير»، فلينظر إلى ما يصير، أي هذا الطعام الفاخر نهايته ما هو معلوم، إذن فضلات. فعلى هذا، إذا كان جوعك يسده كسرة خبز وماء تشربه شربة ماء، فأنت وملوك الأرض سواء، لا فرق بينكما إلا في نظر الجاهل. كيف إذا كنت ممن عرف الله بأسمائه وصفاته، وعلم من علوم الله عز وجل ما لا يعلمه هذا الذي يملأ بطنه ويعظم كرشه كما يقال؟ «وليس يضرك الإقتار شيئاً إذا ما أنت ربك قد عرفت». «فماذا عنده لك من جميل، إذا بفناء طاعته أنخت»، هذا تشبيه بليغ، أي إذا كنت على فناء طاعة الرحمن منطرحاً على عتبة العبودية، ساجداً بقلبك لربك سبحانه وتعالى، تشكو إليه وتستغفره وتسبحه وتحمده، ما أعظم لذة ذلك الموقف أمام ملذات الدنيا! سجدة واحدة بقلبك بين يدي الله عز وجل خير من الدنيا وما فيها. «فماذا عنده لك من جميل، إذا بفناء طاعته أنخت»، أنت ولي من أولياء الله، أنت ولي من أولياء الله، معظم عند الله عز وجل، مكرم عند الله عز وجل في الدارين. قال الحسن: «إنهم وإن»، أي أهل الدنيا، «وهل المعاصي إلا قطعت بهم البغال، وهملجت بهم البراذين؟ إن ذل المعصية لا يفارقهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه». وكان بعض السلف يقول: «إنا لفي لذة لو علم بها الملوك وأبناء الملوك لجالوا دونها بالسيوف». وكان بعض السلف يقول: «إنه لتمر بي أوقات فأقول: لو كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه»، أي من هذا الحال الطيب والسعادة في لذة العبادة والمناجاة والخلوة بالله جل وعلا، «لو كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه»، أي في نعيم الجنة الذي نخبر عنه، «إنهم لفي عيش طيب». «إنها جنة الدنيا»، قال ابن تيمية لابن القيم: «إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة»، في الدنيا جنة موجودة، من دخلها وجد فيها ألوان أنواع السعادة والراحة والطمأنينة والحياة السعيدة، حتى إنه يظن أنه بالجنة، جنة عدن والفردوس الأعلى. «فماذا عنده لك من جميل، إذا بفناء طاعته أنخت». «فقابل بالقبول لنصح قولي، فإن أعرضت عنه فقد خسرت»، هذا تقدم ذكر في قبول النصيحة، وأنها من سمة العقلاء. «وإن راعيته قولاً وفعلاً وتاجرت الإله به ربحت»، أي ربحت إذا كنت مخلصاً لله في طلبك للعلم، فأنت تعقد الصفقة مع الله جل جلاله، تريد المتاجرة مع الله جل جلاله، تطلب الأجر من الله في طلبك للعلم مخلصاً لله عز وجل. «وإن راعيته قولاً وفعلاً»، أي نصح وطبقته بقولك وبفعلك، «وتاجرت الإله»، هذا إخلاص نية لله عز وجل في عملك، وأنك تعامل الله وتتاجر معه بالعمل الصالح، وتلك التجارة التي لن تبور: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾. «فليست هذه الدنيا بشيء، تسوءك حقبة وتسر وقتاً، وغايتها إذا فكرت فيها كفيئك أو كحلمك إذ حلمت، سجنت بها وأنت لها محب، فكيف تحب ما فيه سجنت؟». والوقت يداهمنا فنقف عند هذا، ونكمل في المجلس القادم بقية الأبيات. هذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.