الدرس في مقدمة في أصول الدين 1، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يبيّن المقطع أن أول واجب دعت إليه الرسل هو توحيد الله وعبادته وحده، وأن النطق بالشهادتين شرط لصحة الإيمان لمن يقدر عليه. ويرد على الجهمية القائلين بأن الإيمان مجرد معرفة قلبية دون قول أو عمل.
يشترط المقطع لصحة الإيمان اجتماع ثلاثة أركان: النطق باللسان، والتصديق بالقلب، والعمل بالجوارح، مبيناً أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. ثم ينتقد انحراف المتصوفة المتأخرين عن الكتاب والسنة، موضحاً أن نسبة "الصوفي" تعود للبس الصوف لا للصفاء، ومؤكداً أهمية النوافل وترك الشهوات لزيادة الإيمان.
يوضح المقطع أن قسوة القلب تنشأ عن الكفر ونقض العهود، مما يجعل القلب أبعد عن الله وغير منتفع بالمواعظ. كما يشدد على أن الأعمال لا تصح ولا تُقبل إلا بنية صادقة مخلصة لله منذ بداية العبادة واستمرارها، وأن الرياء يبطل العمل في أي موضع منه.
أعلن المحاضر التوقف عند هذا الحد على أن يُكمل غداً بقيّة أبيات الناظم. وختم كلامه بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لازلنا في أول متن صفوة الزبد للعلامة أحمد بن رسلان رحمه الله تعالى. وكنا قرأنا أمس مقدمته التي افتتح بها هذا النظم، وهذه المنظومة المشهورة التي تداولها أهل العلم شرحاً وحفظاً وتعليقاً وغير ذلك. والنظم كما تقدم في كلام الناظم رحمه الله يسهل حفظها على الأطفال، نافعة لمبتدئ الرجال، تكفي مع التوفيق للمشتغل إن فهمت وأتبعت بالعمل، فهو متن كافٍ في بابه، شامل لمسائل هذا المذهب من مذاهب أهل السنة والجماعة، ومن مذاهب أهل الحديث، وهو مذهب الإمام الشافعي رحمه الله. ثم ذكر رحمه الله مقدمة في العقيدة قلد فيها غيره من شيوخه ومما تداوله أهل زمانه. وقد ذكرنا أمس أن أهل السنة والجماعة يعذرون المخطئ والمقلد المخطئ في أصل الدين؛ لأنه ليس بصاحب هوى، ولا ممن عقد الولاء والبراء على بدعته ومخالفته. ويخرج عن هذا من صاحب الهوى الذي والى وعادى على بدعته، وولى وعادى على مخالفته، فهذا لا يعذر، بل يحكم عليه بمقتضى مخالفته. هذا ما قرره أهل السنة والجماعة كما أبانه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وغفر له، ففرق بين مقلد لغيره، وبين معاند موالٍ معادٍ فيما خالف فيه الحق، هذا باب وهذا باب. ونرجو إن شاء الله أن مثل صاحب النظم ممن قلد غيره، ولو ظهر له ضعف هذا المذهب وأنه مخالف للأدلة لتركه؛ فإنه كان على جانب عظيم من الزهد، والزاهد زاهد في الشرف، وزاهد في المال، وزاهد في المكانة، فيعان إن شاء الله تعالى على قبول الحق والصدع به. فنرجو أن الله يعذرهم على ما وقعوا فيه من خلل، وأن يغفر لهم ويرحمهم. يقول في مقدمته في العقيدة: أول واجب على الإنسان معرفة الإله باستيقان والنطق بالشهادتين اعتبرا لصحة الإيمان ممن قدرا إن صدق القلب وبالأعمال يكون ذا نقص وذا كمال فكن من الإيمان في مزيد وفي صفاء القلب ذا تجديد بكثرة الصلاة والطاعات وترك ما للنفس من شهوات فشهوة النفس مع الذنوب موجبتان قسوة القلوب وإن أبعد قلوب الناس من ربنا الرحمن قلب قاسي هذا جزء من المقدمة التي افتتح بها هذه المنظومة، وذكر فيها مسائل عديدة. أولها: المسألة المشهورة عند أهل الكلام: ما هو أول واجب على الإنسان؟ ولهم فيها ثلاثة أقوال عند المتكلمين: تارة يقولون أول واجب النظر، وتارة يقولون المعرفة، إلى آخر كلامهم. وجميع ما ذكروه مما ذكروه في أول واجب، سواء كان النظر أو الاستدلال أو المعرفة، خطأ مصادم للأدلة. فإن الله أرسل الرسل والأنبياء إلى أقوامهم، فأول واجب قاموا به ودعوا إليه هو التوحيد، الأمر بالتوحيد. ما من نبي إلا قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾، ولم يقل لهم انظروا، ولم يقل لهم اعرفوا ربكم معرفة تامة، بل ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾. ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. هذا أول واجب وهو التوحيد. وأما المتكلمون فعندهم أول واجب النظر، والناظم مشى على قول من قال أول واجب المعرفة، والمراد المعرفة بأن الله موجود وأن الله خالق. وهذه المعرفة حاصلة عند أهل الشرك، هذا النوع من المعرفة موجود عند أهل الشرك؛ فإنهم لم ينكروا الله، وإنما زعموا أنه يجوز لهم أن يعبدوا غير الله ليكون واسطة تقربهم إلى الله زلفى. ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، ﴿قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ الآيات. فهم يعرفون ربهم سبحانه وأنه موجود وأنه معبود وأنه خالق، ولكنهم صرفوا العبادة لغير الله عز وجل. وهذا الكلام فيه تناقض، وفيه دور كما يقول أهل الجدل والأصول، فيه دور. قال الناظم رحمه الله: «أول واجب على الإنسان معرفة الإله باستيقان». طيب، الراجح في هذه المسألة ما عليه أهل السنة والجماعة: أن أول واجب دعت إليه الرسل هو الأمر بالتوحيد، بعبادة الله عز وجل، أن يعبدوا الله ويجتنبوا الطاغوت، يعبدوا الله ما لكم من إله غيره. هذا الذي جاءت به الرسل، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة. ومذهب المتكلمين مذهب متناقض، مذهب متناقض. قال رحمه الله: «والنطق بالشهادتين اعتبرا»؛ أي لا بد حتى يكون المرء مسلماً أن يتلفظ وينطق بالشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. لا بد أن يتلفظ بالشهادتين. يقول رحمه الله: «والنطق بالشهادتين اعتبرا لصحة الإيمان ممن قدرا» أو «ممن قدرا»؛ يخرج عن هذا العاجز الذي لا يستطيع الكلام لخرس أو بكم أو نحو ذلك، هذا يكفيه الإشارة، ويكفيه أن يأتي بشيء يفهم منه أنه نطق بالشهادتين: كتابة وإشارة أو قرينة دالة على التلفظ بالشهادتين. أما من يستطيع التلفظ بالشهادتين فلا بد، ولا يصح منه الإيمان كما يقول الناظم إلا إذا تلفظ بالشهادتين. ومتى امتنع دل على ردته وكفره. متى امتنع دل على ردته وعلى كفره. أيها الذنب الله، متى امتنع فهو كافر ليس بمسلم. يقول رحمه الله: «والنطق بالشهادتين اعتبر لصحة الإيمان ممن قدر». أظن النسخ ما جاءت اليوم الظهر، كان مفروض تأتي، جاءت ما جاءت النسخ. طيب، نقرأ إن شاء الله ونعيد بعدين بأسئلة وكذا. قال رحمه الله تعالى: وهذا فيه رد أيضاً على الجهمية القائلين إن الإيمان هو المعرفة وأنها كافية، فالمؤلف يرد عليهم. هذا أصاب فيه البيت، هذا كلام فيه صحيح. «والنطق بالشهادتين اعتبرا» خلافاً للجهمية الذين يقولون تكفي المعرفة، تكفي المعرفة ولا يشترط النطق، ولزم من قولهم أن إبليس مؤمن لأنه عرف ربه، قال: ﴿رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ إلى آخره، وفرعون كذلك. قال رحمه الله: «إن صدق القلب وبالأعمال». «إن صدق القلب» يقول المصنف رحمه الله: لا بد من التصديق بالقلب، ومن حصول أعمال القلب. وهذا أيضاً رد على الكرامية، هذا رد على الكرامية الذين يقولون إن الإيمان يكفي فيه القول، فهو يرد في هذا على الكرامية أيضاً. «إن صدق القلب» فلا بد من قول القلب وهو التصديق والإقرار، ولا بد من عمل القلب أيضاً من الإخلاص ونحو ذلك من العبادات القلبية. إذن لا بد من قول اللسان، ولا بد من اعتقاد القلب الشامل لقول القلب وعمله. ثم قال المصنف رحمه الله: «وبالأعمال» هذا رد على مرجئة الفقهاء الذين أخرجوا الأعمال عن مسمى الإيمان. فالإيمان ثلاثة أركان لا يكون الإيمان إلا بها: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان. لا بد من اجتماع الثلاثة، لا بد من اجتماع الثلاثة. ولهذا أشار رحمه الله إلى هذا في هذا البيت: «إن صدق القلب» أي بعد القول والنطق بالشهادتين، «وبالأعمال» ثلاثة: قول، واعتقاد قلبي، وأعمال جوارح. «وبالأعمال» ويدخل فيها أيضاً أعمال القلوب. «يكون ذا نقص وذا كمال» الإيمان يزيد وينقص، هذا من معتقد أهل السنة والجماعة ومعتقد السلف: أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. ﴿فَآمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فدل على زيادة الإيمان، والنصوص الدالة على زيادة الإيمان دالة على أن ما كانوا عليه نقص بالنسبة للزيادة. قال رحمه الله تعالى: «إن صدق القلب وبالأعمال يكون ذا نقص وذا كمال، فكن من الإيمان في مزيد، وفي صفاء القلب ذا تجديد». يذكر الناظم أنه ينبغي أن يكون المسلم في مزيد من الطاعة ليزداد إيمانه. ينبغي للمؤمن أن يكون في أعمال وأقوال تعينه على زيادة الإيمان وترفع رصيده في الإيمان. «وفي صفاء القلب ذا تجديد» هذه إشارة إلى مسألة سلوكية، إشارة إلى مسألة سلوكية يسميها بعض الناس التصوف. والتصوف مر بمراحل: فالسلف كان عندهم زهد، كان عندهم زهد في الدنيا في جاهها، وكانوا أهل إقبال على الآخرة واجتناب للمعاصي، فكانوا زهاداً رحمهم الله، وكانوا عباداً رحمهم الله، وكانت قلوبهم عامرة بالإيمان وعامرة بالتقوى. ثم جاء من الناس وابتعد من ينسبون للتصوف، وابتعدوا عن العلم، فجاءوا بأقوال وعظائم، جاءوا بأقوال عظيمة وأصلها من الجهل بالكتاب والسنة، حتى احتقروا العلم، ونظروا إلى من يطلب العلم أنه يطلب القشور والظواهر، وأنه غابت عنه البواطن والسرائر، فزهدوا في العلم. فأنكر الزهاد الأوائل كابن الجوزي وغيره من أهل الزهد، أنكروا هذه المسالك واعتبروها انحرافاً وزيغاً، وقالوا: إذا رأيت الرجل يطير في الهواء ويمشي على الماء فلا تغتر به حتى ترى موقفه من الكتاب والسنة. ثم جاء الغلاة الذين يقولون: ما في الجبة إلا الله، وما في البيضة إلا الله، وما الكلب والخنزير إلا إلهنا، وما الله إلا راهب في كنيسة. فجاءوا بكفر أعظم من كفر اليهود والنصارى، عياذاً بالله، كما جرى لابن عربي وتلمساني وابن الفارض وفلان وفلان ممن اعتبرهم أهل العلم من الملاحدة، ذكروا وألفوا الكتب، كما ألف البقاعي وابن حجر كتباً في التحذير من هذه الطوائف وألف فيهم فأجاد. علماء اليمن كابن المقري أبي بكر له قصائد عظيمة في الرد عليه. ثم يقال: هل التصوف من الصفاء من ناحية اللغة؟ هل كلمة الصوفي والصوفية مشتقة من الصفاء؟ هذه النسبة مغلوطة من ناحية اللغة العربية؛ فإنها لو كان المراد في أصل النسبة الصفاء لقالوا صفوي ولم يقولوا صوفي. وإنما هذه النسبة لأنهم عرفوا بلبس الصوف إظهاراً للتزهد، إظهاراً للزهد، فعرفوا به. والأصل أنه لا ينبغي للمسلم أن يتميز عن المسلمين في لبسه بشيء يجعله من الشريعة إلا ما ورد في الكتاب والسنة، فضلاً أن يجعل هذا اللبس يعني موضع منزلة في الدين أو غير ذلك، كما بينه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان. إذن هل كلمة الصوفي مشتقة من الصفاء من ناحية اللغة العربية؟ كلمة الصوفي هل هي مأخوذة من الصفاء؟ لو كان من الصفاء لكان صفوي، هذا في لغة العرب في النسبة إلى لغة العرب يقال صفوي، لكنها مأخوذة من لبس الصوف الذي جعلوه شعاراً لهم، ولا دليل على فضل لبس الصوف أو نحوه أو أنه سنة أو أنه يعني يتميز به الزاهد، أو أن الزاهد يظهر للناس أنه زاهد، بل الأصل يخفي عمله. يقول الناظم رحمه الله: «فكن من الإيمان في مزيد، وفي صفاء القلب ذا تجديد». هذا المعنى يحمل على الحق، وهو أن تصفي قلبك من أمراض القلوب: من الكبر والحسد والغل على المؤمنين والبغضاء ونحو ذلك، فإنها تفسد القلوب، عياذاً بالله. قال رحمه الله: «بكثرة الصلاة والطاعات». وفي الحديث: «ما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». فالتقرب إلى الله بالنوافل سبب لمحبة الله عز وجل، وسبب لزيادة الإيمان. «بكثرة الصلاة والطاعات وترك ما للنفس من شهوات» وسكون الهاء لاستقامة الوزع. «وترك ما للنفس من شهوات» فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، ولهذا أمر الله لأن لا يتابع المسلم نفسه هواها. قال رحمه الله: «بكثرة الصلاة والطاعات وترك ما للنفس من شهوات، فشهوة النفس مع الذنوب موجبتان قسوة القلوب». شهوة النفس المحرمة إذا استرسل فيها الإنسان مع استرساله في الذنوب موجبتان قسوة القلوب، يقسو قلبه، أيها الذنب الله. ولهذا ذكر الله في أهل الكتاب أنهم بسبب كفرهم قست قلوبهم: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾، فجعلت قلوبهم قاسية بسبب هذه الذنوب العظيمة من الكفر والتكذيب والعصيان الذي فعله. والله عز وجل يحذر فيقول: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. والقلب القاسي لا يرعوي بالآيات ولا بالمواعظ ولا بغير ذلك. يقول الناظم رحمه الله: «وإن أبعد قلوب الناس من ربنا الرحمن» من ربنا الرحيم، قلب قاسي. عندكم الرحمن ولا الرحيم؟ عندكم الرحيم، أنا نعم. «وإن أبعد قلوب الناس من ربنا الرحيم قلب قاسي». هذا فيه حديث عند الترمذي: «لا تكثر الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي». حديث ابن عمر عند الترمذي، لكن هذا الحديث فيه إبراهيم بن حاطب وهو مجهول، فيه إبراهيم بن حاطب، والحديث من غرائبه، من غرائب إبراهيم بن حاطب. لهذا قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن عبد الله بن حاطب. وكذلك الحديث أيضاً أخرجه مالك وجعله من بلاغاته، قال: وبلغنا أن عيسى بن مريم قال، وذكر هذا الحديث: «لا تكثر الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي». إذن المصنف استدل بهذا الحديث الضعيف، نظمه. وصاحب القلب القاسي لا شك أنه من الناس البعيدين عن الله عز وجل، وعن فهم آياته، وعن الاتعاض بها، وعن التدبر لها، وعن الانتفاع، عياذاً بالله. «وسائر الأعمال لا تخلص إلا مع النية حيث تخلص». وأدلة هذا كثيرة: قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾، والأدلة في باب الإخلاص كثيرة. قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾، ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾. وفي السنة عندنا حديث ابن عمر، حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». فالأعمال لا تنجي العباد، الأعمال المراد الشرعية وهي العبادات. «وسائر الأعمال لا تخلص إلا مع النية حيث تخلص» وتقرأ أيضاً: «إلا مع النية حيث تخلص». هذا جائز وهذا جائز، والمعنيان صحيحان في هذا البيت كما نبه عليها أهل العلم. فالنية لا بد منها قبل العمل وفي العمل. النية لا بد منها قبل العمل وأثناء العمل، لا بد من النية. وهناك أعمال تكفي فيها النية العامة كما نبه أهل العلم، بل نقل في ذلك أن هذا مما لا يختلف فيه. هناك أعمال يحصل للمسلم فيها الأجر بالنية العامة. تقدم الكلام على هذا عند الكلام على حديث النية، ولازلنا في النية. قال: «فصحح النية قبل العمل، صحح النية قبل العمل»؛ أي قبل شروعك في العبادة أخلص النية في تلك العبادة. فمن أراد أن يصوم صيام الفرض أو نفل فيجب عليه أن يسبق عمله النية، لا بد أن يسبق عمله النية. لحديث: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». لا بد أن يسبقه النية، لا بد. يخرج من هذا صوم النافلة، فيجوز النية، يجوز النية في أثناء العمل. هناك بعض الأعمال تشرع فيها النية في أثناء العمل مثل صوم النافلة. يقول رحمه الله تعالى: «فصحح النية قبل العمل وأتي بها مقرونة بالأول كالصلاة». لا بد أن يأتي بها في أول العبادة، لا بد أن يأتي بها في أول العبادة. فإن حصل الخلل في النية في أثناء العمل، الخلل في النية قد يكون في قبل العمل: كان يصلي لغير الله، هذا رياء المنافقين. ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾، هذا رياء المنافقين، هذا العمل باطل. وذكر الله عز وجل أيضاً في المشركين كذلك: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾، ذكر الله في المشركين كذلك أنهم يقومون بطراً ورئاء الناس، فهذا أيضاً العمل باطل. هذا يسمى رياء المشركين، يسمى رياء المشركين. قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾، هذا رياء المشركين. فلا بد من كما يقول الناظم: «فصحح النية قبل العمل وأتي بها مقرونة في الأول». تأتي بها في أول العمل. قلنا وتستثنى من ذلك بعض الأعمال، تستثنى من ذلك بعض الأعمال كصوم النافلة، يشرع في أثناء العمل ويحسب له إن شاء الله تعالى. فإن النبي صلى الله عليه وسلم دخل في النهار فقال: «هل عندكم من طعام؟» قالوا: لا، قال: «فإني إذن صائم». هذه نية في صيام نافلة، هذه نية في صيام النافلة. وأما قول الناظم رحمه الله: «وأتي بها مقرونة بالأول، وإن تدم حتى بلغت آخرة، حزت الثواب كاملاً في الآخرة». «انتدم» النية من أول العمل إلى آخر العمل، حزت الثواب كاملاً. لكن إن حصل في أثناء العمل أن راء الإنسان المخلوقين والتفت إليهم، فهذا فيه كلام عند أهل العلم، وصور: إن كانت هذه المراءة قد نقضت أصل النية الأولى، فاتجه العمل إليهم اتجاهاً كلياً، فهذا يبطل العمل عند أهل العلم. إذا كانت النية قد أبطلت النية الأولى التي هي نية الإخلاص والدخول في العمل، كمن يصلي مثلاً ثم ينوي بصلاته مخلوقاً، ينوي بصلاته مخلوقاً بعد أن كان نوى بصلاته وجه الله، هذا على خطر عظيم، وتبطل صلاته بهذه النية؛ لأنه أراد المخلوق، أراد المخلوق. والآيات صريحة في إبطال العمل في مثل هذا الموضع، في سورة الإسراء، في سورة الشورى، وغيرها من السور. طيب، نقف ها هنا ثم نكمل إن شاء الله وتعالى غداً بقية أبيات الناظم. وهذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.