جريمة السرقة

الخطبة بعنوان جريمة السرقة، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 23 جمادى الآخر 1442هـ الموافق 5 فبراير 2021م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحريم السرقة وعقوبتها

السرقة جريمة محرمة في الإسلام وتعتبر من كبائر الذنوب، وقد حكم الله بقطع يد السارق كعقوبة له وصيانة للمجتمع.

تفاصيل تحريم السرقة وتفاوت إثمها

السرقة محرمة وتزداد إثمًا في أزمان وأمكنة معينة، مثل سرقة الجار أو في رمضان أو في المساجد أو من المال العام.

التوبة من السرقة وإرجاع الحقوق

يجب على من سرق أو أخذ مالًا بغير حق أن يبحث عن صاحبه ويرده إليه، فإن لم يعرفه أو مات فعليه أن يبحث عن ورثته.

الأذان للصلاة ومفهومه

الأذان هو نداء إسلامي يرفع ليدعو المسلمين إلى أداء الصلاة، يتضمن التكبير والشهادتين والدعوة إلى الصلاة والفلاح.

  • 23 جمادى الآخرة 1442هـ - 05/02/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، اعلموا رعاكم الله أن من الأخلاق الردية ومن السلوكيات الرزية ومن الجرائم الدنية ما يقوم به بعض الناس من مدّ أيديهم إلى متاع غيرهم فيأخذونه على حين غفلةٍ منهم. إن جريمة السرقة لهي جريمةٌ قد تناهى قبحُها في شرع الله، فحرمها ربنا جل وعلا في كل الملل والنحل. قال سبحانه في قصة يوسف على لسان إخوته: ﴿قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين﴾. قال إمام السعدي رحمه الله عند هذه الآية: "إن السرقة من أكبر أنواع الفساد في الأرض". وإننا في هذه الأزمان لابتلينا بفشو هذه الظاهرة، حتى رأينا من بعض الناس من رجالٍ ونساء وصغارٍ وكبار تمتدُ أيديهم لأخذ متاعٍ الآخرين من أموالٍ ومبالغ ومجوهرات، أو من سرقة مركوبات من سياراتٍ ودراجات، أو من سرقة بعض البضائع من مطعوماتٍ أو ملبوسات. وقد تكون هذه السرقة بالأخذ من البيوت والمنازل والمحلات، أو من مراكز التسوق ومن الدكاكين والمكتبات، وهكذا قل من المصانع والمعارض والشركات، بل حتى الشوارع والطرقات ما سلمت من السرقات، والله المستعان. عباد الله، إن جريمة السرقة لهي إشارة إلى ضعف إيمان صاحبها. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن». فالسارق ليس من عداد المؤمنين الذين أمنه الناس على أموالهم وأغراضهم وأمتعتهم، فإذا به يخونهم فيقوم بالسرقة. وأخبر عليه الصلاة والسلام عن مدى جرم هذا الداء، فقال عليه الصلاة والسلام: «لعن الله السارق، لعن الله السارق». فالسارق ملعون على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام، هو مطرود من رحمة الله، نسأل الله السلامة والعافية. ولهذا عد العلماء السرقة من كبائر الذنوب، وأن صاحبها متوعد بالعقوبة في الدنيا والآخرة. وقد حكم الله جل وعلا على صاحب هذا الذنب العظيم بقطع يده، تأديبًا له بإزالة هذا العضو والذي قد أصبح ضرره أكثر من نفعه، وصيانة للمجتمع حتى يتقي شره، وهو عبرة لكل من يعتبر لمن فكر أن يسلك مسلكه. قال سبحانه: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسب نكالًا من الله والله عزيزٌ حكيم﴾. وبهذا الحكم سيرتدع السارق عن سرقته، وحينها ستأمن المجتمعات على أموالهم وأغراضهم. ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون﴾. وإن هذا الحكم الرباني ليستوي فيه كل فرد من أفراد المجتمع، الذكر والأنثى، والشريف والوضيع، والعظيم والحقير. فعندما سُرقت امرأة مخزومية حلية، فأراد نبينا صلى الله عليه وسلم أن يقيم الحد عليها، قام إليه أسامة بن زيد وأراد أن يشفع فيها، فقال عليه الصلاة والسلام: «أتشفع في حد من حدود الله؟». ثم خطب عليه الصلاة والسلام قائلًا: «إنما أهلك الذين من قبلكم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد». أي والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. عباد الله، مع أن السرقة من الأمور المحرمة، إلا أن حرمتها تزداد إثمًا وتضاعف وزرًا باعتبار ما يحفها من قرائن وأحوال وأمكنة وأزمان. فالسرقة من القريب ذنبها أعظم من سرقة البعيد. روى الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات، أحب إليه من أن يسرق من بيت جاره». فالسرقة من الجار إثمها عظيم، وذلك لقربه. فما ظنك يا عبد الله بالذي يقوم بسرقة أقرب الناس إليه، كمن يسرق من أبويه، أو يسرق من إخوانه؟ فإن الأمر أشد وأعظم. وهكذا تضاعف إثم السرقة ويزداد جرمها، وذلك في الأزمان المباركة، كحال من يسرق في رمضان. كما بلغنا عن بعض النسوة -أصلحهن الله- وهكذا الأمر لا يخلو عند بعض الرجال أنهم ينتهزون أدنى فرصة عند تسوقهم في أخذ وسرقة بعض المطعومات والملبوسات بحجة الاستعداد ليوم الأعياد، سبحان الله، دون مبالاة بحرمة رمضان وبحرمة لياليه المباركة. وما تفطنوا أن المعصية في رمضان أشد إثمًا في غيرها من الأزمان. وهكذا مما يعظم به إثم السرقة، فيزداد وزرها ويُعظم إثمها إذا كانت السرقة في الأماكن المشرفة، كالسرقة في بيوت الله في المساجد. إذ أننا ابتلينا بأناس لم يجعلوا لحرمة الله لبيوت الله حرمة، فما رفعوا لها رأسًا وما ألقوا لها بالًا، فإذا بهم يقتحمونها أو أنهم يأخذون ما يجدون فيها، يأخذون ما يجدون في المساجد إما في فنائها أو في ضاحيتها أو في دورات المياه دون إرجاعه إلى أهلها أو السؤال عن أصحابه. إذا كانت المساجد ليست محلا للأمن والأمان، قولوا لي بربكم فأين سنجد هذا المحل؟ والله المستعان، وعليه التكلان. أقول قولي هذا، وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فلنعلم عباد الله في هذا المقام في بيان حرمة وجريمة السرقة، وأن من المحرمات كما دل على ذلك دلالة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة. وعلمنا أن إثمها ليعظم باعتبار بعض الأحوال بالنظر في الأمكنة والأزمان. وأيضًا مما تضاعف به إثم السرقة أن تكون السرقة من المال العام، وهو المال الذي يشترك فيه كل فرد من أفراد المجتمع بالانتفاع العام، كالسرقة من المنشآت الحكومية، أو كسرقة المستشفيات أو المدارس أو الشوارع والطرقات بسرقة الإنارات، وبنزع الكيابلات، أو بخطف وسرقة اللوائح واللافتات، وقائمة يطول ذكرها. كل ما كان من المصلحة العامة فأخذها وسرقتها أعظم عند الله جل وعلا من السرقة من المال الخاص. وكما قال الله جل وعلا: ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة﴾. عباد الله، وإن مما يناسب ذكره في هذا المقام لو أن شخصًا ابتلي بالسرقة إما في صغره في فترة جهله أو في كبره في مرحلة غيه، وأراد الآن أن يتخلص من تبعات السرقة وأن يبرأ إلى الله من جرمها ومن إثمها ووزرها، فما الذي ينبغي عليه؟ اعلموا عباد الله أن من أخذ أموال الناس بغير حق وجب عليه أن يردها لأصحابها، فلا تكون التوبة إلا بذلك. قال عليه الصلاة والسلام: «من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض أو مال فليتحلل منها اليوم قبل أن يأتي يوم لا يكون فيه دينار ولا درهم». فلا تصح التوبة إلا بإرجاع الحق إلى أهله. إذا وجب عليك أن تبحث عن غريمك، ثم تسلمه المتاع المسروق إن بقيت عينه، أو تعطيه قيمته مقداره، أو تتفقا على ما تصطلحا عليه. وأما إن كان من أمر صاحب المال أنه قد عفى عنك، فالقول قوله والحق حقه، وأن تعفو أقرب للتقوى. فإن خشي التائب من حدوث فتنة من كشف أمره وبمعرفة خبره، قال العلماء في هذه الحال: إن خشي من تسليم المال بنفسه، فحينها يستعين بغيره بأن يرسل المبلغ مثلًا مع شخص من الأشخاص، أو يجعله في ظرف، أو يودعه في حساب. لأن القصد من ذلك هو إرجاع الأمانات إلى أهلها بأي طريقة إن كانت. فإن قدر أن صاحب الحق قد مات أو قد فقد، فحينها يا عبد الله ابحث عن ورثته، فسلم لهم المتاع والمال المسروق. فإن قدر أنه لا ورثة لديه، أو لا يعرف ما حل بهم بعد البحث عنهم، فحينها قال العلماء: يتصدق بهذا المال بنية صاحبه لا بنيتك، بنية صاحبه. فإن قدر بعد الصدقة أن عثر على صاحب الحق أو على ورثته، فإن هم أجازوا له الفعل -أي رضوا عنه بهذه الصدقة- فذاك، وإلا فإن طالبوه بمالهم وجب أن يعيد المال إليهم. بهذا يا عبد الله تبرأ الذمة التي بينك وبين خلق الله، وعليك بالاستغفار حتى يتوب الله عليك. أما من لم يبادر بهذا كل بل هو لا يزال يستسهل ويسترسل في أمر السرقة، أو لا زال يحتفظ بالمسروقات، أو ما أراد أن يتحلل أو أن يسامح أو أن يرجع الأمانات إلى أهلها، فأمره إلى الله، فأمره إلى الله. قال عليه الصلاة والسلام: «أيما جسد نبت من سحت فالنار أولى به». أي جسد نبت من سحت فالنار أولى به. ومن لم يؤدي حقوق العباد في هذه الدنيا سيؤديها غصبًا ولزومًا يوم القيامة، لكن ما هناك دنانير، ما هناك متاع. لن تجد المال المسروق، وإنما يكون الأمر كما جاء في حديث المفلس: يؤخذ من حسناتك من صلاتك وصيامك، فيعطى لغرمائك حتى إذا فنيت حسناتك، يؤخذ من سيئاتهم فطوض على ظهرك، فتلقى حينها في النار، نسأل الله السلامة والعافية. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. اللهم من أراد بلادنا اليمن وسائر بلاد المسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أراد بلادنا خاصة وسائر بلاد المسلمين بسوء، اللهم اشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميرًا عليه، يا رب العالمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قوموا إلى صلاتكم رعاكم الله. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح.