الدرس في كتاب البيوع 4، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
الصلح جائز ومشروع في الإسلام ويصح في الأموال، وهو نوعان: إبراء ومعاوضة. الإبراء هو التنازل عن بعض الحق، والمعاوضة استبدال الحق بشيء آخر.
الحوالة عقد يقضي بنقل دين من ذمة إلى أخرى، وشرائطها أربعة: رضا المحيل، قبول المحتال، كون الحق مستقرا، واتفاق ما في ذمة المحيل والمحال عليه. تبرأ ذمة المحيل بالحوالة.
يتناول هذا الفصل أحكام الضمان والكفالة، حيث يشرح شروط صحة الحوالة والضمان، ويبين أحكام مطالبة صاحب الحق للضامن والمضمون عنه، كما يتطرق إلى الكفالة بالبدن ومسؤولية الكفيل عند عدم حضور المكفول.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال القاضي أبو شجاع الأصفاني رحمه الله في كتابه متن الغاية والتقريب: فصل، ويصح الصلح مع الإقرار في الأموال وما أفضى إليها، وهو نوعان: إبراء ومعاوضة. فالإبراء اقتصاره من حقه على بعضه، ولا يجوز تعليقه على شرط. والمعاوضة عدوله عن حقه إلى غيره، ويجري عليه حكم البيع. ويجوز للإنسان أن يشرع روشنا في طريق النافذ بحيث لا يتضرر المار به، ولا يجوز في الدرب المشترك إلا بإذن الشركاء. ويجوز تقديم الباب في الدرب المشترك، ولا يجوز تأخيره إلا بإذن الشركاء. هذا الفصل فيما يتعلق بالصلح، والصلح لغة: قطع النزاع، وشرعا: عقد يحصل به ذلك، يعني قطع النزاع بين المتنازعين. والصلح جائز ومشروع، قال الله جل وعلا: ﴿والصلح خير﴾، وقال جل وعلا: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما» رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. قال: ويصح الصلح مع الإقرار في الأموال، يعني الثابتة في «الذمة»، كان يطالب زيد عمرا بمال فيقر له بذلك، مثلا يقول زيد لعمر: أنا أطالبك بردي المائة ألف التي أعطيتك، فيقول له عمر: نعم، أنا أقر بذلك، لكن الآن لا يوجد عندي هذا المبلغ، فيصطلح على أن يسقط شيئا من قيمة هذا الدين ويوفي له بالباقي، هذا جائز. ومفهوم كلامه أنه مع الإنكار لا يصح، وفي هذا خلاف بين أهل العلم، هل يصح الصلح مع الإنكار؟ صورته: أن يقول زيد لعمر: أنا أطالبك بمئة ألف، فينكر عمر أن يكون له مئة ألف، ثم يقول: نصطلح مثلا على خمسين ألفا، هل يصح مثل هذا الصلح أم لا؟ هذا فيه خلاف. فذهب الشافعي: أنه لا يصح، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يصح، باحتمال أن يكون المبلغ عليه قد نسي، أنه أخذ دينا من فلان من المدعي، فلا بأس أن يصطلح على شيء من المال. قال: وصح الصلح مع الإقرار في الأموال وما أفضى إليها، يعني ما أفضى إلى الأموال، كاستحقاق القصاص، فصالحه منه على مال، يعني مثلا اعتدى زيد على عمر فكسر يده، فالقصاص أن تكسر يد زيد كما كسرت يد عمر، فقال عمر: أنا أصالحك بدل القصاص بكذا وكذا، مثلا من قيمة الدية أو طلب زيادة مثلا على الدية المقررة، فلا بأس. قال: وهو نوعان: إبراء ومعاوضة، فالإبراء اقتصاره من حقه على بعضه، كما ذكرنا، وهذا يسمى صلح الحطيطة، يعني أنه يحط شيء من الدين لأجل أن يوفي له بما بقي، فيصح بلفظ الإبراء وبلفظ الحط. ومثاله: أن يطالبه بمائة ألف، فيقول: الآن ما عندي، فيقول: أحط عنك من المائة ثلاثين ألفا وأعطني سبعين، هذا إبراء، يعني يقتصر من حقه على بعضه ويتنازل عن البعض الآخر، هذا جائز. ودليله ما ثبت بالصحيحين أن كعب بن مالك طلب من عبد الله بن أبي حدرد دينا له عليه، وارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهما فنادى: «يا كعب»، قال: لبيك يا رسول الله، قال: «ضع الشطر»، قال: قد فعلت، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «قم فقضه»، يعني قال لابن أبي حدرد: قم فقضه، يعني يعطيه النصف، ووضع عنه كعب النصف، هذا هو الإبراء. قال: ولا يجوز تعليقه على شرط، يعني ما يقول: خلاص إذا جاء رأس الشهر فأنا أصالحك على النصف، أو إذا جاء فلان من السفر، أو إذا ولدت امرأتي، أو نحو ذلك من التعليق، لا يعلق هذا الإبراء، بل يكون الإبراء في الحال. قال: والمعاوضة: عدوله عن حقه إلى غيره، ويجري عليه حكم البيع، هذا يسمى معاوضة، أن يعدل عن حقه إلى غيره، ويجري عليه أحكام البيع، من حيث الخيار، خيار المجلس والشرط، والرد بالعيوب، وتقابض في الجنس الربوي. ومثاله: استدان زيد من عمر ألف ريال سعودي، جاء وقت السداد، قال زيد: ما عندي الآن ألف سعودي، إما أن تصبر علي وإما أن أعطيك بدلها بقيمة أخرى، مثلا بالريال اليمني، فنقول: يجوز، لكن بشرط أن يكون بقيمة، يعني سعر الصرف باليوم، مع التقابض، لأن هذا يعتبر صرفا، فلا بد فيه من التقابض، وأن يكون بسعر اليوم. قال: ويجوز للإنسان أن يشرع روشنا في طريق النافذ، معنى يشرع: يعني يخرج، والروشا هو الجناح وامتداد جزء من السقف فوق الجدار خارجا عنه إلى الطريق، يعني مثل الصب التي تفعل فوق الباب. قال: ولا يجوز في الدرب المشترك إلا بإذن الشركاء، الدرب هو باب المسكن المتسع أو السكة الواسعة، إذا كان هذا الدرب شركاء، فلا يجوز أن يخرج هذا الروشا إلا بإذن الشركاء، لأن كل واحد منهم له حق في ذلك، بالإذن أو المنع. ويجوز تقديم الباب في الدرب المشترك، ولا يجوز تأخيره إلا بإذن الشركاء، فالدرب المشترك ما علمنا، باب السكة الواسعة، يجوز أن يقدم الباب في هذا الدرب، لأنه لا مضرة عليهم في التقديم على الشركاء، يعني فيجوز، وإن لم يؤخذ إذن الجميع، لأن هذا ليس فيه ضرر. بخلاف التأخير، قال: ولا يجوز تأخيره إلا بإذن الشركاء، لأن تأخيره قد يكون فيه شيء من الضرر والتضييق، فلا بد من إذن بقية الشركاء، هذا كله من باب دفع الضرر، لا ضرر ولا ضرار. قال: فصل، وشرائط الحوالة أربعة أشياء: رضا المحيل، وقبول المحتال، وكون الحق مستقرا في الذمة، واتفاق ما في ذمة المحيل والمحال عليه في الجنس والنوع والحلول والتأجيل، وتبرأ بها ذمة المحيل. هذا الفصل يتعلق بأمر الحوالة، والحوالة لغة: التحول والانتقال، وشرعا: عقد يقضي نقل دين من ذمة إلى ذمة أخرى. والأصل في جوازه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «مطل الغني ظلم، فإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع». والحكمة في ذلك: أن الغني يماطل في سداد الدين مع القدرة، فإذا أحيل على من هو أيسر منه، فلا بأس. قال: وشرائط الحوالة أربعة أشياء: رضا المحيل، يعني الذي عليه الدين، وهو في المثال: عمر، الذي عليه الدين، فعمر هو المحيل، لا بد من رضاه في الحوالة، لماذا؟ لأن هذا الحق في ذمته، وهو المطالب بسداده، فلا بد من رضاه. قال: وقبول المحتال، وهو زيد الذي يطالب بدينه، فلا بد أن يقبل المحتال بالحوالة، لأن للمحيل أن يسدد هذا الحق ويعطي صاحب الحق من أي أحد شاء أو أراد، وحق المحتال هو في ذمة المحيل، فلا ينتقل إلا برضاه. قال: وكون الحق مستقرا في الذمة، يعني يكون هذا الحق الذي يطالب به زيد عمرا مستقرا في الذمة، لا يكون شيء غير مستقر، مثل الصداق قبل الدخول، أو طلب الأجرة قبل مضي المدة المحددة، فلا بد أن يكون الحق مستقرا في الذمة، كدين أخذه منه، استدان منه مالا فيطالبه به. قال: واتفاق ما في ذمة المحيل والمحال عليه في الجنس والنوع والحلول والتأجيل، فمثلا زيد طالب عمر بريالات يمنية، فلا بد أن يكون عمر يطالب محمدا مثلها، تكون عليه عنده دين بنفس هذه العملة، فلا يصح مثلا أن يطالب زيد عمر بريالات يمنية، وعمر يطالب محمدا بريالات سعودية، هنا اختلف النوع، لا بد أن يكون يعني يتفق ما في ذمة المحيل والمحال عليه في الجنس والنوع. قال: وتبرأ بها ذمة المحيل، يعني إذا أحال عمر زيدا إلى محمد، تبرأ ذمة عمر من هذا الدين، فيطالب زيد بعد ذلك محمدا. فصل: ويصح ضمان الديون المستقرة في الذمة إذا علم قدرها، ولصاحب الحق مطالبة من شاء من الضامن والمضمون عنه إذا كان الضمان على ما بينا. وإذا غرم الضامن رجع على المضمون عنه إذا كان الضمان والقضاء بإذنه، ولا يصح ضمان المجهول، ولا ما لم يجب إلا درك المبيع. هذا الفصل يتعلق بالضمان، والضمان في اللغة: الالتزام، وشرعا: التزام حق ثابت في ذمة الغير، أو إحضار عين مضمونة، أو بد من يستحق حضوره. قال: ويصح ضمان الديون المستقرة في الذمة إذا علم قدرها، ويدل عليه ما جاء في البخاري، حيث سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن رجل مات ولم يترك إلا ثلاثة دنانير، فقال: «صل عليه»، فقال: إنه عليه دين، قال: «صل على صاحبكم»، فقال أبو قتادة: أنا أضمن دينه، فصلى عليه. قال: ولصاحب الحق مطالبة من شاء من الضامن والمضمون عنه، يعني إذا جاء وقت السداد، فلعمر أن يطالب زيدا أو يطالب محمدا، له أن يطالب هذا أو يطالب هذا، لأن زيد هو الأصل الذي في ذمته الدين، ومحمد هو الضامن الذي ضمنه بسداد الدين. قال: وإذا غرم الضامن رجع على المضمون عنه، إذا كان الضمان والقضاء بإذنه، يعني بإذن المضمون عنه، فالآن مثلا عمر سدد منه زيد، وضمنه محمد، طيب عمر طالب محمدا، فسدد له هذا الدين، سدد له هذا الدين، فهنا محمد يرجع ويطالب زيدا، يطالب زيدا بالدين الذي أعطاه لعمر. قال: ولا يصح ضمان المجهول، يعني إذا كان الدين مجهولا فلا يصح، لماذا؟ لما فيه من الغرر والجهالة، يعني يقول مثلا زيد لعمر: أنا أطالبك بدين، يقول: نعم، يقول محمد: أنا أضمن دين زيد، طيب يضمنه في ماذا؟ الدين مجهول غير معلوم، هذا لا يصح. قال: ولا ما لم يجب إلا درك المبيع، يعني أن يثبت ويستقر في الذمة، كان يقول: ضمنت لك ما استقرضه فلان، يعني هنا الآن ما لم يجب، أي ما لم يجب سداده، مثل نفقة الزوجة المستقبلة، هذا شيء لم يجب، فلا يضمن. وقوله: إلا درك المبيع، هو أن يضمن للمشتري الثمن إذا خرج المبيع مستحقا لغير البائع، أو معيبا، فهذا ضمان لما لم يثبت ويستقر، وجاز للحاجة، يعني مثلا اشترى زيد من عمر سلعة، ثم تبين أن هذه السلعة ليست لعمر، وإنما هي لمحمد، فيضمن لزيد ثمن هذه السلعة، فهذا جائز من أجل إدراك هذا البيع. فصل: والكفالة بالبدن جائزة إذا كان على المكفول به حق لآدمي، الكفالة هي كالضمان، إلا أن الضمان في الأموال، والكفالة في الأبدان. قال: والكفالة بالبدن جائزة، يعني أن يضمن الإنسان إحضار المستدين عند وقت سداد الدين، إحضار المستدين عند مجلس الحكم، هذه جائزة، قال: إذا كان على المكفول به حق لآدمي، يعني يطالب طالبه بمال أو نحو ذلك من الحقوق. ويستأنس بقول الله جل وعلا: ﴿فخذ أحدنا مكانه﴾. فإذا أتى الكفيل بالمكفول برئت ذمة الكفيل، يعني مثلا محمد أتى بزيد إلى عمر، برئت ذمة محمد، ما عليه شيء، ثم يتفاهم عمر مع زيد. فإذا لم يحضره، يعني مثل كان الاتفاق أن يأتي زيد إلى عمر بعد شهر، وكفله محمد، مضى الشهر ولم يأتي محمد بزيد، نمسك محمد: تعال نحبس محمد حتى يأتي بزيد، أنت كفلته، أنت تتحمل، إلا إذا تعذر حضوره بموت أو نحو ذلك، فحينئذ ليس على محمد شيء. ولهذا الكفالة كما يقول بعض أهل العلم: أولها شهامة، وأوسطها ندامة، وآخرها غرامة. والله أعلم. صلى الله عليه وسلم.