كتاب الجنايات 3

الدرس في كتاب الجنايات 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحكام دية الخطأ وتفاصيلها

دية الخطأ في الإسلام تكون بالإبل، وتنتقل إلى قيمتها أو غيرها من الأموال عند عدم وجودها، وتغليظ الدية في حالات معينة مثل القتل في الحرم أو الأشهر الحرم.

تفاصيل تغليظ الدية وحالات خاصة

تغلظ الدية في حالات القتل في الحرم أو الأشهر الحرم أو قتل ذي رحم محرم، وتختلف دية المرأة وغير المسلم باختلاف دينه، حيث تُعتبر دية المرأة المسلمة نصف دية الرجل المسلم.

دية الأعضاء والجراحات

دية المجوسي ثلث دية المسلم، وبعض الأعضاء إذا جني عليها تستوجب دية كاملة مثل الجفون الأربعة واللسان والشفتين، ويستند ذلك إلى حديث عمرو بن حزم وأقوال الصحابة والعلماء.

  • 23 جمادى الآخرة 1442هـ - 05/02/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. قال القاضي أبو شجاع الأصفاني رحمه الله في كتابه متن الغاية والتقريب، المشهور بمتن أبي شجاع: في كتاب الجنايات قال: فإن عدمت الإبل، انتقل إلى قيمتها، وقيل: ينتقل إلى ألف دينار أو إثني عشر ألف درهم، وإن غلظت زيد عليها الثلث. وتغلظ دية الخطأ في ثلاثة مواضع: إذا قتل في الحرم، أو قتل في الأشهر الحرم، أو قتل ذا رحم محرم. قوله: إذا عدمت الإبل انتقل إلى قيمتها، وقيل: ينتقل إلى ألف دينار أو إثني عشر ألف درهم. هذه المسألة وهي ما هو الأصل في الدية، هل الأصل هي الإبل فقط، أو الإبل والدنانير من الذهب والفضة والبقر والغنم إلى آخره؟ وهكذا أيضا الحلي، هذه المسألة فيها خلاف. نعم، أما كون الإبل هي الأصل في الدية، هذا متفق عليه بين أهل العلم، أن الأصل في الإبل هي الدية، كما نقل الإجماع الإمام القدامى رحمه الله في المغني، وهكذا الإمام النووي في المجموع. لكن اختلفوا: هل الإبل وحدها فقط، أو هناك شيء كذلك مع الإبل؟ القول الأول: أن الدية هي الإبل فقط، فإذا عدمت الإبل انتقل إلى قيمتها، إلى قيمة الإبل. وهذا قوله: فإن عدمت الإبل انتقل إلى قيمتها. وهذا هو قول الإمام الشافعي رحمه الله في الجديد. قوله في الجديد: أن الدية هي في الإبل فقط، فإذا عدمت الإبل انتقل إلى قيمتها. وهذا القول هو أيضا قول إمام أحمد رحمه الله. وهنا قول آخر: أن الدية هي من الإبل، الأصل هي الإبل، وينوب عنها الذهب والفضة والغنم والبقر. وهذا القول هو قول الإمام الشافعي رحمه الله في القديم، وأشار له بقوله: وقي إلى ينتقل إلى ألف دينار. هذا قول الشافعي في القديم. وقال به كذلك الإمام أحمد رحمه الله، وهو قول عمر رضي الله عنه. وقال به عطاء وطاووس وفقهاء المدينة السبعة، وبه كذلك قال الإمام مالك، وروي أيضا عن علي ومن عباس. ورجع هذا القول شيخ الإسلام ابن تيم رحمه الله، وكذلك الشيخ العلام محمد ابن إبراهيم آل الشيخ. هو أيضا ترجيح علامة العثيمين رحمه الله. هؤلاء قالوا: بأن الأصل في الدية الإبل، ويقوم مقامها الذهب من الدنانير والفضة والغنم والبقر. ما هو الدليل؟ ما جاء في سنن أبي داود من حديث جابر رضي الله عنه قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدية على أهل الإبل مئة، وعلى أهل البقر مئتي بقرة، وعلى أهل الغنم ألف. والحديث حسن، وله شواهد. وكذلك أيضا في سنن أبي داود من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن عمر رضي الله عنه لما غلت الإبل قام في الناس خطيبا، فقال: أيها الناس، إن الإبل قد غلت، فقوموا على أهل الذهب بألف دينار، وعلى أهل البقر بمئتي بقرة، وعلى أهل الشاه بألفي شاه، وعلى أهل الحلل بمئتي حلة. وهذا الأثر صحيح. فدل هذا الحديث مع أثر عمر رضي الله عنه على أن الأصل في الدية هي الإبل، وينوب عنها ما ذكره في هذا الحديث وهذا الأثر: الذهب ألف دينار، ومن الفضة اثنا عشر ألف درهم، ومن الغنم ألف غنمة، ومن البقر مئتا بقرة، ومن الحلي مئتا حلة. هذا هو الأظهر، والله تعالى أعلم. قال: وإن غلظت زيد عليها الثلث، إذا غلظت الدية زيد عليها الثلث، يعني يؤخذ من الجاني دية وثلث دية. قال: وتغلظ دية الخطأ في ثلاثة مواضع: إذا قتل في الحرم، أو قتل في الأشهر الحرم، أو قتل ذا رحم محرم. إذا قتل في الحرم يعني حدود الحرم، إذا قتل في حدود الحرم هذا مما تغلظ به الدية، أو في الأشهر الحرم إذا قتل في الأشهر الحرم، وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب، أو قتل ذا رحم محرم يعني قتل قريبا له وهو محرم من محارمه، وهو محرم من محارمه، كأن يقتل المرء أخاه أو يقتل أخته أو يقتل عمته أو يقتل خالته أو يقتل عمه أو ابن عمه. فهنا تغلظ الدية، تغلظ الدية لحرمة هذه الأشهر أو حرمة المكان كالحرم أو حرمة القرابة التي بين هذا الإنسان وبين محرمه. والقول بذلك روي عن عمر رضي الله عنه وعن عثمان وابن عباس. نعم، أثر عمر فيه مقال، وأما أثر عثمان فهو صحيح، رواه ابن أبي شيبة والبيهقي من طريق ابن أبي نجيح عن أبي فزارة أن رجلا في هذا الأثر وطئ امرأة في الحرم وقتلت، فقضى عثمان رضي الله عنه بديه وثلث الديه. قضى بديه وثلث الديه. وجاء كذلك عنهم، أي عن عمر وابن عباس وعثمان أيضا في تغليظ الديه. وقال به الإمام أحمد: أنه إذا قتل محرما فعليه ديه وثلث، إذا قتل محرما فعليه ديه وثلث، وإذا قتل محرما في الحرم فعليه ديه وثلثي الديه، عليه ديه وثلثي الديه. وإذا قتل محرما في الحرم وفي الأشهر الحرم فعليه ديه وديه، هذا يعني من باب التغليظ. قال: ودية المرأة على النصف من دية الرجل، دية المرأة على النصف من دية الرجل، إذا قتلت المرأة وطلب بدية فديتها نصف دية الرجل. طبعا المرأة المسلمة، الكلام هنا على المرأة المسلمة الحرة. ديتها على النصف من دية الرجل المسلم. وجاء في حديث عمرو بن حزم: ودية المرأة على النصف من دية الرجل. وبهذا قال عمر وعثمان وعلي ومسعود رضي الله وتعالى عنهم. بل نقل الإمام المنذر رحمه الله الإجماع على ذلك، على أن دية المرأة على نصف من دية الرجل. فكم سيكون في دية المرأة؟ خمسون من الإبل، نعم، خمسون من الإبل. قال: ودية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم، ثلث دية المسلم. دية المسلم كم؟ مئة من الإبل. الثلث كم؟ ثلاثون وثلث بعير. هكذا ثلاثون ثلث بعير. ما هو الدليل؟ استدلوا بما رواه الشافعي في الأم أنه قال: قضى عمر وعثمان رضي الله عنهما في دية اليهودي والنصراني بثلث دية المسلم. وهذا القول قال به الإمام الشافعي رحمه الله، وهكذا أيضا الإمام أحمد في رواية. وأيضا قال به الحسن وعطاء. والقول الثاني: أن دية اليهودي والنصراني على النصف من دية المسلم، أن دية اليهودي والنصراني على النصف من دية المسلم. وهذا القول رجع إليه الإمام أحمد رحمه الله، وقال به، وذلك لصحة الحديث الوارد فيه. فقد جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دية المعاهد نصف دية المسلم». دية المعاهد نصف دية المسلم. وفي لفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بأن عقل أهل الكتاب نصف عقل المسلمين. رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن، وصححه الألباني رحمه الله. وهذا القول هو الصواب الذي لا ينبغي القول بخلافه. ولهذا قال الإمام الخطابي رحمه الله: ليس في دية أهل الكتاب شيء أثبت من هذا. إذن دية اليهودي والنصراني على النصف من دية المسلم. المسلم ديته مئة من الإبل، إذن اليهودي والنصراني ديته خمسون من الإبل، مثل دية المرأة المسلمة. قالوا: أما المجوسي ففيه ثلث دية المسلم، المجوسي طبعا اليهود والنصارى معروف هم أهل الكتاب، اليهود يعني هم من ينتسب إلى موسى عليه السلام، وآخر أنبياء من إسرائيل، والنصارى من ينتسبون إلى عيسى عليه السلام. وأما المجوسي فالمجوس هم عباد النار. قال: المجوسي ففيه ثلث دية المسلم، لأنه جاء في الأثر أن عمر رضي الله عنه قضى بأن المجوسي ديته ثمانمائة درهم. ثمانمائة درهم وهي ثلث دية المسلم. وروي مثل ذلك أيضا عن علي ومسعود، وانتشر ذلك في الصحابة. نعم، وروي أيضا عن عثمان ومسعود رضي الله تعالى عنهم، وهو قول أحمد ومالك. إذن هو قول الشافعي ومالك وأحمد وأكثر أهل العلم، وهو المروي عن الصحابة عمر وعثمان وعلي. ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة، فيكون إجماعا. طبعا خالف أبو حنيفة، أبو حنيفة يقول: الكافر اليهودي والنصراني ديته كدية المسلم. قال: وتكمل دية النفس في قطع اليدين والرجلين والأنف والأذنين والعينين والجفون الأربعة واللسان والشفتين وذهاب الكلام وذهاب البصر وذهاب السمع وذهاب الشم وذهاب العقل والذكر والأنفين. يقول: تكمل دية النفس، يعني هناك أطراف وأعضاء إذا جني عليها وجبت الدية كاملة مع كون الإنسان ما زال حيا. فتجب له الدية كاملة وهو حي. والقاعدة في هذا الباب أن كل عضو في الإنسان منفردا، إذا جني عليه فيه وجبت الدية كاملة. إذا جني عليه في هذا العضو فأتلف فله الدية كاملة. وما كان منه عضوان ففي كل عضو نصف الدية، وفي العضوين الدية كاملة. قال: وتكمل دية نفسه في قطع اليدين إلى آخره. ما هو دليل هذا؟ ما جاء في حديث عمرو بن حزم في الكتاب الذي أرسله النبي صلى الله عليه وسلم معه إلى أهل اليمن، وفيه ذكر الفرائض والسنن والديات. ومما فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب: أن في النفس الدية مئة من الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية. الصلب يعني إذا امتنع من الجمع أصبح لا يستطيع الجمع. قال: وفي العينين الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية. وفي رواية: وفي اليد الواحدة نصف الدية. وفي رواية عند البيهقي: فالأذن خمسون من الإبل، وفي السمع إذا ذهب الدية تامة. الحديث جاء عند الإمام النسائي والبيهقي وغيرهما، والحديث فيه شيء من الضعف والإرسال، لكن تلقاه العلماء بالقبول، وعملوا به. وفي بعض ألفاظه لها شواهد، يعني يصحح بها أو يحسن بها بعض ألفاظه هذا الحديث. قال: في قطع اليدين يعني تكمل الدية في قطع اليدين، إذا جنى إنسان على إنسان فقطع يديه. المراد باليد الكف مع الأصابع، إذا قطعت اليد من المفصل الأولى والثانية فدية كاملة. دية كاملة إذا كان يد واحدة نصف الدية، خمسون من الإبل تجب. قال: والرجلين كذلك، إذا قطعت الرجلان قطعهما من مفصل القدم ففيه دية كاملة، وفي الواحدة نصف الدية. قال: والأنف كذلك، الأنف إذا قطعه كاملا كما قال في الحديث: والأنف إذا أوعب جدعه الدية. إذا أوعب جدعه الدية، لأن الأنف يعني له منفعة وجمال، فإذا جني عليه فيه ففيه الدية. قال: والأذنين يعني إذا جني على أذنيه قطعت الأذنان اليمنى واليسرى ففيها الدية، سواء كان يسمع أو كان أصم. إذا أزيلت الأذن أو كلتا الأذنين ففيها الدية كاملة. قال: والعينين إذا أعتدي على الإنسان في عينيه وصار أعمى بعد أن كان مبصرا فله الدية كاملة، بكل عين خمسون من الإبل، ففي العينين الدية. وهذا أيضا مجمع عليه، ما نقله الإمام المنذر الإجماع على ذلك، وعلى أي وصف كانت العين فله الدية، لو كان أعمش أو أعشى. الأعمش من يسيل يعني الدمع من عينه، وهكذا الأعشى يعني الذي لا يبصر في الليل، أو كان أخفش، ومن كان صغير العين. المهم في الجميع سواء أن في العين الواحدة نصف الدية أو في العينين الدية. قال: والجفون الأربعة، الأجفان رتاء العين، هذه الأجفان أربعة، أجفان عليا وسفلى، كل عين فيها جفنة عليا وسفلى، هذه الأربعة الأجفان فيها الدية في أربعتها، وفي الواحدة ربع الدية. قال: واللسان، اللسان عضو واحد، ففيه الدية إذا قطع ففيه الدية، لقوله: وفي اللسان الدية. قال: والشفتين، الشفتان فيهما الدية، نعم. وحد الشفة يعني عرضا إلى الشدقين، وطولا ما يغطي اللثة، أي فوق الأسنان. صلى الله وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.