الدرس في التعليق على الجواب الكافي 100، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر وآراء العلماء المختلفة حول هذا التقسيم. يشير إلى أن بعض العلماء يرون أن كل الذنوب كبائر بينما يرى آخرون فرقًا بينها بناءً على العدد والحدود الشرعية.
يتناول شرح حديث النبي حول محقرات الذنوب ويبين أهمية النظر إلى عظمة الله عند ارتكاب الذنوب. يشير إلى أن بعض الذنوب أعظم عند الله من غيرها كما هو مبين في الآيات والأحاديث.
يشرح أن التفاوت بين المعاصي والطاعات يعود إلى قربها أو بعدها من التوحيد، حيث أن المعصية القريبة من الشرك تكون أكبر. يبين أن الشرك الأصغر أكبر من كبائر الذنوب.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، فإن شاء الله فعلا نقرأ في الدواء. كنت أردت أن أقول العصر، لكن نسيت، ونجعل القراءة في النبذة في الثلاثة والأربعة إن شاء الله. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قالوا الذين لم يقسموا الذنوب إلى كبائر وصغائر على الدنوب فصحيح، كما ذكر المؤلف، أن أكثر العلماء أنهم قسموا الذنوب إلى كبائر وصغائر، واختلفوا في العدد، عدد الكبائر. والصحيح أنها ليست لها عدد معين، لكن لها حد، كما ذكر الشيخ الإسلام المترجم رحمه الله، وهي كل ما ترتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة أو نهي أو غضب أو عقوبة، فهذا يعتبر كبيرا. وهذا أيضا نسبي، أو ذكر عن ابن عباس وعن جماعة من السلف. وكذلك أيضا الإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة. أما الذين لم يقسموا الذنوب إلى كبائر وصغائر، قال الحافظ ابن القيم رحمه الله: قالوا الدنوب كلها بالنسبة إلى الجراءة على الله سبحانه وتعالى ومعصيته ومخالفة أمره كبائر. فانظر إلى من عصى أمره وانتهك محارمه، وجب أن تكون الدنوب كلها كبائر، وهي مستوية في هذه المفسدة. أن يقولوا أن الدنوب بالنسبة لجراءة العبد على الله أنه يخالف الله جل وعلا، فهذا يعتبر، لا فرق بين صغيرة وكبيرة. لهذا يقول بعض السلف: لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى من عصيت، انظر إلى من عصيت. فالتجرؤ العبد على الله عز وجل في فعل المخالفات قالوا يعتبر هذا كبيرا. قالوا ويوظف هذا أن الله سبحانه لا تضره الذنوب ولا يتأثر بها، فلا يكون بعضها بالنسبة إليه أكبر من بعض، فلم يبق إلا مجرد معصيته ومخالفته، ولا فرق في ذلك بين ذنب وذنب. لكن الأدلة دلت على أن هناك كبائر كما تقدم في ذكر الحديث ذلك. قالوا ويدل على أن مفسدة الذنوب تابع للجراءة، لكن هذا القول معنى ليس المراد أنهم يعترضون على التقسيم، لكن أرادوا أن يبينوا أن المعصية تكبر بجراءة العبد عليه وعدم مبالاته بهذا الإثم. قالوا ويدل على أن مفسدة الذنوب تابع للجراءة والتوثب على حق الرب تبارك وتعالى. ولهذا لو شرب رجل خمرا أو زنى أو وطئ فرجا حراما وهو لا يعتقد تحريمه، لكان قد جمع بين الجهل وبين مفسدة ارتكاب الحرام. ولو فعل ذلك من يعتقد تحريمه لكان أتى بإحدى المفسدتين، وهو الذي يستحق العقوبة دون الأول. فدل على أن مفسدة الذنب تابع للجراءة والتوثب. معنى الذي لا يعلم أنه الحرام قد يعذر، لماذا؟ لأنه لم يتجرأ أو فعل هذا وهو لا يعلم أنه حرام، بخلاف الذي يتعمد هذا الأمر. قالوا ويدل على هذا أن المعصية تتضمن الاستهانة بأمر المطاع ونهيه وانتهاك حرمته، وهذا لا فرق فيه بين ذنب وذنب. ولهذا فالاستهانة موجودة في فعل المعصية. ولهذا من الخطأ أن يقال أن الاستهانة تعتبر ردة، وهذا قاله بعض الدعاة المعاصرين، القصاص، فجعل الاستهانة بالمعصية ردة، وهذا كلام باطل، بل هذا من كلام الخوارج. وإنما ما من إنسان يأتي بمعصية إلا وهو هان أمره عليه، هان أمره عليه. فالاستهانة موجودة في المعصية. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إياكم ومحقرات الذنوب». وفي حديث عبد الله بن مسعود: «إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن إذا اجتمعن على الرجل أهلكناه». فسماها محقرات الذنوب لأنها يحتقرها، وهذا يعتبر من الاستهانة، يحتقر هذا الذنب، لا يراعي فيه غضب الله أو لا يراعي فيه ربه جل وعلا ومراقبته أو لا يراقب فيه الله سبحانه وتعالى. قالوا: فلا ينظر العبد إلى كبر الذنب وصغره في نفسه، ولكن ينظر إلى قدر من عصاه وعظمته وانتهاك حرمته بالمعصية. وهذا لا يختلف فيه الحال بين معصية ومعصية. فإن ملكا عظيما مطاعا لو أمر أحد مملوكيه أن يذهب في مهمة له إلى بلد بعيد، وأمر آخر يذهب في شغل له إلى جانب الدار، فعصياه وخالفا أمره، لكان في مقته والسقوط من عينه سواء. وهذا ليس بصحيح، لأن هذا يخالف الأدلة، فهناك في الأدلة ما يفرق بين ذنب وذنب. مثلا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته». بيّن أن الله عز وجل يغار، وإذا انتهك العبد حرمته بالزنا، فيبيّن أن هذا أمر أعظم عند الله عز وجل، حتى أنه يغار سبحانه جل وعلا. وكذلك أيضا تجد أن بعض الذنوب جاءت الأدلة قوية جدا في الزجر، حتى قال في الربا رب العالمين سبحانه وتعالى: «فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله». حرب بين المرابي، الله عز وجل يعلن عليه الحرب، وهذا يدل على أمر أن هذا أمره شديد، أي الربا. كذلك القتل، النصوص التي جاءت في القتل نصوص شديدة. وهذا كله يدل على اختلاف هذا الأمر، فليس انتهاك حرمة المعصية كله سواء. قالوا: لهذا كانت معصية من ترك الحج من مكة وترك الجمعة وهو جار المسجد أقبح عند الله معصية من تركه من المكان البعيد. والواجب على هذا أكثر من الواجب على هذا. ولو كان مع رجل مئتا درهم فمنع زكاتها، ومع آخر مئتا ألف درهم فمنع زكاتها، لا يستويان في منع ما وجب على كل واحد منهما، ولا يبعد استواءهما في العقوبة إذا كان كل منهما مصرا على منع الزكاة، قليلا ماله كان أو كثيرا. ثم أن ذكر الآن الإمام ابن القيم هذين القولين في هذه المسألة، ثم قال: وكشف الغطاء عن هذه المسألة أن يقال: إن الله عز وجل أرسل رسله وأنزل كتبه وخلق السماوات والأرض ليعرف ويعبد ويوحد ويكون الدين كله له والطاعة كله له والدعوة له. كما قال جل وعلا: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾، وقال تعالى: ﴿وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق﴾، وقال تعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما﴾، وقال: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم﴾. فأراد بالذكر هذه الآيات أن الله عز وجل ما خلق الخليقة إلا لعبادته وطاعته سبحانه وتعالى، ما خلق السماوات والأرض إلا لعبادته وطاعته جل وعلا، أي ليعبد العبد ربه جل وعلا ويعرف ربه. فقال: فأخبر سبحانه أن القصد بالخلق والأمر أن يعرف بأسمائه وصفاته ويعبد وحده لا شريك به، وأن يقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض. فما قال الله عز وجل: فقد أرسلنا رسولنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط. قال: فأخبر سبحانه أنه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل. ومن أعظم القسط التوحيد، وهو رأس العدل وقوامه. وأن الشرك ظلم، كما قال جل وعلا: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾، فالشرك أظلم الظلم، والتوحيد أعدل العدل. فما كان أشد منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر، وتفاوتها في درجاتها بحسب منافاتها له. وما كان أشد موافقة لهذا المقصود فهو أوجب الواجبات وأفرض الطاعات. أن كلما كانت العبادة أقرب إلى التوحيد كانت من أوجب الواجبات. وأيضا المعصية إذا كانت من أقرب إلى الشرك وأشد منافاة لعبادة الله جل وعلا، فإنه يكون من أكبر الكبائر، أنها تكون أقرب إلى الشرك بالله والكفر. قال: فتأمل هذا الأصل حق التأمل، واعتبر به بتفاصيل تعرف به حكمة أحكم الحاكمين وأعلم العالمين فيما فرضه على عباده وحرمه عليهم، وتفاوت مراتب الطاعات والمعاصي. وخلاصة ما أراد ذكره رحمه الله أن يبين أن التفاوت موجود، أن التفاوت بين المعاصي موجود ولابد، لأنه قد جاءت به النصوص. لكن الحكمة في ذلك أن ما كان أقرب إلى هدم عبادة الله عز وجل، أعني أن أقرب إلى الشرك بالله، كان من أكبر الكبائر. ولهذا يقول العلماء كما ذكر الشيخ الإسلام ابن القيم كما سيذكره فيما بعد: أن الشرك الأصغر مع أنه لا يخرج من الملة، لكنه أكبر من كبائر الذنوب والمعاصي. ولهذا فإن كثيرا من العلماء يدخلون الشرك الأصغر في عدم المغفرة. الله عز وجل يقول: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، فالشرك لم يميز هل هو أكبر أو أصغر. ولهذا أكثر أئمة الدعوة، أنا من شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وكثير من أحفاده يقولون أن الشرك الأصغر داخل في هذه الآية. وهذا أيضا أحد قولي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أنه داخل في الشرك أو في عدم المغفرة. فلهذا فكلما كان أقرب إلى هذا التوحيد، فكلما كان أعظم وأكبر. وكلما كان أبعد، كلما قلت حرمة هذه المعصية. قال رحمه الله: فلما كان الشرك بالله منافيا بالذات لهذا المقصود، كان من أكبر الكبائر على الإطلاق. وحرم الله الجنة على كل مشرك، وأباح دمه وماله وأهله لأهل التوحيد، وأن يتخذوهم عبيدا لهم، أي بالأسر، لما تركوا القيام بعبوديته. وأبى الله سبحانه أن يقبل من مشرك عملا، أو يقبل له شفاعة، أو يستجيب له في الآخرة دعوة، أو يقبل له فيها عذرا، أو يقبل له فيها رجاء. بل ربنا سبحانه وتعالى يخزيهم. وكلما صرحوا فيها جاء الجواب: «قالوا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين». قال الله عز وجل: «قال اخسئوا فيها ولا تكلمون». قال: فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله، حيث جعل له من خلقه ندا، وذلك غاية الجهل به، كما أنه غاية الظلم منه. وإن كان المشرك في الواقع لم يظلم ربه، وإنما ظلم نفسه. فإن شاء الله تعالى نكمل بهذا. نكون في درس آخر إن شاء الله. والله تعالى أعلم. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. رشاد، لا إله إلا الله.