الدرس في مسائل وأحكام عشر من ذي الحجة 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُنبه الخطيب إلى أهمية استغلال العشر من ذي الحجة بالأعمال الصالحة ويحذر من إضاعة الوقت. يشير إلى أن بعض الأعمال المباحة قد تكون وسيلة لعمل صالح وتؤجر عليها.
يحذر الخطيب من الانشغال بالملهيات والمباحات والمعاصي في العشر من ذي الحجة، ويشير إلى تضاعف السيئات في هذه الأوقات الفاضلة. يؤكد على أهمية تجنب الأعمال غير الصالحة.
يشرح الخطيب شروط قبول العمل الصالح وهي الإخلاص لله والمتابعة لهدي النبي، ويحذر من البدع والأعمال غير المشروعة. يؤكد أن العمل الصالح مردود إذا لم يكن موافقًا للشريعة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا إخواني في الله في هذا المقام نتذاكر وإياكم ما يتعلق بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، والذي قال فيه عليه الصلاة والسلام: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام». وكان حديثنا إخواني في الله حول الإشارة إلى أهم الأعمال التي دلت عليها الأدلة العامة والخاصة في ضرورة العناية بها في مثل هذه الأيام خاصة. وإن مما يذكر كذلك من المباحث المهمة في هذه المسألة، وهو المرء المسلم في أيام العشر من ذي الحجة، أمره ربنا على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام بأمر واحد، ألا وهو بالعمل الصالح، وما سوى العمل الصالح لا تنشغل به يا عبد الله، لا تنشغل بأي شيء لا يعد عملًا صالحًا. العمل الصالح هو الذي يريده ربك منه أن تؤديه وأن تكثر منه، بل هو الذي ينفعك، وهو الذي ينفعك الميت إذا كان في قبره. ما صاح ولا صارخ ولا تقطع ألمًا وندمًا وحسرات بمثل أن يرجع ليعمل هذا، قال: «رب ارجعون لعلي أعمل صالحًا فيما تركت». العمل الصالح، وهذا الذي رغب فيه ربنا في مثل هذه الأيام: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام». إذن لن تنشغل بغير العمل الصالح. وحينها إخواني في الله، ونحن في هذا المقام، ستظهر لنا ثلاثة أمور، هذه الأمور الثلاث لا تعد من الأعمال الصالحة. فاحرص يا عبد الله أن لا تأتيها وأن لا تقترفها. منها احرص يا عبد الله على أن لا تقع في الملهيات أو ما يكون من إضاعة الأوقات، فإن إضاعة الأوقات والانشغال بالمباحات لا يعد عملًا صالحًا بحد ذاته. فتجد أن بعض من الناس تدخل عليه العشر من ذي الحجة وهو منشغل ببنيات الطريق، منشغل بالقيل والقال، منشغل بالجلوس في الطرقات والتسكع في الشوارع، وفي البيوت يذهب غمنة ويسر بين المطاعم وبين الأسواق وبين الأصحاب وبين الزملاء، ويذهب عليه يومه وهو يقضيه على هذه الترهات، لا يستفيد منها أجرًا ولا استفاد منها عملًا صالحًا. هذا إضاعة للوقت يا عبد الله في وقت ما ينبغي أن تمر عليك دقيقة إلا وأنت تنشغل فيه بطاعة ربك. كما قلنا، هذا موسم نحن قد مرت منه أيام، ولم تبقى سوى أيام، وسينقضي، فما الذي جنيته يا عبد الله؟ فهذا إخواني، فلا مما لربما جر الشيطان الكثير من الناس إليه أن يشغلهم بالمباحات وإضاعة الأوقات. ونجده هذه الأيام مثلًا، ما نسمع من بعض الناس أن ينشغل بما يسمى بالمشاعيل، لم يقتصر الأمر على أن ينشغل به الصغار، بل وصل الأمر إلى أن ينشغل به الشباب والكبار. وإن كانت هذه الظاهرة ولله الحمد قد آلت إلى انهيار وإلى الاضمحلال لقلة من يعمل بها، لكن تتجدد بين الفترة والأخرى. تجد أن الناس يستعدون لدخول العشر من ذي الحجة حتى ينشغل بطاعة ربه، وبينما نجد من الآخرين من يستعد بالطبول والدفوف ومثل هذه الأمور حتى يرقص ويزمر ويغني. ما هذا يا عبد الله؟ استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله، أنساهم ذكر الله، وهذه من أعظم الغفلة. أعظم الغفلة يا عبد الله أن تنشغل بالمباحات بالملهيات، تنشغل بما لا ينفعك لا في دنيا ولا في الآخرة. فلا تقع يا عبد الله في مثل هذا الأمر، فإن هذا ليس من العمل الصالح، إلا إذا كان المباح وسيلة لعمل صالح، فأنعم بهذه الوسيلة، فإنك ستؤجر عليها. مثل رجل صائم، ثم أراد أن ينام قيلولة حتى يتقوى على استكمال صيامه، طيب، فهذا النوم إن كان مباحًا تؤجر عليه يا عبد الله. أو أنك تجلس مع إخوانك في قيل وقال، لكن فيما ينفع في دين، في دنيا، جلوس مع إخوانك تحبهم في الله وهم يحبونك في الله، تؤجر، وإن كان قيل وقال، لكن في أمر مما يحبه الله ويرضاه، جمعك هذا المجلس بأخيك، لا شيء سوى أنك تحبه لله وفي الله، تؤجر عليه. فالمباح إخواني في الله، إذا جر إلى تعظيم طاعة أو جر أنك تحتسب الأجر عند ربك، فأنعم بهذا المباح الذي تؤجر عليه. أما أنك تنشغل بمباحات، وهي في الحقيقة تصدك عن ذكر الله سبحانه وتعالى، فتمر عليك الساعات الطوال، الساعات الطوال من العصر إلى المغرب إلى العشاء وأنت فيها قال وقال، قال وقلنا، ذهبوا وفعلوا، تركوا المباراة الفلانية والدور الفلاني، ما ينفعك هذا يا عبد الله؟ ستذهب عليك الأيام، حينها ستعض على أصابع الندم. إما في الدنيا إن أعطاك الله علمًا بما ضاع من هذا الموسم، أو يوم القيامة، فقد أخبر عليه الصلاة والسلام أن ما من قوم جلسوا مجلسًا -مجلسًا بغض النظر عن هذا المجلس- لم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم حسرة. مجلس يعقد، تجلس فيه لا تذكر اسم الله فيه، فإن هذا المجلس سيكون عليك حسرة وندامة يوم القيامة. فما ظنك إذا كان هذا المجلس قد قضيته في مثل هذه المواسم، بدل أن تنشغل بمجالس القرآن أو بمجالس العلم أو بمجالس الذكر، تشغله بالقيل والقال، فأضاعت عليك الساعات وأضاعت عليك هذه الليالي الفاضلة. فاحذر يا عبد الله من الانشغال بهذا الأمر من الملهيات والمباحات، فإنها لا تعد عملًا صالحًا. الأمر الثاني يا عبد الله، احذر من الوقوع في المعاصي وفي الحرمات والمحرمات والمعاصي والموبقات، فإنها لا تجوز. والأصل أن هذه المعاصي لا تجوز في أي زمان ولا في أي مكان على مدار العام، ما دام هذه النفس تضطرب بين جنبيك. احرص يا عبد الله أن لا تقع في معصية الله، وخصوصًا في هذه الأوقات، في المواسم المباركة، احرص أنك لا تقع في إثم. ولهذا ربنا عز وجل لما ذكر عن الأشهر الحرم، قال سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾. قال العلماء: الخطاب يعود إلى الأشهر الأربع من أشهر الله الحرم، ومنها شهر ذي الحجة، ومنها العشر الأول، فالعشر الأول تعتبر من الأشهر الحرم. هذه الأشهر ماذا أمر ربنا عز وجل؟ قال: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾. قال العلماء: وإن كان الظلم منهي عنه على مدار العام، إلا أنه في هذه المواسم فإن الظلم فيه أعظم. ولهذا قال قتادة رحمه الله تعالى: ثم بينا تفسير هذه الآية ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾، قال: فإن الظلم فيها -أي في الأشهر الحرم ومنها ذي الحجة- فإن الظلم فيها أعظم وزرًا وخطيئة. أعظم وزرًا وخطيئة أن الله يضاعفه مضاعفة. والذي عليه المرجحون من أهل السنة على أن السيئات إنما يتضاعف لا عددها، وإنما يتضاعف جرمها، إذ أن السيئة بالسيئة، وهذا من عدل الله، ومن رحمة الله بالأمة المحمدية أن جعل السيئة تساوي -يعاقبها ربنا بالسيئة- لا تضاعف السيئات، لكن المضاعف يكون بحجمها. فإذا كانت السيئة -قلنا- في أي شهر من شهر، لا في جمادى، السيئة بهذا الحجم، فإن فعلت نفس السيئة في شهر معظم، في رمضان، أو جعلت في الأشهر الحرم، فإن جرمها يعظم، جرمها يعظم. فحين تكون عقوبة أعظم، هذا الذي عليه الجماعة من العلماء، إلى أن السيئة لا يتضاعف عددها، لأن الله عز وجل عدل، جعل عقوبة السيئة بسيئة، بخلاف الحسنة، الحسنة تجاز بها بعشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فالشاهد أن السيئة يضاعف جرمها عند الله جل وعلا، فتضاعف عليك الخطيئة، ومن ثم تضاعف عليك العقوبة، هذا إن فعلت السيئة يا عبد الله في المواسم المباركة، وهذا الموسم من المواسم المباركة التي صرح العلماء أن ارتكاب الإثم فيه يضاعف. ربنا جل وعلا ضعف ما يقع فيه العبد مما سواه من الأزمان. وقول سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾، قال العلماء: يُحمل فيه على أنه ظلم العبد مع ربه، أو ظلم العبد مع خلقه، ومنها المعاصي والسيئات والذنوب والكبائر والموبقات. فلا تقع فيها يا عبد الله في هذه المواسم. فمن العجب أن تجد من الناس من لربما يتمادى -أقول يستمر- بل يتمادى في ذنبه ومعصيته في مثل هذه الأزمان، أو آخر لربما يرفع راية الشقاق والشحناء والبغضاء، ويعادي أهل الإسلام في مثل هذه الأزمان، أو ممن لو ربما يرتكب الموبقات، فيقتل النفس المحرمة، أو يسرق، أو يختلس، أو ينهب، أو يسب، أو يشتم، أو يغتاب، أو ينم، يقع في النميمة، يقع في كبائر الذنوب، وخاصة في هذا الموسم. فهذا يا عبد الله من الحرمان العظيم. فاحرص يا عبد الله ألا تقع في المعاصي والذنوب، فإنها ليست من الأعمال الصالحة. ثالثًا، الذي يخرج بهذا القيد -بقيد العمل الصالح- ما كان من البدع، فالبدع ليست عملًا صالحًا، وإن كان أصحابه، وإن كان أهله وأربابه يعدونه عملًا صالحًا. قل: هذا بنسبة إليكم يا من طمست بصائركم، لكن عند أهل الإسلام والإيمان، ومن قرأ السنة والقرآن، يعلم أن العمل الصالح يكون صالحًا عند الله جل وعلا، فعلًا بشرطين اثنين، بقيدين اثنين، بركنين أساسيين أولًا، هما الإخلاص، أنك تريد بهذا العمل وجه الله، والثاني المتابعة، أن يكون على وفق سنة نبينا عليه الصلاة والسلام. فإذا توفر هذان الشرطان -الإخلاص والمتابعة- كون هذا لديك عملًا صالحًا متقبلًا عند الله سبحانه وتعالى. فإن خرم وتخلف شرط من هذه الشروط، فمن أدى عملًا من الأعمال، لكن ما أراد به وجه الله، أراد به الرياء، أراد به السمعة، أراد به الزلفة، أراد به المصلحة الشخصية والانتفاع الشخصي، فهذا العمل مردود على وجهه، لن يقبله ربه. أما إن كان العمل إن خرم فيه شرط المتابعة، فتجد أن من عباد الله من يؤدي طاعات وعبادات ونوافل وقربات، لكن ليست على هجته، وليست على منهجه، وليست على الحالة التي أتى بها نبينا عليه الصلاة والسلام، فحينها هذا العمل الصالح مردود على وجهه. وكم نرى في هذه المواسم المباركة تحل على الناس، فينبرئ ناس للعمل الصالح، يشمرون بصلاة، بصيام، بذكر، بقراءة القرآن، بما شرع لنا، لكن تجد أن طائفة من الناس ما ترتضي هذا، فتذهب تبحث عن جديد من ماذا؟ من طقوس، من مناسبات، من مراسيم، ما أنزل الله بها من سلطان، فينشغلون بها انشغالًا عظيمًا، ويرون أن هذا أفضل وأحكم وأحسن عند الله من شريعة رب العالمين، من شريعة نبي المرسلين. لا يا عبد الله، بل خذها قاعدة: كل من أحدث أمرًا ليس على السنة، فهو مردود على وجهه. قال عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». أي مردود، ولو عملت ما عملت. ولنا عبرة بالثلاثة الذين أجتهم الحماسة وحب الطاعة والعبادة، فذاك الذي نذر أنه يصلي الليل، وآخر يصوم النهار، والثالث يعتزل النساء، كل ذلك في سبيل طلب مرضات الله جل وعلا. لكن لما قورنت عباداتهم بالسنة -لأن السنة هي المعيار، السنة هي المقياس، السنة هي الميزان في صحة الأعمال- فلما رأى نبينا أن هذه الأعمال الثلاثة على خلاف سنته، على خلاف هديه، حذر من هذه الأعمال، بل قال لأصحابها: «من رغب عن سنتي فليس مني». انظر من الذي أتوا به من أجمل الطاعات، ومن أجل القدرات والعبادات الذي يحبها الله، لكن لما خرجت عن مبدأ السنة، ليس لها أي معيار في دين الله عز وجل. ولهذا نجد في ذي الحجة إخواني في الله، من ينشغل بالبدع، في بعض القرى، ما يسمى عندهم بالتعريف، والتعريف هي بدعة معروفة في بعض الأمصار، أنهم في يوم عرفة يجتمع الناس مثلًا إلى مكان مخصوص، إلى بقعة معينة، فيجتمعون فيها، فيلحون على الله بالدعاء، تشبيهًا يشبهون أنفسهم بحال الناس في عرفة، فيرون أنفسهم بهذه البلاد، فيذهبون إلى قبر من القبور، أو إلى مكان معين، كمن يشد الرحال إلى بيت المقدس في تلكم الأزمان، فيأتون بالتعريف. هذا صرح العلماء على أنها بدعة. وهكذا قصة عبد الله، ما يفعله بعض الناس في ليلة العيد، في ليلة العيد أنه يحيي هذه الليلة بفتح المساجد ليلة العيد، ويقبل على القرآن وعلى بعض التقوس، وهذا كذلك بدعة، ما أنزل الله بها من سلطان. والحديث المروي في هذا الباب: «أن من أحيا ليلة العيد أحيا الله قلبه يوم تموت القلوب»، لا يصح البتة عن رسول الله، بل هو حديث مكذوب موضوع عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. فيا أسفًا لأناس تركوا الأحاديث الصحيحة والأعمال الواضحة البينة التي ما يمتري فيها أحد، يتركها على جنب، ثم يشتغل وينشغل بماذا؟ بالأحاديث الضعيفة والموضوعة والمكذوبة، أو بعبادات اجتهادية، وأنت وحب، بين من يقول بجوازها، ومن لا يقول بجوازها. ما الذي أدخلك يا عبد الله في هذه المتاهة؟ أقبل يا عبد الله على رحاب الدين، أعطاك الله صلاة، صيام، ذكر، قرآن، سبح الله، سبحان الله، الحمد لله، ائتي بما جاء به شرع، يكفيك. وهذا هو الضمانة، وهذا هو السلامة، من اتبع فقد سلم، سلم، أما من ابتدع فهو على شفى هلكة. فاحرص يا عبد الله على أنك لا تقع في بدع في طول حياتك، وخاصة في مثل هذه المواسم المباركة، فمع أنها أن العمل مردود على صاحبها، فإن الإثم في هذا يضاعف. خلاصة الأمر إخواني في الله، أننا في مثل هذه الأوقات نحرص على أمر واحد، ألا وهو العمل الصالح. وقد مرت الدروس السابقة في بيان موارد العمل الصالح بالتخصيص والتعميم، وخرج عن العمل الصالح هذه الأمور الثلاثة، فلا تقع في الملهيات، ولا في المباحات، ولا تقع في المعاصي والذنوب والآثام والخطيئات، ولا تقع يا عبد الله في البدع والضلالات، إذ أن هذه الثلاثة ليست من الأعمال الصالحة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.