الدرس في التعليق على دليل السالك إلى ألفية ابن مالك 18، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
ضمير الشأن هو ضمير يأتي في صدر جملة ويعود على ما بعده، ويستخدم لتفسير دلالته وبيان المراد منه. له محل من الإعراب ويختلف عن ضمير الفصل.
ضمير الشأن له خصائص تشمل كونه مبتدأ أو اسم لناسخ، وإفراده دائما، وتفضيل تجنبه لكونه مخالفا للقياس النحوي. كما يفضل تجنب الضمير المنفصل إذا أمكن استخدام الضمير المتصل.
هناك أربع حالات يمكن فيها استخدام الضمير المنفصل بدلاً من المتصل، وهي: لداع بلاغي، وبعد "إلا"، وفصل الضمير عن عامله، وبضرورة الشعر. هذه الحالات تستثنى من القاعدة العامة.
يتم ختام الجلسة بالإشارة إلى اكتفاء اليوم من الشرح أو النقاش. يعلن المتحدث انتهاء الجلسة الحالية.
الحمد لله، وصلاة وسلاما على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وبعد، إلا أننا أخذنا الذي بعده، أخذنا إذن يكفي المراجعة هذه إن شاء الله. قالوا: طيب، قبل ما ندخل في البيت الجديد، الحاشية هنا في التعليق، فائدة مهمة إن شاء الله نقرأها؛ لأنها تتعلق بالضمائر المنفصلة، وقد تقدم الكلام عليها في البيتين. قال: اعلم أن هناك نوعين من الضمير. ما إعراب «نوعين»؟ اسم «إنّه». أن هناك يعامل معاملة أسماء، يعامل معاملة الظرف، فيكون متعلقا بمحذوف خبر، و«نوعين» هو الإسم. اعلم أن هناك نوعين من الضمير، معرفتهما من الأهمية بمكان؛ يعني معرفتهما مهمة جدا. الأول يسمى ضمير الفصل، والثاني ضمير الشأن. أما ضمير الفصل فأذكره إن شاء الله في باب «إنّ» لمناسبة له هناك، وأما ضمير الشأن فأكتب عنه هذه الخلاصة. ضمير الفصل هذا ضمير ليس له محل من الإعراب، وسمي بضمير الفصل؛ لأنه يفصل بين الخبر والصفة؛ يعني يميز بينهما. ولذلك أكثر ما يقع بين اسم «إنّ» وخبرها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾. لو لم يأتِ بـ «لهو»، لصار الكلام «إنّ هذا القصص الحق»، صح؟ «إنّ هذا القصص الحق» يحتمل أن يكون «القصص» هنا صفة لاسم الإشارة، والخبر نحن في انتظاره. يقال مثلا: «إنّ هذا لهو القصص الحق»، مثلا «إنّ هذا لهو»، «إنّ هذا القصص الحق» من الله عز وجل، صح؟ يمكن أن أننا نحتاج إلى خبر، وأن هذه صفة، لكن إذا أتيت بضمير الفصل، انتهى توقع انتظار الخبر، خلاص. نحن الآن عندنا اسم وخبر «إنّ هذا لهو القصص الحق»، فصل بين الصفة وبين ماذا؟ وبين الخبر. فهمتم؟ لو قلت مثلا: «إنّ زيدا العاقل»، لا، الآن كأنك منتظر خبر، صح؟ لكن لو قلت: «إنّ زيدا هو العاقل»، خلاص، ما تنتظر شيء، خبر ما تنتظر شيء، صفة ما تنتظر شيء، خبر؛ لأن «العاقل» هو الخبر. ما الذي فصل بينه وبين الصفة؟ «هو» ضمير الفصل. ولذلك هذا سيأتي شيء من الكلام عليه في «إنّ» وأخواتها. قال: وأما ضمير الشأن فأكتب عنه هذه الخلاصة. ضمير الشأن هو ضمير يأتي في صدر جملة، بعده تفسر دلالته وتبين المراد منه، كأن يتحدث شخص عن الدنيا وتقلبها، فيقول: «هي الأيام دول»، أو يتحدث آخر عن سقوط دولة وقيام أخرى، فيقول: «إنها إرادة الله التي لا تعلوها إرادة»؛ لأن معنى الشأن يعني حقيقة الكلام المتقدم؛ يعني مضمون الكلام المتقدم، كأنه يفسر الكلام المتقدم. فالأمثلة التي ذكرها، مثلا إنسان يتحدث عن الدنيا، طيب، فيقول: «هي»، هي الآن يعود على من؟ على الدنيا، فكأنه الآن يبين حقيقة الدنيا، صح؟ كأنه يبين ماذا؟ حقيقة الدنيا، فيبين لك شأن هذه الدنيا؛ يعني مضمون الكلام المتقدم. فهذا معنى قوله: «هو ضمير يأتي في صدر جملة، بعده تفسر دلالته وتبين المراد منه». فقولك مثلا، فقوله: «هي الدنيا»، أو قوله مثلا بعد ما يتحدث عن الدنيا فيقول: «هي الأيام دول»، أين الجملة التي بعد الضمير؟ «الأيام دول»، فهذه الجملة التي أتت بعده تفسر دلالة هذا الضمير، صح؟ كأن سالي يقول: «ما هي هذه الدنيا؟» فتقول: «أي الأيام دول». ومثال الآخر كذلك، لما يتحدث عن سقوط دولة أو قيام أخرى، كأنه يقول: «إنها»، إنها هذه الدولة التي سقطت أو التي ارتفعت، ما شأنها؟ ما خبرها؟ فأنت تقول له ماذا؟ «إرادة الله التي لا تعلوها إرادة»، فكأنك فسرت هذا الضمير، واضح؟ هذا الآن. ولذلك ضمير الشأن يكون له محل من الإعراب، بخلاف ضمير الفصل. ضمير الفصل لا محل له من الإعراب الذي تقدم معنا، أما ضمير الشأن فله محل من الإعراب. ومما جاء في القرآن من أمثلة ضمير الشأن قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، كأن سالي يقول: «من هو هذا؟ من هو؟» فأنت تبين حقيقة هذا الضمير، فتقول: «الله أحد»، فهذا «الله أحد» بين لنا وفسر لنا الضمير، صح؟ فسر لنا الضمير. لذلك هو هنا يقال له ضمير الشأن، هو يقال له ماذا؟ ضمير الشأن. فهمتم هذا الآن؟ قال: ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فإذا هي، قد يقول: «ما هي؟ هي هذه؟ ما حقيقتها؟» تقول: «شاخصة أبصار الذين كفروا». قال: على القول بأن الضمير في الآيتين ضمير الشأن. قال: وسمي ضمير الشأن؛ لأنه يرمز للشأن، والمراد به مضمون الكلام الذي يريد المتكلم أن يتحدث عنه، فكأنك لما أتيت بالضمير تريد أن تتحدث عن هذا الضمير. إنسان يريد أن يتحدث عن زوجته، فيقول: «هي ذو أخلاق فاضلة وقيم سامية»، وكذا يصف ويبين؛ يعني كأنه يفسر هذا الضمير ويبين حقيقته. ويبين ماذا؟ حقيقته. فهذا هو ضمير الشأن. قال: ويسمى ضمير القصة؛ أي المسألة التي تناولها الكلام، أيضا له تسمية أخرى. وسمي القصة؛ لأن القصة فيها بيان وتفصيل. ويقول فلان: «سآتي لك بقصة»، ثم يأتي لك بأحداثها. فالضمير هذا لما تذكره كأنك تريد أن تذكر أحداثه وتذكر حقيقته، فكأنك تقص عن هذا الضمير، تقص عن هذا الضمير. قال: وأحكامه تختلف عن أحكام غيره من الضمائر؛ أي ضمير الشأن له أحكام، ذكر منها أربعة. قالوا: من أهمها ما يلي: عوده على ما بعده. وقاعدة الضمير أن يعود على ما قبله. فقولك مثلا: «زيد قام أبوه»، ألها يعود على من الآن؟ على «زيد». «زيد» قبل الضمير أو بعده؟ قبل الضمير. لكن قول الله عز وجل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، «الله أحد» هنا تفسير للضمير، طيب، فالذي بعده الآن هذا الكلام، الضمير الذي يعود عليه الضمير، هل هو قبل الضمير أو بعد الضمير؟ بعد الضمير. إذن هذا عكس القاعدة المعروفة أن الضمير إنما يعود لما قبله، لا يعود لما بعده، لكن في ضمير الشأن أنه يعود لما بعده، لا لما قبله، واضح؟ قال: الثاني: أنه لا بد أن يكون مبتدأ أو اسما لناسخ؛ يعني لا يخرج عن كونه مبتدأ هذا ضمير الشأن، أو إسم لناسخ. ضمير. مثال المبتدأ: «قل هو الله أحد»، هنا لفظ الجلالة مبتدأ ثاني. «قل» عفوا، الضمير هنا مبتدأ أول، ضمير الشأن، طيب، ولفظ الجلالة مبتدأ ثاني، و«أحد» خبر للمبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني مع الخبر في محل رفع خبر المبتدأ الأول ضمير الشأن. فما هو موقع ضمير الشأن في الآية؟ مبتدأ. وقد يكون اسم لناسخ، لكان أو «إنّ»؛ لأن اسم «كان» و«إنّ» في الأصل مبتدأ، في الأصل مبتدأ. طيب، ويمثلون له بضمير الشأن بعد «أن» المخففة إذا سبقت بـ «علم»، مثل قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى﴾، «أن سيكون منكم مرضى»، فيكون هنا ليس منصوبا بـ «أن»، بل هو مرفوع، و«أن» ليست ناصبة؛ يعني ليست مصدرية تنصب الفعل، وإنما هي مخففة من الثقيلة، فأين اسمها؟ قالوا: اسمها ضمير الشأن، ولكنه هنا محذوف، والتقدير: «علم أنه سيكون»، وهو اسم «أن»، اسم «أن». فهمتم هذا الآن؟ فهو ناسخ، إذن فهو ماذا؟ ناسخ. «أن» هنا ناسخ، ونسخ ضمير الشأن، فصار اسما له. فهذا معنى قوله: «أنه لا بد أن يكون مبتدأ أو اسما لناسخ»، أو اسما لناسخ. فمثال المبتدأ: «قل هو الله أحد»، مثال الاسم الناسخ: «علم أن سيكون منكم مرضى». الثالث: أن مفسره لا يكون إلا جملة، وتكون خبرا له، وتكون خبرا له، وعندكم كما لو سبق بناسخ. وتكون قال: «أن مفسره لا يكون إلا جملة»؛ يعني بعده تأتي جملة، مثل: «قل هو الله أحد»، «الله أحد» بعده جملة، صح؟ بعده جملة. طيب، وتكون خبرا له، «الله أحد» خبر لضمير الشأن، صح؟ جملة من مبتدأ وخبر، وكذلك «هي» خبر لضمير الشأن. قال: الآن الظاهر هنا، والله تعالى أعلم، خبرا له. الآن هنا ليس لها معنى، إيش معنى «الآن» هنا؟ كأنه ليس له معنى، كأنه يريد خبرا له؛ يعني للضمير هذا، أو بحسب أصله. بحسب أصله يريد الناسخ. يريد الناسخ. إيش معنى هذا الكلام؟ معنى هذا الكلام أن الجملة التي بعده، ها قد تكون الجملة التي بعده قد تكون مبتدأ وخبر، وقد تكون اسما لناسخ أو خبرا لناسخ؛ يعني بعده يكون «إنّ» واسمها وخبرها، أو «كان» واسمها وخبرها، أو «كان» اسمها وخبرها. هذا والله أعلم. ما تبين لي كيف «الآن»؟ ها كيف خبرا له «الآن»؟ أو بحسب أصله كما لو سبق بناسخ؛ يعني يريد بحسب أصله هذا معروف؛ لأن أصل اسم «إنّ» أو اسم «كان» مبتدأ، أصله مبتدأ، إلا إذا أراد خبرا له «الآن»؛ يعني لم يسبق بناسخ، لم يسبق بناسخ. إذا أراد هذا فالمعنى صحيح، أنه خبر له «الآن»؛ لأنه لم يسبق بناسخ. وقد يسبق بناسخ، فيكون خبره الناسخ، والجملة التي دخل عليها، والجملة التي دخل عليها. قال: رابع: أنه ملازم للإفراد؛ يعني الضمير يكون مفرد، لا يكون «هما» ولا «هم»، يكون ضمير مفرد. قال: «أنه ملازم للإفراد»، فلا يثنى ولا يجمع. الكثير أن يكون للمفرد المذكر، هذا الكثير. وقد يأتي للمؤنث، كما في الآية، يريد: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فقلنا: «هي» هنا ضمير الشأن، والضمير هنا ليس للمذكر، بل هو لماذا، للمؤنث. فهذا قليل. والأكثر أن ضمير الشأن يكون للمذكر، وهو الضمير «هو»، وهو الضمير ماذا؟ هو. قال: ولما كان هذا الضمير مخالفا للقياس، رأى النحاة أنه لا ينبغي الحمل عليه إذا أمكن غيره، كما ذكر ذلك ابن هشام في «المغني»، وسيرد له ذكر إن شاء الله في باب «كان» وفي باب «إنّ» وغيرها؛ بمعنى أنه لو استطاع المتكلم أن يبتعد عن ضمير الشأن، فإن أمكن ذلك وأتى بكلام غيره، فهو الأفضل؛ لأن هذا الضمير يخالف قاعدة الضمائر، يخالف قاعدة الضمائر كما مر معنا في السبب الأول: أن الضمير يعود على ما قبله، لا يعود على ما بعده، واضح؟ فهذا معنى كلامهم. قال: وفي اختيار لا يجيء المنفصل؛ قال: القاعدة في باب الضمير أنه متى أمكن الاتيان بالضمير المتصل، فلا يُعدل إلى الضمير المنفصل؛ لأن الغرض من وضع الضمير الاختصار، والمتصل أشد اختصارا من المنفصل. تقول: «أكرمتك»، ولا تقول: «أكرمت إياك»؛ لإمكان المتصل. وهذه قاعدة؛ لأن الغرض كما ذكر من الكلام العربي الاختصار، فبدلا من أن تقول: «أكرمت إياك»، كم أحرف في هذا المفعول به؟ أكثر من خمسة أحرف تقريبا. لكن لو قلت: «أكرمتك»، حرف واحد. فالاختصار في اللغة العربية أمر مقصود ومطلوب، فمن أجل هذا الاختصار ذكروا هذه القاعدة: «متى أمكن الإتيان بالضمير المتصل، فلا يعدل إلى الضمير المنفصل»، فتأتي بضمير متصل، يقابل الضمير المنفصل، ولا تذكر ضميرا منفصلا. قال: لكن قد يتعين انفصال الضمير، ولا يمكن مجيئه متصلا، وذلك في مواضع، منها أولا: أن يتقدم الضمير على عامله لداع بلاغي؛ كإفادة القصر، نحو: «إياك كافأ المدرس». ومعنى «لداع بلاغي»؛ لأن عندهم قاعدة: «تقديم ما حقه التأخير يفيد ماذا؟ الحصر». يفيد الحصر، طيب. فإذا أردنا أن نقدم المفعول به، فلا يتأتى أن نأتي بالضمير المتصل؛ لأنه لا يبتدأ بالضمير المتصل، لا يبتدؤا به الكلام. ما هو تعريف الذي تقدم معنا؟ هو الذي لا يبتدؤا به الكلام، ولا يأتي بعد «إلا» في حال الاختيار، صح؟ فإذا أردنا أن نقدم المفعول على الفعل، وهذا التقديم ليس عبثا، وإنما لقصد بلاغي، وهو الحصر والقصر، فإذا هنا يجب أن نفصل الضمير؛ لأنه لا يمكن أن نبتدي بالضمير المتصل، فهمتم هذا الآن؟ فهذا معنى قولي: «أن يتقدم الضمير على عامله لداع بلاغي؛ كإفادة القصر»، نحو: «إياك كافأ المدرس». تريد أن تخبر بأن المكافأة اقتصرت على فلان، اقتصرت على فلان. ما كو غيره؟ ما كو غيره؟ مثل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. لماذا؟ قال: «نعبدك»، ونستعينك. قال: «إياك نعبد»؛ لإفادة الحصر؛ أي لا أحد يعبد سواك، فالعبادة خاصة بك وحدك، سبحانك. فهمتم هذا الآن؟ فهنا عند إرادة الحصر يؤتى بالضمير المنفصل، مع إمكان الإتيان بالضمير المتصل، لكن في المؤخر، ليس في المقدم. أما في المقدم لا يتأتى ذلك. قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. قال: الثاني: أن يقع بعد «إلا» لإفادة الحصر؛ لأن الضمير المنفصل، الضمير المتصل لا يأتي بعد «إلا»، صح؟ فإذا أردنا أن كذلك نحصر أمرا، والحصر له أساليب عدة، منها: تقديم ما حقه التأخير، ومنها الإتيان بـ «إلا» بعد النفي، الإتيان بـ «إلا» الإيجابية بعد النفي، تفيد الحصر؛ تفيد ماذا؟ الحصر. مثل هذه الآية: ﴿رَبَّنَا مَا نَرْجُو إِلَّا إِيَّاكَ﴾. «ما نرجو» هنا نفي، فحصر بـ «إلا إياك»، حصر بـ «إلا». والمعنى: «لا نرجو إلا إياك وحدك»، فلا يرجى غيرك، لا يرجى غيرك. فهذا فيه إفادة الحصر، فما نستطيع أن نأتي بضمير متصل بعد «إلا»؛ لأنه لا يذكر ضمير المتصل بعد «إلا»، كما تقدم. قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. «ألا» أصلها «أن لا»، فتقدم الفعل «تعبدوا»، نفي، ثم ألحق النفي بـ «إلا»، فأفاد الحصر، فأفاد الحصر. فقوله: «أن لا تعبدوا إلا إياك»، قوله: «إياك نعبد»، لكن ذاك الحصر الأول بتقديم ما حقه التأخير، وهذا بالإتيان بـ «إلا» بعد النفي. قال: الثالث: أن يفصل بين الضمير وعامله بمعمول آخر؛ يعني لا يؤتى بالضمير مباشرة بعد الفعل؛ لأن الضمير المتصل لا بد أن يتصل بالفعل، لا يفصل بينه وبين الفعل فاصل. فإذا جاء معمول آخر للفعل، ففصل بين الفعل والضمير، فهنا لا يمكن أن يبقى الضمير متصلا، لا يمكن أن يأتي الضمير متصلا؛ لأنه فصل بينه وبين الفعل. فكيف يتصل به وهو مفصول عنه؟ فإذا هنا لا بد أن نأتي بضمير منفصل، ليس متصل؛ لأنه فصل بينه وبين عامله. قال: نحو: «نحن نكرم العلماء وإياكم». أصلها: «نحن نكرمكم والعلماء»، لكن هنا قدم «العلماء»، والتقديم هذا له فائدة. قالوا: التقديم هذا له فائدة، وهو ماذا؟ وهو أن الأصل في الإكرام هو للعلماء؛ الأصل، وإنما أنتم تبعا لهم. فلا يمكن أن يذكر التبع قبل الأصل، فهمتم؟ لو قال: «نحن نكرمكم والعلماء»، هذا فيه انتقاص من العلماء، معناه: أولا أكرمت غيرهم، ثم أكرمت العلماء. ومثله الآية: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾. الأصل في ما يفعله الكفار أنهم يريدون إخراج الرسول؛ لأنه هو الذي أقدم ضدهم وأزعجهم وكادهم ونحو ذلك. وأما من تبعه فإخراجه تبع، فهمتم هذا الآن؟ فلو قال: «يخرجونكم والرسول»، فيه انتقاص للرسول، كأن الأصل أنهم يريدون إخراج أتباع الرسول، لا يريدون الرسول إلا تبعا ليتبعه، لا العكس. وهذا من بلاغة اللغة، فهمتم هذا الآن؟ فالمهم: إذا فصل بين الفعل وبين الضمير معمول للفعل، فإن الضمير ينفصل؛ لأنه فصل بينه وبين عامله، فصل بينه وبين عامله. هذا الموضع الثالث. قال: رابعا: بضرورة الشعر؛ لأن هذا ليس يختل الوزن، ولا بد في الشعر أن يكون الوزن منتظما وموزونا، لا خلل فيه. فإذا احتاج الشاعر للانفصال مع إمكان الاتصال، لا حرج عليه؛ لأنه يتوسعون في أمر الشعر من أجل الوزن، واضح؟ قال: بضرورة الشعر، كقول زياد بن منقذ العدوي التميمي: «لَمَّا تَذَكَّرْتُ أَهْلَ وَدٍّ وَمَا أَصْحَبُ مِنْ قَوْمٍ ... فَأَذْكُرُهُمْ إِلَّا يَزِيدُهُمْ حُبًّا إِلَيْهِمْ». أصلها: «يزيدونهم». طيب، ليس «يزيدهم»، «يزيدونهم» باعتبار أن الضمير يمكن أن يؤتى به متصلا في غير الضرورة، في غير الضرورة تقول: «يزيدهم هم»، ولا «يزيدونهم». الأصل: «يزيدونهم»، واضح؟ هذا الآن. لكن هنا اضطر؛ لأن الوزن سيختل لو قال: «وما أصاحب من قوم فأذكرهم إلا يزيدونهم حبا إليهم»، هذا ليس بموزون، هذا ليس بموزون. لكن لما قال: «وما أصاحب من قوم فأذكرهم إلا يزيدهم حبا إليهم»، صار الوزن معتدلا، ما فيه خلل، ما فيه خلل. فصل الضمير، فصل الضمير. وحقه الاتصال، بأن يقول: «إلا يزيدونهم حبا إليهم». قال ابن مالك: «وَفِي اخْتِيَارٍ لَا يَجِيءُ الْمُنْفَصِلُ». هذا معنى قوله: «وفي اختيار لا يجيء المنفصل»، لكن في الضرورة هذا دليل على أن في الضرورة ماذا؟ يمكن أن يأتي المنفصل مع إمكان المتصل. قال: «وفي اختيار لا يجيء المنفصل»؛ أي لا يجيء الضمير المنفصل في سعة الكلام، إذا أمكن الاتيان بالمتصل. أما في الشعر فيجوز العدول عن الوصل إلى الفصل. فإذن هنا أربع حالات تستثنى من هذه القاعدة؛ بمعنى يمكن أن يؤتى بالضمير المنفصل مع إمكان المتصل لأغراض سبق بيانها. اليوم نكتفي إن شاء الله بهذا، وإلى هنا.