الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 407

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 407

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 407، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

إنكار المنكر ومسؤولية العبد يوم القيامة

يتناول شرح حديث نبوي يبين مسؤولية العبد يوم القيامة عن إنكار المنكر. يُفصّل الشيخ مخلوف بن هاد الواد في شرح الحديث وأهمية إنكار المنكر.

أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على المسلمين جميعًا، وهو ضروري لمنع انتشار البلاء. وردت أدلة كثيرة من القرآن والسنة تؤكد أهمية هذه الشعيرة.

فهم صحيح للآية: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم

الآية تعني أن المؤمنين لا يضرهم كفر غيرهم إذا اهتدوا بأنفسهم، مع وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند وجود مصلحة.

تفسير وتوضيح للحديث النبوي السابق

يفسر المقطع معنى الحديث النبوي السابق ويبين أن الله تعالى أعلم بحقيقة الأمور، مما يعزز فهم المسؤولية الفردية في إنكار المنكر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مخلوف بن هاد الواد رحمه الله: قال الإمام أبو عبد الله بن ماجه رحمه الله. هو محمد بن يزيد بن ماجه القزويني، قال رحمه الله: حدثنا علي بن محمد بن عبيد بن سحاق التنافسي الكوفي، أبو الحسن الكوفي، وكان حافظا كبيرا حتى فضله بعض أهل العلم على أبي بكر بن أبي شيبة في إتقان الحديث، كما جاء ذلك عن الإمام أحمد، وقال أبو بكر: أكثر منه حديثا. قال: وعلي بن محمد وآباؤه كلهم أهل حديث، محمد هذا أبو، وعمه يعلى، وعمر كلهم أبناء عبيد التنافسي، قد روى عنهم جميعا محمد، وكذلك هم من رجال بخاري ومسلم: يعلى، ومحمد، وعمر. قال: حدثنا محمد بن فضيل، وابن غزوان. محمد بن فضيل وابن غزوان الكوفي، وهو ثقة، إلا أن فيه تشيعا، أصابه تشيع من تشيع أهل الكوفة. ومعلوم أن الكوفة كان التشيع فيها منتشرا، وكذلك رأي الخوارج كان منتشرا في الكوفة والبصرة، وكان القدر فيها أكثر. وأما الحجاز، فغالب ما انتشرت فيه السنة، مكة والمدينة لم تنتشر فيهما الأهواء، وكذلك اليمن في القرون المفضلة لم تنتشر فيها الأهواء، وإنما بعد ذلك انتشرت الرافضة والقرامطة وغيرهم من أهل الأهواء. قال رحمه الله: حدثنا -أي محمد بن فضيل- قال: حدثنا يحيى بن سعيد، وهو يحيى بن سعيد الأنصاري الخزرجي، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن أبو طوالة، وهو مدني، وكذلك قيسي، قال: حدثنا نهار العبد، نهار العبد أيضا قيسي، وهو مدني -مدني معنى من سكان المدينة- قال: أنه سمع سعيد الخدري، وهو سعد بن مالك من بني خدرة من الخزرج الأنصار، قال: يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله ليسأل العبد يوم القيامة حتى يقول: ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره؟» قال: «فإذا لقن الله عبدا حجته، قال: يا ربي رجوتك وفرقت من الناس». قال: هذا حديث حسن، وإنما قال: حديث حسن، للكلام الذي في محمد بن فضيل، فمنهم من تكلم في تشيعه، وكذلك بعضهم غمز أيضا في حفظه. هذا الحديث حديث صحيح، وفيه: أن الله عز وجل يسأل العبد يوم القيامة: «ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره؟» أي: ما الذي منعك وصدك أن تنكر المنكر؟ قال: «فإذا لقن الله عبدا حجته»، وهذا من فضل الله عز وجل على الناس وعلى عباد المؤمنين، أنه يلقنهم الحجة. كيف يعتذر من هذا؟ فهذا ذنب، أنه رأى منكرا ولم ينكره. وقد جاء في حديث سعيد أيضا الذي في صحيح مسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». أن حتى بقلبه، إذا لم يستطع أن ينكره بلسانه. لكن إذا كان استطاع أن ينكره بلسانه ولم ينكر، معنى رآه في أهله، رآه في أبنائه، لكنه يسكت ولا ينكر هذا المنكر. فقال: «ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره؟» فإذا قال: «فإذا لقن الله عبدا الحجة، قال: يا ربي رجوتك وفرقت من الناس»، أنا خفت من الناس، لكن رجوت عفوك وكرمك يا رب. وهذه حجة يعتذر بها العبد عن عدم إنكاره المنكر. لكن الواجب على المسلم أنه ينكر المنكر، لأنه إذا لم ينكر المنكر عم البلاء الناس. ومعلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة عظيمة من شعائر الدين، حتى أن بعضهم يقول: أنها شعيرة خامسة أو من أركان الإسلام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الدين النصيحة»، والنصيحة تعتبر جزءا من إنكار المنكر، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فلهذا فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات العظيمة التي فضل الله عز وجل بها هذه الأمة: «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله». وقال الله عز وجل: «ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون». فلهذا فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة عظيمة، الواجب على أهل الإسلام أن يقوموا بها. وهذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: فيما استطاع الإنسان، إن استطاع بيده فليغير، وإن استطاع بلسانه فليغير، وإن استطاع بقلبه فليغير. وأما المقالة التي تقول: إن باليد للحاكم، واللسان للعلماء، وبالقلب لعامة الناس، فهذا من الباطل. فهذه مقالة باطلة، ليس لها أصل في دين الله عز وجل. وإنما جاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على عمومه. لكن دين الله عز وجل مبني على المصالح وتكثيرها، وكذلك درء المفاسد وتقليلها. وأيضا كذلك دين الله عز وجل لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة، ولا ينهى إلا عما مفسدته خالصة أو راجحة. فإذا حصل خلاف ذلك، فيتوقف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الناس يغلطون في هذا الباب -أي في إنكار المنكر- فطائفة حطمت هذه الشعيرة، ويقولون: أن الله عز وجل يقول: «يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم»، وهذا أيضا فهم غير صحيح. ولهذا جاء عند أحمد والترمذي من حديث أبي بكر الصديق أنه قرأ هذه الآية: «يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم»، فقال أبو بكر: إنكم لتقرؤون هذه الآية على غير معناها، أو على غير تأويلها. وإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: بل مروا بالمعروف وأنهوا عن المنكر، وخذوا بيد الظالم، وإلا أوشك الله عز وجل أن يعمكم بعقاب من عنده». وأيضا جاء في حديث أبي ثعلبة الخشني قال: النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه»، وفي رواية: «وعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع أمر العام». فانظر إلى هذين الحديثين، فالحديث الأول فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يقول: سأصلح نفسي أولا. وهذا كثيرا ما يدخل على كثير من الناس، فيقول: أصلح نفسي أولا، وأنا صاحب عيوب، وأنا كذا. هذا كلام صحيح، لكن هل معنى ذلك أنك لا تنكر المنكر إذا رأيته؟ بل يجب على الإنسان ولو كان يفعل هذا المنكر، فإنه يجب عليه أن ينكره، وهو يعلم أنه منكر. لا يقول: لا أنا أفعل هذا، فما دمت أنا أفعل هذا، فلا أنكره. بل واجب عليه أن ينكره. فلهذا قال: فهذه الآية ليست المراد منها أن الإنسان يصلح نفسه ويدع الناس. «يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم»، فكثير من الناس يفهم هذه الآية على الخطأ. وإنما أراد الله عز وجل أن يبين لعباده أن من آمن فلا يلتفت إلى أهل الكفر والضلال، فإنه لا يضرهم ضلالهم ولا كفرهم. «يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم»، أي: لا يضركم ضلالهم وكفرهم، ما دمت أنكم تتبعون الهدى. وهذا هو معنى هذه الآية، وليس معنى أن الإنسان يدع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويصلح نفسه فقط. فلا شك أن الإنسان يصلح نفسه، لكنه أيضا لا بد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما قال أبو بكر: «بل مروا بالمعروف وأنهوا عن المنكر». أن ليس المراد بهذه الآية عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن إذا حصلت العوائق وحصلت عدم المصلحة في إنكار المنكر، لأن إنكار المنكر يحتاج إلى الشروط. فإذا عدمت المصلحة في إنكار المنكر، فإن الإنسان يتوقف. حتى إذا رأيتم شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، يعني: إذا لم تكن هناك مصلحة في إنكار المنكر، فدعه. خاصة إذا كان سيأتي بمنكر أعظم منه، إذا كان سيأتي بمنكر أعظم منه. قال ابن القيم: لا يجوز للإنسان أن ينكر هذا المنكر إذا كان سيأتي بما هو أعظم. وأما إذا كان سيأتي بمساويه، فهو محل اجتهاد. فهو محل اجتهاد، لأن كما قلنا: شريعة جاءت بتكثير المصالح بفعل المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد وتقليلها. فلهذا فإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيه مصلحة، فيفعل. وإلا إذا كانت هناك مفسدة، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح. ولكن لا يدل على أن الإنسان يترك إنكار المنكر لأجل أنه يخشى من الناس ويخجل من الناس. فهذا عبد أعطاه الله عز وجل حجته لأنه أراد أن يغفر له. فلهذا لا ينبغي للمسلم أن يفرط ويخجل في إنكار المنكر إذا كان يستطيع إنكاره. فإن لم يستطع بيده، يغيره بلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان. فقال: «فإذا لقن الله عبدا حجته، قال: يا ربي رجوتك وفرقت من الناس». ورجاء الله عز وجل لأنه سبحانه وتعالى كريم ويسامح. فيعطي الله عز وجل حجته، يعطي الله عز وجل عبده حجته، أنه يحتج كيف يخرج من هذا المأزق، وكيف يخرج من هذا الملام الذي لامه الله عز وجل به. فهذا شيء مما يذكر في معنى هذا الحديث. والله تعالى أعلم.