الدرس في آداب الدعاء 8، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
ينبغي للداعي اختيار الكلمات المناسبة والدعوات الملائمة لخطاب الله جل وعلا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستحب الجوامع من الدعاء. هذا يشمل الدعاء بجوامع الكلم التي ألهمها الله للنبي.
يستحب للمسلم أن يلتمس الأدعية المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جمع العلماء هذه الأدعية في رسائل عديدة. كان النبي صلى الله عليه وسلم يستحب الدعاء بجوامع الكلم.
تشمل الأدعية النبوية طلب المغفرة من الذنوب والمعاصي، والاستعانة بالله على طاعته، وتثبيت القلب على الدين. ذكر بعض هذه الأدعية الثابتة في الصحيح مثل دعاء طلب الهداية والتقى والعفاف والغنى.
يُنهي الكلام بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم، ويتضمن دعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُعتبر ختامًا للكلام السابق.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في هذه السلسلة في ذكر آداب الدعاء وما يتعلق بأهم مسائلها، وبذكر أهم آدابها. ومن المباحث الأخيرة، والتي نختم بها هذا المقام من ذكر آداب الدعاء، وإلا كما أسلفنا من قبل، فإن مباحث الدعاء وما يتعلق بآدابه كثيرة جدًا من المباحث المهمة، إخواني في الله، والتي ينبغي أن يتحلى بها كل داعية يدعو الله جل وعلا أن يختار محاسن الكلام وجوامع الدعاء. فأنت يا عبد الله في دعائك لله جل وعلا، أنت في باب خطاب لرب الأرباب سبحانه وتعالى، فينبغي عند خطابك والتجائك لربك سبحانه وتعالى أن تختار الكلمات المناسبة والدعوات الملائمة التي تناسب هذا المقام. وقد مر معنا، لو تذكرون، في باب المحاذير، كيف أن من الناس من لم يراع هذا الجانب، فتجد منهم من يدعو الله بتفصيل وإسهاب ما ينبغي أن يذكره في دعائه، وأن منهم من لربما يتكلف السجع، أو أن بعضهم لربما يكون همه في الدعاء أن يطلب الشيء اليسير، وبالمقابل أن يتجاهل ويتناسى ما هو أعظم منه طلبًا. ومن هنا، إخواني في الله، كان من آداب الدعاء أن يختار الداعي الجوامع في دعائه وفي طلبه لربه. وقد كان هذا الأمر من فعله عليه الصلاة والسلام، فقد قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحب الجوامع من الدعاء ويدعو ما سوى ذلك». كان عليه الصلاة والسلام يستحب الجوامع من الدعاء، كان هذا هديه وفعله، وكان دعاؤه أن يختار جوامع الأدعية عليه الصلاة والسلام. ونبينا مما خص به أن الله سبحانه وتعالى ألهمه جوامع الكلم، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «أُعْطِيْتُ الْكَلَامَ وَجَوَامِعَهُ وَخَوَاتِمَهُ». فإذا علم ذلك من أن النبي أُعْطِي جوامع الكلم، ثم علم أن النبي كان في دعائه يختار جوامع الدعاء، من هنا استحب العلماء أن الداعي إذا أراد أن يدعو الله سبحانه وتعالى أن يلتمس الأدعية التي كان يدعو بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لماذا؟ لأنها أفضل، لأنها أبرك، لأنها اجتمعت على جوامع الكلم. فقد جعل العلماء من آداب الدعاء أن يدعو إن استطاع بالأدعية المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. الدعاء قد مر معنا معنى أنك تدعو بما شئت وبما أردت، لكن إذا استطعت أن تأتي بهذه الأدعية المأثورة عن رسول الله فافعل، لأنها اجتمعت على أركان الدعاء. والأدعية المأثورة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام كثيرة، وقد ألف العلماء قديمًا وحديثًا الرسائل العديدة التي اعتنت بجمع أدعية الرسول عليه الصلاة والسلام. من جوامع كلمه ودعائه ما علمه عائشة رضي الله تعالى عنها أن تقول: «اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم، اللهم إني أسألك من خير ما سألك به عبدك ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وأعوذ بك من شر ما استعاذ منه عبدك ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأسألك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيرًا». هذا الحديث رواه ابن ماجة في سننه وصححه شيخ الألباني. كذلك من دعائه ما جاء من حديث أبي موسى الأشعري، قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بهذا الدعاء: اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطأي وعمدي وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير». وأيضًا من دعائه عليه الصلاة والسلام: «اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار». وأيضًا من دعائه: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك». وأيضًا من دعائه: «اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني»، رواه مسلم. وأيضًا مما ثبت من دعائه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر». وهكذا من دعائه ما ثبت في الصحيح أنه كان يقول عليه الصلاة والسلام: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى». وهكذا من دعائه: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». وأيضًا من دعائه عليه الصلاة والسلام أنه كان يدعو بهذه الكلمات: «اللهم أقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا». فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.