كتاب الطهارة 11

الدرس في كتاب الطهارة 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

نواقض الوضوء وما يفسده

يشرح هذا الفصل نواقض الوضوء، وهي الأشياء التي تفسد الوضوء وتوجب إعادته، مثل ما يخرج من السبيلين وأيضا ما يخرج من غير السبيلين إذا كان نجسا وكثيرا. يناقش أيضا آراء الفقهاء في نواقض الوضوء مثل زوال العقل والنوم ولمس الذكر.

أحكام الوضوء والطهارة وتطبيقاتها

يناقش هذا الفصل بعض الأحكام المتعلقة بالوضوء والطهارة، مثل نقض الوضوء بمس الذكر أو المرأة، وغسل الميت، وأكل لحم الإبل، والشك في الطهارة أو الحدث، وتحريم مس المصحف والصلاة والطواف للمحدث. يوضح الأحكام العملية للطهارة والوضوء.

الاختلاف الفقهي حول مس المرأة ونقض الوضوء

يتناول هذا الفصل اختلاف المذاهب الفقهية حول مس المرأة وهل ينقض الوضوء أم لا، مع التركيز على المذهب الحنبلي والشافعي. يُظهر أن بعض الشافعية يتبنون رأياً مشابهاً للحنابلة في بعض الحالات، ويخلص إلى عدم وجود دليل قاطع على إلزام مس المرأة بنقض الوضوء.

  • 10 جمادى الآخرة 1443هـ - 13/01/2022مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، صلى الله عليه وسلم، على رسول الله وآله وصحبه، من ونهما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب نواقد الوضوء. ونواقد جمع ناقض، والناقض هو المفسد، نقضه أي أفسده وأزاله. فنواقد الوضوء، أي مفسداتها، ما يفسد الوضوء وما يبطله. ولهذا بعضهم يعبر بمفسدات الوضوء. قال: ينقض ما خرج من سبيل. وهذه جملة يدخل فيها أشياء كثيرة. قال: ينقض ما خرج من سبيل. ومعنى ذلك أن كل ما خرج من السبيل هو ناقض، سواء كان من القبل أو من الدبر. والخارج من السبيل على نوعين: معتاد وغير معتاد. هذا المعتاد متفق عليه بين العلماء، أو كالإجماع على المعتاد، مثل البول، الغائط، المني، المذي. الوضوء إن كان هناك خلاف يسير في المني عند الشافعية، يقولون أنه ليس بناقض، لكنه يوجب الغسل. لكن هذا قول شاذ، حتى في المذهب الشافعي. أما المذي والودي فهو مما أجمع عليه العلماء. أما المذي، فقد جاء فيه حديث علي رضي الله عنه: «إنما كنت أجد من المني عناء، أو كنت رجلا مذاء، فاستحيت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكانة ابنته مني، فأمرت المقداد أن يسأله، فقال له عليه الصلاة والسلام: أن يغسل ذكره ويتوضأ»، أو «يغسل ذكره». فتبين أنه لا بد من الوضوء. وأيضا كذلك الودي، ذكروا فيه إجماعا، لأنه يخرج مع البول أو بعد البول، فلهذا حكمه حكم البول. واختلفوا في الأشياء التي هي غير معتادة، كالدم، الاستحاضة، أيضا كذلك ما يخرج مثلا من دود أو حصى أو غيرها مما لا يعتاد خروجه من هذا المخرج. فهذه المسألة فيها عدة أقوال. ومنهم من قال: أنه ينقض مطلقا، وهذا هو قول الحنابلة، أو أكثرهم يقولون: أنه ينقض مطلقا. ومنهم من قال: أنه لا ينقض إلا إذا خرج رطبا، وهذا أيضا قول عن ابن عقيل، وعن غيره، وهو أيضا قول الشيخ السلام: لا ينقض إلا إذا خرج رطبا. ويدخل في ذلك دم الاستحاضة، لأنه رطب دم ينقض. ودم الاستحاضة حدث. وأيضا كذلك أي شيء يخرج رطبا، أو وضع مثلا زيت في شيء من السبيلين فخرج، ويعتبر أيضا نجسا. أقصد: ينقض الوضوء. وهناك القول: أنه لا ينقض، سواء كان رطبا أو غير رطب. لكن الصحيح هو هذا الذي قاله كثير من أهل العلم: أنه إذا خرج رطبا ينقض، لأنه يخرج مع نجاسة أو مع خارج. إذا خرج مع الخارج فإنه يعتبر ينقض. وأما إذا خرج ليس مع خارج، فهنا مثلا مثل حصى، دود يخرج جافا، فالظاهر أنه لا ينقض. واختلف أيضا في إفرازات المرأة: هل هي ناقض للوضوء؟ فأكثر العلماء على أنها تنقض الوضوء، لأنها أولا تخرج رطبة، وهي أيضا من مكان يخرج منه بعض ما ينقض الوضوء، كالمني، والمذي، وغيرها من هذه النواقض. وكذلك أيضا جاء وبعض العلماء يقول: أنه لا ينقضه، قول الظاهرية، واختاره الشوكان وغيرهم، على أنه ليس بناقض لعدم الدليل عن نقضه. لكن إن كانت تتوضأ المرأة احتياطا فهو أفضل، إلا إذا كان كثيرا، إذا كان كثيرا فهو مثل المرض، مثل الاستحاضة. إذا كان دائما يخرج، أن بعض النساء تجد أنها تخرج منها هذه الرطوبات كثيرا، هذا يعتبر مثل المرض، فهنا تعامل معاملة الاستحاضة. والاستحاضة عند جمهور العلماء أنها تتوضأ لكل صلاة. وذهب جماعة كابن المنذر وابن عبدالبر وغيرهم، قالوا: أنها مرض وليس بحدث، يعني ليس حدثا، معنى ما يعتبر حدثا لأنه مرض. وهذا التعليل هو الصحيح، يعني خروج دم الاستحاضة ليس حدثا، فلهذا إذا توضأت المرأة ولم يخرج منها إلا دم استحاضة مثلا، فهذا ليس بناقض للوضوء، فلها أن تصلي بوضوئها ذلك. وكذلك أيضا هذه الرطوبات إذا كانت مستمرة، فإنها لا تنقض الوضوء ولو خرجت. فهنا كلام المؤلف: أن كل ما يخرج من السبيل فهو ينقض الوضوء، حتى ذكروا الريح التي تخرج من القبل، معنى: قبل المرأة. فبعض العلماء يقول: أنه أيضا تنقض، كما جاء عن الإمام أحمد. وعند الشافعي أنها لا تنقض، لأنها خرجت من غير مخرجها. لكن الأحوط هو الوضوء. قالوا: وخارج من بقية البدن، إن كان بولا أو غائطا أو كثيرا نجسا غيرهما. أنا الذي يخرج من بقية البدن هو نجس، لكنه يخرج من غير مخرجه، من غير مخرجه، مثلا الغائط إذا كان مثلا يخرج من ثقب من المعدة. فقال بعض الحنابلة: إن كان من فوق المعدة فهو مثل الجشاء، ومثل أيضا كذلك القيء. وإن كان من تحت المعدة فهو مثل الغائط. وقال بعضهم: أنه لا يؤثر، سواء كان من فوق المعدة أو من تحتها، لأنه لم يخرج من مخرجه المعتاد، فلهذا يقولون: أنه لا ينقض. لكن الأحوط أيضا في هذه المسائل أن الإنسان يتوضأ، لأن الأصل أنه ينقض الوضوء إذا خرج هذا الشيء. صحيح أنه إذا خرج من مخرجه المعتاد، لكن إذا خرج من غير مخرجه فهو نفس الخارج، فلهذا الأولى أنه يتوضأ من باب الاحتياط. قال: أو كثيرا نجسا غيرهما. معنى: إذا كان بول وغائط فهو عليه الوضوء. أما إذا كان غير البول والغائط، مثلا قيء، دم، رعاف، صديد، هذه الأشياء يقول: أنها إذا كانت كثيرة ونجسة يكون فيها الوضوء. أنا اشترط شرطان: الشرط الأول أن يكون كثيرا، والشرط الثاني أن يكون نجسا، معنى من النجاسات. إذا كان ليس من النجاسات فهو ليس داخل في هذا، مثلا لو كان مثلا تلاخيم كثيرة خرجت، معنى هنا يقول: أنه ليس بناقض، أو مثلا مخاط أو كذا، معنى ليس بناقض، هو كثير ولكنه ليس بنجس، هذا يقول: أنه ليس بناقض. لكن إذا كان كثيرا ونجسا فهو ناقض، مثل الدم، عند أكثر العلماء أنه نجس، لكن متى يكون ناقض للوضوء؟ إذا خرج كثيرا. القيء كذلك، القيء متى ينقض الوضوء؟ إذا خرج كثيرا. أما إذا كان شيء قليل خرج، لا ينقض الوضوء، لأن القيء عندهم نجس أيضا عند الحنابلة وعند الشافعية، فلهذا لابد أن يخرج النجس ويكون كثيرا، فهذا هنا عندهم ينقاء الوضوء. لكن هذا ليس بضابط، الضابط هنا ليس ضابط الكثير عند الإمام أحمد: أنه لا يفحش أو إذا فحش، أقصد. لكن هذا أيضا ليس بضابط ينضبط به الكثير من القليل، فلهذا بعضهم، بعض الحنابلة، جعل ضابطا: أنه يرجع إلى عرف الناس. هذا أيضا نفس القول: إذا يرجع إلى عرف الناس. والصحيح: أنه لا دليل على هذه المسألة، على أنه إذا خرج دم كثيرا أو قليلا ينقض، أو قيئا، لأن الأحاديث التي تستدل بها لا يصح منها شيء، لا يصح منها شيء. وعن حديث ثوبان: «قَاء فتوضأ»، لا يدل على أن القيء يجب فيه الوضوء، إنما من باب الاستحباب: «قَاء فتوضأ». فلهذا فالصحيح: أن هذه الأشياء التي تخرج من غير البول والغائط، فإنها لا تنقض إذا خرجت من جسم الإنسان، أو من غيره، سواء كان من فمه أو من غيره. قال: وزوال العقل، إلا يسير نوم من قاعد أو قائم. زوال العقل يبطل الوضوء، إذا كان مثلا بالجنون أو بغماء أو بغيرهما، هذا اتفاق. لكن اختلفوا في النوم: هل ينقض الوضوء؟ على مذاهب كثيرة. والصحيح: أنه إن كان نوما معنى غشية عليه، فهذا يكون ناقضا للوضوء، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث صفوان بن عسال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ننزع خفافنا إلا من بول أو غائط أو نوم». فذكر النوم أنه من الأحداث التي ينتقض بها المسح على الخفين. «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ننزع خفافنا من بول أو غائط أو نوم». لكن من جنابة فذلك. على أن النوم حدث. وجاء في الحديث: أنه كانوا ينتظرون الصلاة فينامون، فمنهم من يتوضأ ومنهم من لا يتوضأ، في حديث أنس في مسلم. وأيضا: «العين وكاء السه، فمن نام فليتوضأ». هذه الأحاديث، الجمع بينها يقال: أنه من نام نوما صحيحا غشي عليه، فهذا يبطل وضوءه، لأنه زال عقله. وأما من كان عقله معه، وأصابه شيء من النعاس الذي يكون عقله معه، يسمى نعاسا، ليس نوما، ولو كان كثيرا، لكنه يحس بمن عنده، مثلا مثل كما قلنا: الجمعة، من يسمع خطبة الجمعة، فهو تجده نعسان، لكنه يسمع الخطيب، قد لا يفهمه، قد لا يفهم ما يقول، لكنه يسمع، فهذا السمع يدل على أنه لا زال لم يغشى عليه، لم يغش عليه، فلهذا إذا كان نعاسا فلا ينقض الوضوء. وأما الذي ينقض الوضوء هو الغشية في النوم. قال: أمس ذكر متصل، أو قبل بظهر كفه أو بطنه. أنا أمس ذكر، جاءت إلى حديث، حديث بسرة بنت صفوان عند أحمد في السنن: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ممس ذكره فليتوضأ». وهذا حديث صحيح، قد خرجه هؤلاء، وبيّن الإمام الدارقطني رحمه الله: أنه حديث صحيح متصل، ليس فيه انقطاع، لأن عروة بن الزبير سأل مروان، أو مروان بن الحكم، وأرسل مروان الشرط إلى بسرة بنت صفوان، وهي عمته وأم زوجته. وأيضا كذلك سمعه عروة من بسرة، سمعه عروة من بسرة، كما صرح بذلك الإمام دارقطني رحمه الله. فالحديث صحيح، لا إشكال في صحته. وأيضا قد جاءت له شواهد، من حديث أبي هريرة عند ابن ماجة وأحمد: «أيما مرأة مست فرجها فلتتوضأ، وأيما رجل مست فرجه فليتوضأ». فلهذا مسه ذكر يعتبر ناقض للوضوء، إذا كان مباشرة. هناك أقوال كثيرة في المسألة، لكن الصحيح هذا: إذا كان مباشرة. أما إذا كان بحائل فلا ينقض. يقول هنا: متصل، متصل معناه بالإنسان. أما إذا قطع مثلا فأمسه بعد قطعه، فهذا ليس المراد. أو قبل بظهر كفه أو بطنه. قبل معناه: يريد قبل المرأة مسه بظهر كفه أو بطنه. وهنا قوله: ومسه ذكر، معناه: أنه أي ذكر، سواء كان ذكره أو ذكر غيره. وصحيح أنه لا ينقض إلا مس ذكره. وهذه أيضا رواية عن أحمد، وكذلك هو قول الظاهرية والشوكاني والصنعاني، وأيضا غيرهم من العلماء: أن الناقض هو مس ذكره. أما إذا مس ذكر غيره لا ينقض، مثلا المرأة إذا مست ذكر ولدها الصغير، وهي تغسل مثلا، لا ينقض وضوءها. مرأة مثلا مست ذكر زوجها، لا ينتقض وضوءها. وإنما ينتقض وضوءها إذا مست قبلها وفرجها. قال: بظهر كفه أو بطنه. المس هذا يكون إما بظهر الكف أو بالبطن. أما إذا مس ذكره مثلا بذراعه أو برجله أو بكذا، فهذا لا ينقض. قالوا: لمسهما من خنثة مشكل. أنا أيضا خنثة المشكل هي التي لها ذكر وقبل. أنا لها ذكر وقبل، فأيضا إذا مست قبلها أو فرجها تعتبر ناقضا. وإذا مست أيضا ذكرها تعتبر ناقضا. أنا المشكل هذا الذي له ذكر وله معنى فرج، أعتبر خنثة مشكل. قال: ولمس ذكر ذكره، أو أنثى قبلها لشهوة فيهما. معنى: إذا مست ذكره لشهوة فيهما، معنى: إذا مسته للشهوة ينقض. لكن هنا ذكر أولا: أن مس الذكر ينقض مطلقا. لكن إذا مس ذكره بشهوة أيضا ينقض، وإذا لم يمسه بشهوة أنه لا ينقض. وهذا أيضا لا دليل عليه. وأما حديث طلق بن علي: لما قال له سئل النبي صلى الله عليه وسلم: «الرجل يمس ذكره وهو في الصلاة»، قال: «إنما هو بضعة منك». هذا الحديث فيه اختلاف صحته. وإن صح فهو يحمل على الأصل، يحمل الأصل. وحديث بسرة ناقل على الأصل. والقاعدة: أن الناقل على الأصل يقدم على الأصل. الأصل هو الجواز، لكن جاء حديث بسرة يدل على التحريم، على الإبطال، على أنه ينقض الوضوء. وكذلك أيضا أن حديث بسرة منطوق: «من مس ذكره فليتوضأ». وحديث طلق بن علي مفهوم، لأنه سئل عن الرجل يمس ذكره في الصلاة، قال: «إنما هو بضعة منك». أن مفهومه: أنه لا يؤثر. والمنطوق مقدم على المفهوم. وزيد على ذلك: أن حديث بسرة أقوى من حديث طلق، فلهذا فالصحيح: أن لمس الذكر ينقض، سواء كان بشهوة أو بغير شهوة. وهذا قول الشافعي رحمه الله. قال: ومسه مرأة بشهوة، أو تمسه بها. ومسه حلقة دبر. طيب مس المرأة بشهوة، أو تمسه بها. أنا بشهوة، هذه المسألة لم يأتي فيها دليل صريح صحيح. جاءت الآية: «أو لامستم النساء». واختلف في معناها. والصحيح الذي عليه أكثر المفسرين من الصحابة والتابعين: أن المرأة بمسهن، الجمع «أو لامستم النساء»، أو جامعتموهن. وجاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: أن عائشة رضي الله عنها مست رجليه وهو ساجد، فلم يبطل الصلاة، كما جاء في صحيح مسلم. فلو كان ينقض الوضوء لأبطل النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة. وجاء حديث مختلف فيه: حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل بعض نسائه ويخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ. وهذا الحديث مختلف في صحته. وإذا صح فهو يكون نصا في هذه المسألة، فلهذا فالصحيح: أن مس المرأة لا ينقض الوضوء، لعدم الدليل الصريح الصحيح في هذه المسألة. والأصل الطهارة، أو أيضا عدم النقض، الأصل عدم النقض، سواء كان بشهوة أو بغير شهوة. إذا كان بشهوة ونزل منه مذي، فهذا ينقض وضوءه. وأما إذا كان لم ينزل منه مذي، فهذا لا ينقض وضوءه. قالوا: مس حلقة دبر. هنا يقول: إذا مس حلقة دبره أيضا ينقض وضوء. وهذا لم يأتي فيه دليل صريح صحيح، لم يأتي فيه دليل يدل على أن من مس حلقة دبره يعتبر ناقضا. إنما جاءت الأحاديث في مس الذكر. قال: لا مس شعر وسن وضفر وأمرد. أنا إذا مس شعر، أي شعر كان، لا ينقض. وأيضا السن والضفر. وإذا مس أمردا أيضا، أيضا أنه لا ينقض، أي المراد أنه مسه في غير ما ذكر. قال: ولا مع حائل. إذا كان عنده حائل، مس ذكره حائلا، أو مس مرأة وهو حائل، لا ينقض عندهم جميعا. قال: ولا ملموس بدنه. ولا ملموس بدنه، ولو وجد منه شهوة. معنى: إنسان لمسه مثلا لمرأة، مست رجل، ولو وجد منه شهوة، فإنه لا ينقض، معنى بغير يده، بغير يده أو باطن يده وكفه. إذا لمسه بباطن كفه وباطن كفه، أو خلفه أو ظهره، فإنه ينقض الوضوء. أما إذا لمسه بغير ذلك فهذا لا ينقض، ولو كان بشهوة. قال: وينقض غسل ميت. يعني إذا غسل ميت انتقض وضوء. وهذا غير صحيح. والحديث الذي جاء في ذلك: حديث أبي هريرة: «من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ». هذا الصحيح: أنه موقوف. وقد جاء عن صحابة: أنهم كانوا يغسلون الميت، فمنهم من يغتسل ومنهم من لا يغتسل، كما جاء عن ابن عمر عند دارقطني وغيره. وجاء كذلك في حديث ابن عباس قال: «إن ميتكم يموت طاهرا، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم». جاء موقوفا، مرفوعا، والصحيح: أنه موقوف على ابن عباس. لكن يدل على المقصود، فالميت يموت طاهرا. ومثل تغسيله، من غسله لا يدل على أنه يغتسل، بل لو غسل أيديه ما في شيء. قال: هو أكل اللحم خاصة من الجزور. أكل اللحم الجزور عند الحنابلة، وهو من أفراد هذا المذهب، مذهب الحنابلة: أنه ينقض الوضوء، لما جاء في حديث بريدة: «توضئوا من لحوم الإبل، ولا تتوضئوا من لحوم الغنم». وجاء كذلك في حديث جابر بن سمرة نحوه. فاستدل بهذا الإمام أحمد: أن لحم الجزور لا يدخل في النسخ، نسخ الوضوء مما مست النار: «توضئوا مما مست النار». لا يدخل فيه هذا النسخ، أن النبي صلى الله عليه وسلم خص لحم الإبل خصه بالوضوء. وهذا يدل على أنه حديث خاص، لا دخل له بحديث ما مست النار، فلهذا الصحيح: أنه إذا أكل لحم جزور أو لحم إبل فإنه يتوضأ. قالوا: كل ما أوجب غسلا أوجب وضوءا، إلا الموت. وهذا هو قول جمهور العلماء، خلافا لبعض الشافعية، فإنهم يقولون: ليس كل ما أوجب غسلا أوجب وضوءا. والصحيح: أنه إذا انتقض الغسل انتقض الوضوء، إذا انتقض الغسل انتقض الوضوء، سواء كان انتقض بجنابة أو انتقض بجماع أو انتقض مثلا بردة، بأي شيء ينتقض ويوجب الغسل، فإنه يوجب الوضوء كذلك. قال: إلا الموت. الموت معنى: أنه لا يجب تغسيل الميت، وإنما يغسل، لا يجب وضوء الميت، لا يوضأ وإنما يغسل، لكن السنة: أنه يوضأ. قالوا: من تيقن الطهارة وشك في الحدث، وبالعكس بني على اليقين. فإن تيقن هما وجهل السابق، فهو بضد حاله قبلهما. هذه المسألة تقدمت في الوضوء، والأمر مثلها. من تيقن الطهارة وشك في الحدث، فإنه يبقى على طهارته. ومن تيقن الحدث وشك في الطهارة، فإنه يتوضأ. فمعنى: إذا كان يذكر أنه بال، لكن ما يذكر هل توضأ بعد البول أو قبل البول، فاليقين هو: إيش أنه بال، والشك: أنه هل توضأ قبل أو بعد، فهنا يتوضأ، يمسك على اليقين: أنه يتوضأ. وإذا كان العكس كذلك، إذا كان عنده يقين بالطهارة: أنه توضأ، لكن يشك هل بال بعد ذلك أو حدث بعد ذلك، فهنا يبقى على اليقين. قال: فإن تيقنهما وجهل السابق، فهو بضد حاله قبلهما. أنا تيقن أنه توضأ وتيقن أنه بال، لكن لم يدري ما هو أيهما أسبق، ما يدري هل البول أسبق أو الوضوء أسبق، كيف يفعل؟ يرجع إلى ما قبلهما، يرجع إلى ما قبلهما. إذا كان قبلهما يعلم أنه على طهارة، مثلا صلى، هذا البول مثلا حصل بعد صلاة، معنى: بعد صلاة الظهر، هو صلى الظهر متوضئا، ثم حصل له أنه بال، وحصل له أنه توضأ، ما يدري هل هو بال قبل الوضوء أو بعد الوضوء، وشك في كليهما، فيرجع إلى ما سبق، ما قبلهما. قال: ويحرم على المحدث مس المصحف، والصلاة، والطواف. عن المحدث حدث أصغر، يحرم عليه ثلاثة أشياء: مس المصحف، والصلاة، والطواف. لا يجد له أن يمس المصحف، وهذا كما قلنا: قاله الجمهور، أهل العلم. وليس هناك دليل صريح، إلا في الآية: «لا يمسه إلا المطهرون». والعاية لا تدل على أنه المصحف، وإن دلت على المصحف، فهو ليس المراد به أهل الناس، وإنما الملائكة، لأنه قال: «المطهرون». ولو أراد الناس لقال: «المتطهرون»، لأن الإنسان يتطهر. وأما الملائكة فهم مطهرون، خلقهم الله عز وجل على الطهارة. وحمله بعض العلماء: لا يمس القرآن إلا طاهر، أي: إلا مؤمن، إلا مؤمن. لا يمسه القرآن إلا مؤمن. ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أخذ المصحف إلى بلاد العدو. وصحيح: أن مس المصحف لا دليل على أنه لا يمس إلا بوضوء، لكن الأفضل هذا، الأفضل هذا، أولا خروجا من الخلاف، وكذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يذكر الله على طهارة. قال: والصلاة. وهذا الصلاة لا شك فيها، وقد جاءت الأحاديث، بل قول الله عز وجل: «أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم». قالوا: إذا قمتم وأنتم محدثون. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا حدث حتى يتوضأ». فهذا لا خلاف فيه. قالوا: والطواف. معناه: يحرم على المحدث الطواف. لكن لا دليل، لم تأتي، أو لم يصح شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا، إلا في الحائض، قال: «افعلي كل شيء، غير أن لا تطوفي بالبيت». وقياس المحدث على الحائض غير صحيح، قياس المحدث على الحائض غير صحيح، لأن الحائض ليس فقط أنها حدث، بل هناك أيضا أمر آخر، وهي نزول الدم، قد يلوث المسجد، قد يلوث أماكن الطواف، فليس هذا القياس صحيحا. فالصحيح في هذه المسألة أيضا: أن الطواف لا يحتاج إلى وضوء، لا يحتاج إلى وضوء، وإنما من باب الاستحباب. وكذلك أيضا إلا إذا كانت حائضا، فلا تطوف بالبيت. الحائض لا تطوف، ولهذا رخص بعض العلماء عند الاضطرار: أنها تطوف إذا كانت ستفقد الرفقة، ولا تستطيع أن تأتي السنة الأخرى، فإنها تطوف ولو كانت حائضا. والمهم: أنه لا دليل صريح على أن المحدث لا يطوف. والصحيح: أنه يصح الطواف بدون وضوء، ولو كان أيضا حتى جنبا، لا دليل على أن الجنب لا يطوف. وهذا من باب التيسير أيضا، حتى الآن من باب التيسير، الآن الإنسان في شدة الزحام، لا يستطيع لو أحدث لا يستطيع أن يذهب إلى الحمامات ثم يرجع، تكون مشقة شديدة عليه لكثرة الزحام، فهو يريد أن ينتهي من الطواف، فإذا انتقض وضوءه ذهب يتوضأ. وأيضا الذين يقولون بمس المرأة، فعندنا إشكال كبير، وعندنا يجدون الآن إشكالات كثيرة. ولهذا بعض الشافعية قالوا: هناك في الحرم نكون حنابلة، وعندنا يقولون: مس المرأة لا ينقض إلا بشهوة، مثل المالكية، مثل الحنابلة، فلهذا له المذهب المشهور عن أحمد: أنه لا ينقض مس المرأة، لكن بعضهم يقول: أنه بشهوة، في المذهب عندهم، فلهذا ذكروه إذا كانت بشهوة. المهم: قالوا: نحن نكون حنابلة هناك، لأنه لو كانوا شافعية سيتعبون، معنى: قلنا أن الإنسان ينجو من مس المرأة، أن أمامك وخلفك وكذا، أحيانا بالغلط تمسها أو هي تمسك، فعلى مذهب الشافعية يكون صعب جدا الإنسان يكمل طوافه، إلا إذا كان عمل له حاجز وطاف بحاجز، فلهذا فهنا الآن ترخصوا، ترخصوا في هذا الباب. والصحيح: هذا أنه ما في دليل على الإلزام. إن شاء الله.