الدرس في كتاب الإجارة 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن هذا المحور جواز إجارة الأرض بنسب محددة من الخارج لا بجزء معين، ويقرر قاعدة "الخراج بالضمان" التي تجعل المستأجر ضامناً لما يتلف تحت يده. ويستدل بأحاديث في ضمان الطبيب وغيره لإثبات أن من له المنفعة عليه الضمان.
يوضح المقطع تفصيل الضمان في المستأجر والطبيب، فالمستأجر يضمن ما أتلفه بتعديه أو تفريطه، والطبيب المتخصص لا يضمن الخطأ غير المتعمد بخلاف غير المتخصص. ثم ينتقل إلى باب الإحياء والإقطاع مبيناً أن من سبق إلى إحياء أرض موات ملكها.
يستعرض هذا المحور حكم إحياء الأرض الموات بأنها لمن أحياها بالزراعة أو البناء بشرط ألا تكون مملوكة، مع تنظيم الدولة لمهل الاستغلال ومنع الاحتكار. كما يسرد أمثلة من إقطاعات النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة لأراضٍ ومعادن مؤكداً أحقية المسبِق.
يذكر المقطع أمثلة محددة من إقطاعات النبي عليه الصلاة والسلام، حيث أقطع بلال المزني معادن القبلية، وأقطع لرجل من مزينة مكاناً للملح. ويختتم بالتأكيد على الاكتفاء بما ذُكر من هذه الإقطاعات النبوية.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، طيب، بقيت مسألة أخيرة في الإجارة، ومسألة قوله: "أن يكرى العبد مدة معلومة بأجرة معلومة، ومن ذلك الأرض لا بشطر ما يخرج منها". بينا أن الإجارة لمدة معلومة بأجرة معلومة هذا جائز عند أكثر العلماء، وإنما حصل الخلاف إذا كانت المدة طويلة، قد يعني لا، قد مثلاً لا تكون هذه المدة مساوية لهذا المؤجر. إذا المؤجر مثلاً البيت، كما قلنا، إذا كان بيتاً خرباً، ويؤجر ثلاث سنوات، وهو قد لا يطال هذه السنوات الثلاث، فالصحيح أنه جائز. فمتى مثلاً هدم، إن هدم البيت، أو انتهى هذا الأجل، هذا أو مدة هذا المؤجر، فترجع، يرجع ما له. وأما قول المؤلف رحمه الله: "لا بشطر ما يخرج منها"، فهذا كما قلنا الصحيح خلافه، وهو قول جمهور العلماء. الصحيح أنه يجوز أن يؤجر الأرض بشرط ما يخرج منها، لكن يكون بالنسبة، لا يكون شيئاً معيناً. مثلاً لا يقال: يقول له: "اشتغل عندي في المزرعة وسأعطيك أجرة كذا وكذا من التمر مما يخرج منها"، لكن يعينه، هذا غير صحيح. مثلاً يقول: "سأعطيك عشرة كيلو"، هذا غير صحيح. لكن معناه يكون بالنسبة، إما بالثلث، أو بالربع، أو بالنصف، على حسب ما يخرج منها، فهذا يكون صحيحاً، وليس فيه جهالة. لأننا لو قال له: "أجرة معلومة"، ممكن مثلاً المزرعة تخرج مثل هذا الذي ذكره، ممكن أن تخرج أقل، فلذا يكون بين الغنم والغرم. فاي عقد يكون بين الغنم والغرم فهو من الميسر، ومن الجهالة، ولا يجوز. أحياناً بعض الأشياء يتجاوز عنها الفقهاء، وإن شاء الله تعالى نذكرها في درس غير هذا. بعض الأشياء مثلاً يكون فيها الغرر يسير فيحتمل، وقد ذكر العلماء مسائل يحتمل فيها الغرر اليسير، لكن الأصل أن كل ما فيه غرر، أو احتمل الغنم والغرم، فأصله التحريم. وأما هذه المسألة التي ذكر المؤلف، إذا كان بالنسبة، فليس فيها غنم ولا غرم بالنسبة. إن وجد هذا التمر أخذ نسبته، وإن لم يوجد أصلاً خسر جميعاً. لكن أن مثلاً ما نتجت هذه المزرعة إلا ستون صاعاً، يأخذ حقه عشرين صاعاً بالنسبة. ما نتجت إلا مثلاً ثلاثين، يأخذ عشرة، وهكذا. قالوا: "من أفسد ما استأجر عليه، أو أتلف ما استأجره، ضمن". وذكرنا قبل أن الخراج بالضمان، مثل ما جاء في الحديث. وإن كان الحديث فيه ضعف، لكنه أصل اتفق عليه العلماء: أن الخراج بالضمان، أو الضمان بالخراج. معناه: من عنده الدخل، ويستفيد أو المنفعة، فالضمان عليه. واستدل العلماء بهذه القاعدة بأحاديث كثيرة، بأن الإنسان مادام تحت يده، وتحت تصرفه، وأيضاً هو المنتفع، فهو الضامن. فمن ذلك مثلاً حديث: "من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن". حديث عامر بن شعيب عن أبيه عن جده: "من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن". وهذا الحديث اختلف العلماء في تعليله، فمنهم من أعله بالإرسال، ومنهم من ضعفه أيضاً بالانقطاع. وأجاب: "أيما طبيب تطبب على قوم لا يعرف له التطبب قبل ذلك، فأعنت، فهو ضامن". وهو أيضاً مرسل، أخرجه أبو داود. وأيضاً استدلوا بحديث: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه". وهو حديث مختلف فيه، وجاء الصحيح أنهم الحديث الحسن عن سمرة، والحسن لم يسمع من سمرة إلا بعض الأحاديث. طيب، أيضاً قلنا: استدلوا بحديث "الخراج بالضمان"، وغيرها من الأحاديث التي استدلوا بها، وقد اتفق العلماء على ذلك، على أن من كان تحت يده المنفعة، وله الدخل، فهو ضامن. فكذلك هنا المستأجر، المستأجر هو ضامن. لماذا؟ لأنه هو الذي ينتفع بهذا البيت، هو الذي ينتفع بهذا البيت، فكل ما تلف بسببه فهو ضامن له. وأما الأشياء مثلاً، الأشياء التي ليست بسببه، مثلاً هدم البيت، معناه انهدم البيت لعلة، أنه بيت خرب، أو جاءت سيول وأحيط على هذا البيت، فدخل الماء فيه، فأتلف، فهذا ليس له دخل فيه. الأشياء التي ليست له دخل فيها، حصلت من غير اختياره، ولا بسببه، فهذا لا يضمن فيها. وإنما يضمن في الأشياء التي حصلت بسببه، حصلت بسببه. مثلاً هو في البيت، تخرب مثلاً شيء من أدوات الكهرباء، تتخرب شيء من أدوات الماء، بسبب استعماله، فهذا يضمن، فهذا يضمن. فقال المصنف: "من أفسد ما استأجر عليه، وأتلف ما استأجره، ضمن". مثلاً أخذ مثلاً دراجة، استأجر، أخذ سيارة استأجر، فصدم بها، فهل يقال إن هذا على المالك؟ لا، إنما عليه الضمان. عليه هو الذي يصلح السيارة. لماذا؟ لأنه هو المنتفع بها، وهو بسبب حصل هذا. فإذا قتل إنسان أيضاً، مثلاً صدم إنسان وقتله، فالدية عليه، ليس على المالك. وهكذا، فكل ما كان تحت يده، وتحت منفعته، وتحت ضمانه، فهو يضمن فيه، فهو يضمن فيه. أيضاً كذلك من تطبب ولم يعلم منه طب، مثلاً دخل في عملية جراحية، وهو ليس لم يجرب هذا، فأفسد، فإنه يضمن. لكن إن كان متخصصاً، وقد عمل مثل هذه الأشياء، أو تخصص فيها، فحصل خطأ، وهو غير ملام، إذا كان مثلاً لم يتسبب في هذا الخطأ، أو لم يفرط، الأصل أن من تعدى وفرط فهو يضمن. لكن بعض الأشياء، بعض القضايا، الأصل أنه لا يضمن فيها إلا إذا تعدى أو فرط، وبعض القضايا يضمن ولو لم يتعدَ ولم يفرط، وهذا بحسب الأسباب كما قلنا، والدخل. وأيضاً مثل هذه الأشياء التي يكون فيها ضمان، مثلاً كما قلنا: الدكتور أو الطبيب، هذا إذا كان هذا الطبيب متخصص في هذا الشيء، فحصل منه خطأ، فهو ليس بضامن. يعني خطأ حصل ليس عن تعدٍ ولا عن تفريط، يقدر من يفهم هذا الشيء، فهذا لا يضمن. لكن إن حصل عن هذا الخطأ عن تعدٍ أو تفريط منه، فهذا لا شك أنه يضمن. لكن إذا دخل في هذا الشيء من لا يعلم، أو من لا يعرف هذا الأمر، مثلاً عنده مرض، فقال له: "صيد لي"، مثلاً قال له: "عليك أن تشرب دواء كذا وكذا"، فقال له بالخطأ، فهو الآن يضمن. لماذا؟ لأن ليس هذا شأنه، دخل في شيء ليس من شأنه، وغيرها من هذه الأشياء التي يكون فيها الضمان لهذا الشخص بسبب تفريطه أو تعديه. وحاصل كما قلنا: يكون الأصل هو الضمان، لعل أنه مثلاً ينتفع به، مثل المستأجر، المستأجر الضمان عليه، عليه في ماذا؟ فيما ينتفع به، فيما ينتفع به. أما ما حصل فيما لم ينتفع به، الضرر، ولم يكن هو سبب، فهذا ليس عليه. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا. نأخذ باب الإحياء، هو قصير. باب الإحياء. طيب، نأخذ باب الإحياء. قال: "باب الإحياء والإقطاع". قال: "من سبق إلى إحياء أرض لم يسبق إليها غيره، فهو أحق بها، وتكون ملكاً له". ويجوز للإمام أن يقطع، من في إقطاعه وصلاحه، شيئاً من الأرض الميتة، أو المعادن، أو المياه. هذا الإحياء والإقطاع. الإحياء هو إحياء الأرض، إحياء الأرض التي ليس فيها إحياء، إما بالنبات، وإما بالبناء. من يبني في هذه الأرض، أو يحييها بالمزرعة، بالنبات، فهذا إحياء. وأما الإقطاع، المراد به ما يقطعه الإمام، ويعطيه الإمام لبعض الناس، إما مثلاً لمصلحة، مثلاً لعل مثلاً تربية بهائم، لعل مثلاً شركة، لعل مثلاً مصنع، في شيء من المصانع، أو غيرها من هذه الإقطاعات التي أقطعها الإمام. فالإحياء هنا، القاعدة فيه: أن من سبق إلى إحياء أرض لم يسبق إليها غيره، فهو أحق بها. هذا حكم الشرع في هذا. وقد جاء في حديث جابر في مسلم، أقصد معنا في البخاري، جاء أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "من أحيا أرضاً مواتاً فهي له". من أحيا أرضاً مواتاً فهي له. وجاء في لفظ البخاري: "من عمر أرضاً ليست لأحد فهو أحق بها". وهذا لعائشة رضي الله عنها في البخاري. وجاء من حديث جابر عند أحمد والنسائي: "من أحيا أرضاً فهي له". وجاء: "من أحيا أرضاً مواتاً، مواتاً، مواتاً"، معناه: لم يعمل فيها شيء، ليست فيها نبات، وليست فيها بناء، تسمى مواتاً. وجاء في حديث جابر: "من أحاط حائطاً على أرض فهي له". من أحاطها بحائط، أو وطأها، فهي تكون حجة له. والموات، والمهم أن هذا الحكم في حكم الإسلام: أن من أحيا أرضاً ليست لأحد، ليست فيها ملك لأحد، فأحياها بالزراعة، ببناء، فهي له. هذا الأصل، إلا إذا كانت هناك مصلحة عامة، مثلاً للناس، قدرها الحاكم، مثلاً جاء خط مثلاً في هذا المكان، وهنا لابد أنه إما أن يعوض، وإما أن يأخذ عليه هذا الشيء. والأصل أنه يعوض إذا كان مثلاً قد أحياها. وأما إذا لم يحييها، فهي ليست له. مثلاً مثل ما يفعل الناس، تجد أنه يمسك قطعة أرض، لا يفعل فيها لا بناء ولا غير، يتركها هكذا سنوات كثيرة، وهذا الأصل أنها ليست له. لأن من أحيا أرضاً مواتاً فهو أحق بها، فهو أحق بها. لكن مثل هذه الأشياء قد تكون فيها إشكالات، فلذا تنظمها الدولة، تنظمها الدولة. هنا معناه: هناك نظام للدولة. لكن ما يعمل به الدولة، مثلاً تقدر عشر سنوات للبناء، إن لم يبني هذا صاحب الأرض الذي أعطيت له، أو التي حجزها، إن لم يبنيها في هذه المدة، أخذت عليه. وكذلك صاحب المزرعة، خمس سنوات. لكن ما يفعل، ما يعملون به، أن قد يكون الإنسان له أرض أكثر من عشرين سنة، وهو لم يعمل فيها شيء أبداً، عن حجز فقط. فالأصل أن الحجز ليس حقاً، الحجز ليس حقاً، لكن هو أحق بها إذا أراد أن يحييها. لكن إذا لم يحييها، فهي ليست له. وجاء إنسان وأحيها، فالأصل أنها له، فالأصل أنها له. لكن هذه الأمور، معنى يرتبها الإمام، حقاً لا تحصل الخصومات بين الناس. وإلا الأصل أن من عمر أرضاً ليست لأحد فهو أحق بها. وجاء في حديث سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له". وهذا أيضاً قاعدة: من سبق إلى شيء لم يسبق إليه أحد فهو له. وإن كان هذا الحديث فيه ضعف، لكن الصحيح أن هذه قاعدة عند العلماء: معنى سبق إلى شيء لم يسبق إليه أحد فهو أحق به، في كل شيء هذا الأصل. لكن قد تكون هناك نوازل أخرى تمنع هذا الشيء. طيب، قال: "ويجوز للإمام أن يقطع الأراضي الميتة، والمعادن، والمياه". فهذا قد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام فيه أشياء كثيرة من هذا. من ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع الزبير، أقطع أرضاً للزبير بن العوام، كما في الصحيحين، في حديث أسماء. وأيضاً أقطع النبي صلى الله عليه وسلم لوائل بن حجر أرضاً بحضرموت. وأيضاً أقطع النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أصحاب المعازب، أراضي، لبلال بن الحارث المزني، أقطع له معادن القبلية، قلعها وغورها، عن قلعها وغورها، المرتفع منها والمنخفض. وهذا الحديث يحسنه بعض العلماء، كالشيخ الألباني. وأقطع النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن عوف المزني، أيضاً عمر بن عوف المزني، أقطع له. والمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع لأناس كثيرين، أقطع لهم، أن يعطاهم أرضاً، إما للزراعة، وإما لأجل أن يربوا فيها الإبل، أو لأجل غيرها من الإقطاعات. أقطع، كما قلنا، لبلال المزني، معادن القبلية، أعطاه معادن. وأقطع لرجل من مزينة، أقطع له مكاناً للملح، وغيرها من هذه الأمور التي أقطعها النبي عليه الصلاة والسلام. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.