التعليق على كتاب القواعد المثلى 30

الدرس في التعليق على كتاب القواعد المثلى 30، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح حديث الولي ومعناه

يشرح الحديث من صحيح البخاري ويبين معناه الصحيح بأن الله يسدد الولي في أفعاله وأقواله. الحديث لا يعني امتزاج الله بالولي.

الرد على الصوفية وعباد القبور

يناقش بطلان ادعاء الصوفية أن الأولياء يمتلكون صفات إلهية ويبين استحالة تشابه صفات الله مع المخلوقين. يشير إلى جهود العلماء في الرد على الشبهات.

تأثير الأشعرية على أهل المغرب

يروي كيف تأثر أبو ذر الهروي بمذهب الأشعرية من خلال أبي بكر الباقلاني ونقل هذا المذهب إلى أهل المغرب مع مذهب مالك وصحيح البخاري.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، ما بعد. قال المؤلف رحمه الله: المثال الحادي عشر، المثال الحادي عشر قوله تعالى في الحديث القدسي: «وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه». قالوا: لذلك أن نقول في الرد عليه والجواب أن هذا الحديث صحيح، رواه البخاري في باب التواضع الثامن والثلاثين من كتاب الرقاق. هذا حديث رواه الإمام البخاري من طريق خالد بن مخلد القطواني عن سليمان بن بلال عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. وهذا يسمى حديث الولي، وهو حديث صحيح، لأنه كما قلنا رواية خالد بن مخلد القطواني عن سليمان بن بلال صحيحة، لا كما زعم بعض العلماء أن خالد بن مخلد ضعيف، لكن في روايته عن أهل المدينة صحيحة، وخاصة عن سليمان بن بلال، فلهذا الحديث صحيح. وأما قول الإمام الذهبي رحمه الله: «لولا هيبة الصحيحين لضعفت هذا الحديث»، هذا لأنه أخذ على أن خالد بن مخلد منكر الحديث، لكن قد نقل جماعة من أهل العلم عن ابن معين أنه قال: هو صحيح في حديث أهل المدينة. ونقل ذلك الإمام ابن عبد الهادي في «أصارم المنكر». طيب، فالحديث صحيح. قال: وقد أخذ السلف أهل السنة والجماعة بظاهر الحديث وأجروه على حقيقته. لكن ما ظاهر هذا الحديث؟ يبين شيخ الإسلام ابن عثيمين أن أهل السنة أخذوا بظاهره، لكن ما ظاهره؟ هل ظاهره أن الله عز وجل اختلط في عباده؟ هذا ليس فيه أبدا. قال: هل يقال أن الظاهر أن الله تعالى يكون سمع الولي وبصره ويده ورجله كما قال الصوفية؟ هل هذا معنى الحديث؟ أو يقال أن الظاهر أن الله تعالى يسدد الولي في سمعه وبصره ويده ورجله بحيث يكون إدراكه وعمله لله وبالله وفي الله؟ لكن هؤلاء يقولون لا، قالوا: أهل التصوف معنى «يكون الولي هو الله»، الولي هو الله. لكن سيفضحهم آخر الحديث: «ولئن سألني لأعطينه»، كيف سيكون هناك سائل ومسؤول؟ كيف تقولون أن الولي هو الله إذا كان هو الله كيف يسأل؟ «ولئن استعاذني لأعيذنه»، يعني يحتاج إلى من يعيده، فكيف يكون الله وهو يحتاج إلى من يعيده ومن يحميه ومن يعصمه؟ فلهذا من قال مثل هذا الكلام هذا تناقض، هذا تناقض بين من قال به، وليس هو ظاهر أبدا. قال: ولا ريبة أن القول الأول ليس ظاهر الكلام، بل ولا يقتضيه الكلام لمن تدبر الحديث، فإن الحديث ما يمنعه من وجهين. والناس تجد يتكلمون بمثل هذا الكلام حتى فيما بينهم، مثلا بعض الناس يقول: هذا ذراع اليمين، مثلا يقول: فلان ذراع اليمين، هل هو ذراعه اليمين؟ معنا جالس في ذراعه؟ ما هو ذراعه اليمين، لكن معنا أنا أعتمد به مثل ذراع اليمين، أعتمد عليه مثل أعتمد على ذراع اليمين. فهذا الحديث مثله: «كنت سمعه الذي يسمع به»، معنا وأيده في سمعه وأيده في بصره وأسدده كذلك في مشيه وهكذا. قال: الوجه الأول أن الله تعالى قال: «وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه»، وقال: «ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه». قال: فأثبت عبدا ومعبودا ومتقربا ومتقربا إليه ومحبا ومحبوبا وسائلا ومسؤولا ومعطيا ومعطاء ومستعاذا به ومعيذا ومعاذا، هذا كله يدل على أنه ليس المراد أن هذا الولي هو الله كما يدعي الصوفية، ولا هو ظاهر الكلام. قال: فسياق الحديث يدل على اثنين متباينين وكل واحد منهما غير الآخر، فهذا يمنع أن يكون أحدهما وصفا في الآخر أو جزءا من أجزائه. الوجه الثاني أن سمع الولي وبصره ويده ورجله كلها أوصاف أو أجزاء مخلوقة حادثة بعد أن لم تكن، ولا يمكن لأي عاقل أن يفهم أن الخالق الأول الذي ليس قبله شيء يكون سمعا وبصرا ويدا ورجلا لمخلوق، هذا بعيد جدا، يستحيل أن سمع الله عز وجل ليس كسمع هذا المخلوق. فإذا قال مثلا ظاهره أنه يكون سمعه، هل هذا المخلوق يسمع كل شيء؟ هذا بعيد جدا. لكن الصوفية وعباد القبور أعطوا هؤلاء الأولياء هذه الصفات، وإلا فهي باطلة. قال: بل إن هذا المعنى تشمئز منه النفس أن تتصوره ويحسر اللسان أن ينتقى به، ولو على سبيل الفرض والتقدير، فكيف يسوق أن يقال إنه ظاهر الحديث القدسي؟ وإنه قد صرف عن هذا الظاهر. سبحانك اللهم وبحمدك، لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. قال رحمه الله: وإذا تبين بطلان القول الأول وامتناعه تعين القول الثاني. أحيانا تذكر بعض الأشياء ما تريد أن تذكرها، لكن لأن هؤلاء فهموا مثل هذه الأفهام السقيمة فاضطر العلماء أن يذكروا مثل هذه الأشياء، ليس تقليلا في حق الله عز وجل، فهو العظيم سبحانه وتعالى، لكن لأجل أن يبينوا أن يلزموا بطلان قول هؤلاء، لأن الناس قد يقتروا، لو لم يرد عليهم بمثل هذه الأشياء قد تدخل في بعض الناس يقول لك: هذا كلام صحيح، أنتم الآن ما أخذتم بالظاهر، ويترك على هذه الشبهة يترك مذهبا للسنة كلها. قال: لكن الله عز وجل سخر لهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أنا ما في أحد قام قيام شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم في الرد على الأشعرية. صحيح أن هناك من العلماء من رد على الأشعرية مجملا، وأيضا كان يعيب الأشعرية، لكن ما يوجد عنه رد كرد الشيخ الإسلام، لأنهم بانتشار مذهبهم هذا أغروا كثير من العلماء، كثير من أهل العلم صار معهم بسبب أنه لم يفهم هذه الأشياء. قال: فكان يقول مستحيل على الله هذا، مستحيل على الله هذا، فحتى دخل أنه مستحيل في الصفات. ولهذا كما قلنا بعض العلماء هم أطلعوا على السنة وحبوا السنة، لكن تأثروا بهذه الشبهات. الآن عندك كثير من المالكية، الطرطوشي أبو بكر الطرطوشي وأبو شامة الدمشقي، وأيضا كما قلنا صاحب «الاعتصام» الشاطبي، هؤلاء مالكية هم في السنة مستقيمون، ينكرون البدع وينكرون كذا، لكن أدخل عليهم مذهب الأشعرية. قال: أهل المغرب كأساس كامل، أهل المغرب ما كانوا يعرفون أصلا مذهب الأشعرية، ما عندهم إلا مذهب السنة. فجاء أبو ذر الهروي وجاء لهم بمذهب مالك ومذهب الأشعرية، مذهب مالك ما في شيء، لكن جاء بمذهب الأشعرية حتى استغربوا من أين لك هذا المذهب؟ أنت ذهبت تطلب العلم عند أهل السنة، من أين جئت بهذا المذهب؟ أنا أنت ذهب إلى كان يطلب العلم عند كثير من أهل السنة، أبو إسماعيل الهروي وكذا. فقال بعضهم له: يا أبا ذر، من أين جئت بهذا المذهب الأشعري؟ أنا كان يقول لك: أنت الآن نعرف أنك ذهبت عند أهل السنة، تربيت عند أهل السنة، مشايخك أكثرهم مع السنة. أنا درس كما قلنا عند أبي إسماعيل الهروي وهو إمام من أئمة السنة، درس عند الدارقطني وهو إمام من أئمة السنة. لكن من أين جئت بهذا؟ فقال: انظر إلى هذا الأثر الذي قد أحيانا يغفل عنه من هو من أهل السنة يغفل عنه. قال: مرة كنت مع الدارقطني، أنا يقول أبو ذر أنه قال: كنت مع الدارقطني أمشي معه، قال: فلقي أبا بكر الباقلاني. أنا دارقطني التقى مع من؟ مع أبي بكر الباقلاني، وأبو بكر الباقلاني إمام من أئمة الأشعرية. صحيح هو يدافع عن السنة وله مقالات كثيرة في الرد على المعتزلة وكذا، لكنه تأثر بمذهب الأشعرية خاصة في النبوات وفي غيرها من الأبواب، ويثبت بعض الصفات. فقال: فكنت مع الدارقطني فلقي أبا بكر الباقلاني، قال: فأخذ وضمه وقبل رأسه، ثم فقلت للدارقطني: من هذا؟ أنا بعد ما مشى قلت له: من هذا؟ قال: هذا أبو بكر الباقلاني إمام المسلمين. أنا الدارقطني الآن أثنى على أبي بكر الباقلاني، وقال: إمام المسلمين، وهو الدارقطني معناه يريد إيش أن يبين؟ لأن الباقلاني في ذاك الوقت له أثر كبير في الرد على المعتزلة، معناه المعتزلة لهم شوكة وقوة في ذلك الوقت، لكن لما جاء أبو بكر الباقلاني أخمدهم، معناه ما صار أحد يجاهر من المعتزلة. قال: حتى قال بعضهم: فجعلوا في قماقمهم السمسم، أنا كأنه دخلوا في جحور صغيرة ما استطاعوا أن يجاهروا بمذهب المعتزلة عندما كان الباقلاني، لأنه رجل ذكي. حتى مرة تناظر هو رجل من المعتزلة فتناظروا في مسألة، فتكلم تكلم الباقلاني بكلام كثير حجج وكذا حتى أبهر هذا المعتزلي، فقال له بعض الناس: قال له أعد كلام الشيخ الذي قاله، قال: هذا الكلام لا يستطيع نفسه أن يعيده، هذا الكلام الذي قاله هو نفسه ما يستطيع يعيده، معنا من كثرة الحجج التي ذكرها والكلام حتى أبهر هذا المعتزلي ورجع عن اعتزاله. المهم أن هذا تعثر فيه الدارقطني، وأن هذا إمام لا بد أن يمدح لأنه أولا كسر المعتزلة، وكان له شأن في ذلك الوقت. بعض أهل السنة لم يحس بخطرها، يظن أنها أنا اعتقاد أهل السنة، خاصة مثل الباقلاني ما كان يظهر شيء من الاعتقادات التي تخالف السنة، لكن له مباحث هي مباحث لئيمة، معناها في كلام في النبوات وعن الصفات، فهو يتكلم فقط في الصفات الفعلية، يأولها، أما الصفات الخبرية يثبتها على عقيدة الأشعرية، معناها على العقيدة الأخيرة حق الأشعرية. المهم أن أبا ذر تأثر بمن؟ بأبي بكر الباقلاني، ترك الدارقطني وذهب إلى الباقلاني فتأثر بمذهب الأشعرية. فلما رجع إلى بلده، أبو ذر الهروي عالم من العلماء، الحديث هو الذي أيضا معناه نقل إلى أهل المغرب ثلاثة أشياء: نقل مذهب مالك، ونقل صحيح البخاري، ونقل كذلك مذهب الأشعرية. قال الشيخ هنا: يقول وإذا تبين بطلان القول هو المتناع وتعين القول الثاني، وهو أن الله تعالى يسدد هذا الولي في سمعه وبصره وعمله، بحيث يكون إدراكه بسمعه وبصره وعمله بيده ورجله كله لله تعالى إخلاصا وبالله تعالى استعانة وفي الله تعالى شرعا واتباعا، فيتم له بذلك كمال الإخلاص والاستعانة والمتابعة، وهذا غاية التوفيق. وهذا فسره به السلف، وهو تفسير مطابق لظاهر اللفظ، موافق لحقيقته، متعين بسياقه، وليس فيه تأويل ولا صرف لكلام عن ظاهره. ولله الحمد، منه ما عرف أن أحدا من السلف أبدا أنه يقول أن الله عز وجل قد تمثل في هذا العالم، ما يقولون مثل هذا. هذه العبارات حصلت في هؤلاء المتصوفة القبورية، وإلا السلف ما ينطقون مثل هذه الألفاظ. من هذا الذي سيجري ويقول أن الله يتمثل في فلان؟ طيب.