التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 14

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 14

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 14، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحريم التشبه بأعداء الله تعالى

يبدأ شيخ الإسلام بذكر الأدلة من القرآن الكريم في تحريم التشبه بأعداء الله عز وجل، مستشهدا بآيات تنهى عن اتباع أهواء الكفار واليهود والنصارى. هذا التحريم يستند إلى ضرورة تمسك المسلمين بدينهم وعدم اتباع من سبقوهم.

استبدال القبلة ومخالفة اليهود والنصارى

تناول المقطع تفسير الآيات المتعلقة باستبدال القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة بهدف مخالفة اليهود وكسر حجة الاحتجاج بالموافقة في القبلة. كما أشار إلى أهمية تمسك أهل الإسلام بعزتهم وعدم تقليد الكفار.

مخالفة اليهود والنصارى في الدين والعادات

يشرح المقطع أهمية مخالفة اليهود والنصارى في قبلتهم ودينهم وعاداتهم، ويبين أن مخالفتهم مشروعة في الأمور التي لم يأمر الله بها. بينما لا يجوز مخالفة شرع الله لمجرد مخالفة اليهود والنصارى.

البعد عن مشابهة غير المسلمين وتأصيل المصلحة

كلما ابتعد المسلم عن مشابهة غير المسلمين فيما لم يشرع لنا، كان أبعد عن الوقوع في المحظور. هذا البعد يحقق مصلحة جليلة وهي الحفاظ على دين الله وتفريقه عن عادات غير المسلمين.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، ذكر شيخ الإسلام ورحمه الله تعالى بعض الأدلة في تحريم التشبه بأعداء الله عز وجل. ذكر أدلة من القرآن، قالوا في هذا الباب قوله سبحانه: ﴿الذين آتيناهم الكتاب فرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق﴾. وانظروا إلى تركيز شيخ الإسلام ورحمه الله في هذه الآيات، قال: فالضمير في "أهوائهم" يعود - والله أعلم - إلى ما تقدم ذكره، وهم الأحزاب الذين أنكروا بعضه. أن هذه الأهواء هي أهواء هذه الأحزاب الكافرة، فدخل في ذلك كل من أنكر شيئا من القرآن، من يهودي ونصراني وغيرهما. وقد قال الله عز وجل: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم﴾، قالوا: متابعتهم فيما يختصون به من دينهم وتوابع دينهم اتباع لأهوائهم، بل يحصل اتباع أهوائهم بما هو دون ذلك. فربنا جل وعلا هنا نهى نبيه عليه الصلاة والسلام أن يتبع أهواء الذين لا يعلمون من اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار. والهوى قد يشمل ما هم عليه من الدين، وكذلك ما اختصوا به من الأفعال. قالوا: من هذا أيضا قوله جل وعلا: ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير﴾. فانظر كيف قال في الخبر "ملتهم"، وقال في النهي "أهواءهم". قال: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم"؛ حتى تتبع دينهم، لا يرضون عنك حتى لو اتبعتهم في عيادهم، في لباسهم، في كذا، لا يرضون عنك، لكن لا بد حتى تتبعهم في ما هم عليه من الدين. فقال: ﴿قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير﴾. ففرق في الأمر ذكر "ملتهم"، وفي النهي ذكر "أهواءهم"، قال: لأن القوم لا يرضون إلا باتباع الملة مطلقا، والزجر وقع عن اتباع أهوائهم في قليل أو كثير. ومن المعلوم أن متابعتهم في بعض ما هم عليه من الدين نوع متابعة لهم في بعض ما يهوونه، ولا حتى لو تابعهم في شيء من دينهم أو من مختص به، فهو اتباع لما يهوونه. لكن هم ما يرضون بذلك، وإن اتبعهم أهل الإسلام، وإن كذلك تخلقوا بأخلاقهم، أو لبسوا لباسهم، أو فعلوا ما فعلوا، فهم لا يرضون بذلك حتى يتبعوا دينهم. قالوا: من هذا الباب قوله سبحانه وتعالى: ﴿ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾؛ أي: هذا القرآن يعرفونه، ويعرفون نبي الله صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم. ﴿وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكون يأتي بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير﴾. وهذا بيان عظيم من ربنا سبحانه وتعالى، وأن هؤلاء مهما فعلوا، وأيضا مكروا بالحق، فإنهم راجعون إلى الله عز وجل، فلا ينبغي المسلم أن يخضع إليهم، وأن يركن إليهم، وأن يتبع أهواءهم، أو يتبع ما اختصوا به، فإنهم لن يغنوا من الله شيئا. قال: نزلت هذه الآيات في استبدال القبلة، كما سيبينه شيخ الإسلام هنا: ﴿ومن حيث خرجت فولي وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون ومن حيث خرجت فولي وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لألا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم﴾. قال غير واحد من السلف: معناه لألا يحتج اليهود عليكم بالموافقة في القبلة، فيقولون: قد وافقونا في قبلتنا. انظر إلى هذه العلة العظيمة التي من أجلها حول الله عز وجل القبلة. معنى كان النبي عليه الصلاة والسلام استقبل القبلة التي استقبلها اليهود، ثم نسخها بأن أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستقبل الكعبة مخالفة لليهود، حتى لا يوافق هؤلاء الكفار، وهم قد كتموا الحق وأيضا أظهروا على غير ما أمرهم الله عز وجل. قال: فيوشكوا أن يوافقوا في ديننا، فقطع الله بمخالفتهم في القبلة هذه الحجة، إذ الحجة اسم لكل ما يحتج به من حق وباطل. ﴿إلا الذين ظلموا منهم﴾، وهم قريش، فإنهم يقولون: عادوا إلى قبلتنا، فيوشكوا أن يعودوا إلى ديننا. ولأن المتبع غالبا ما يتبع إلا وهو منهزم مغلوب، كما ذكر هذه القاعدة ابن خلدون في تاريخه، وأن هذه في طبيعة البشر، في طبيعة البشر أن المغلوب هو الذي يتبع الغالب، ويقلده، ويتبع ما هو عليه. لكن أهل الإسلام لهم العزة، والله عز وجل فصل أهل الإسلام أن يقلدوا غيرهم من الكفار. لكن لهزيمتهم ولغلبتهم ولأيضا ذلهم، فإنهم يقلدون هؤلاء الكفار، وبل ظهر ناس فيهم وينتسبون إلى دين الإسلام، وهم يدعون إلى تقليد هؤلاء الكفار في صفاتهم، وفي أخلاقهم، وفي عاداتهم، بل حتى في دينهم في بعض النواحي. وظهر أيضا أولئك المستشرقون الذين يدعون إلى كما يقولون حضارة الغرب، بل أنهم يدعون إلى دينهم. قال: فبين سبحانه أن من حكمة نصب القبلة وتغييرها مخالفة الناس الكافرين في قبلتهم، ليكون ذلك أقطع لما يطمعون فيه من الباطل. أنا مخالفة لهؤلاء اليهود، قال: فإن الكافر إذا اتبع في شيء من أمره، كان له في الحجة مثل ما كان، أو قريب ما كان لليهود من الحجة في القبلة، سيحتجون بذلك، فيقولون: أنتم تتبعون قبلتنا، وما دام أنكم تتبعون قبلتنا، ستتبعون ديننا. لكن الله عز وجل حول رسوله عن هذه القبلة. قال: وقال سبحانه: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا بعد ما جاءهم البينات﴾، وهم اليهود والنصارى الذين افترقوا على أكثر من سبعين فرقة. ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن متابعتهم في نفس التفرق والاختلاف، مع أنه صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، وهذا قد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام من عدة روايات. قال: مع أن قوله "لا تكن مثل فلان" قد يعم مماثلته بطريق اللفظ أو المعنى إن لم يدل، وإن لم يعم دل على أن جنس مخالفتهم عندما تقول "لا تكن مثل فلان"، فالمماثلة هنا أي أنك لا تتشبه به أبدا، لا في شيء من اختصاصه، ولا أيضا كذلك في كل ما كان يفعل. قال: وإن لم يعم دل على أن جنس مخالفتهم وترك مشابهتهم أمر مشروع. أنا في العموم أن أمر مخالفة اليهود والنصارى والكفار أمر مشروع، لكن في ماذا مخالفتهم؟ في دينهم، وكذلك فيما اختصوا به. وأما ما كان مشروعا عندنا فلا يخالف، لأن بعض الناس يدعي هذا الأمر، يقول مثلا الآن النصارى عملوا لحى واليهود كذلك عملوا لحى، فلماذا نحن لا نخالفهم ونحلق لحانا؟ هكذا يقولون بعضهم. وأن الشيطان يغريه في هذا، تجد أنه متابع لليهود في كل أشياء أشيائهم، لباسهم، لباس اليهود والنصارى، عادات وعادات اليهود والنصارى، سيخالفهم فقط في اللحية، والأصل أنه يريد أن يتابعهم، وإلا فالأشياء المشروعة التي شرعت في الكتاب والسنة لا يجوز مخالفتها لأجل اليهود والنصارى. ولهذا جاء في البخاري لما نزلت قول الله عز وجل: ﴿يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزل النساء في المحيض﴾، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بمخالفة اليهود، فقال: "يفعلوا كل شيء إلا النكاح"، معنى لا تجامع النساء، وفعلوا أي شيء غير المجامعة. فقال سيد بن حضير وعباد بن بشر: ألا نجامع يا رسول الله؟ نخالف اليهود نجامع أيضا الحائض مخالفة اليهود، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام من كلامهما، ثم خرج فأرسل إليهما بلبن حتى يظن أنه لم يؤثر عليهما، ولم أيضا يجد في نفسه عليهما. فلهذا النبي عليه الصلاة والسلام غضب لأن هذا مخالف لما جاء عن الله، فالذي يأتي بشرع الله عز وجل لا يقال فيه مخالفة للكتاب، وإنما المخالفة فيما لم يأمر الله عز وجل به فهي مشروعة. قال: ودل على أنه كلما بعد الرجل عن مشابهتهم فيما لم يشرع لنا، كان أبعد عن الوقوع في نفس المشابهة المنهي عنها، وهذه مصلحة جليلة، أي: أنه يكون أبعد عن الوقوع في نفس المشابهة كلما ابتعد عن هؤلاء وفصل دينه وعاداته عنهم، كلما كان أقرب إلى دين الله. فهذا إن شاء الله شيء مما ذكره، نكمل في درس اللاحق.