كتاب الصلاة 9

الدرس في كتاب الصلاة 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أحكام النجاسة في الصلاة

يشترط اجتناب النجاسة في البدن والثوب والمكان للصلاة، واستدل العلماء بأدلة من الأحاديث النبوية على هذا الشرط. يختلف العلماء في كونه شرطًا أو واجبًا.

حكم الصلاة مع وجود النجاسة

إذا صلى الإنسان وعلى ثوبه أو مكانه نجاسة ولم يعلم بها، فصلاته صحيحة ولا يعيد. إذا علم بوجود النجاسة ثم نسيها، فعليه إعادة الصلاة عند الحنابلة.

أحكام الصلاة في أماكن خاصة

يتناول المقطع أحكام الصلاة في أماكن معينة مثل المقبرة، الحمام، وعطان الإبل، والمغصوب، وداخل الكعبة وفوقها. يشرح آراء مختلف المذاهب الفقهية حول صحة الصلاة في هذه الأماكن.

حرية اختيار مكان الصلاة

يجوز للشخص الصلاة في أي مكان مناسب بدون مشكلة، مثل عند الباب أو في مكان آخر.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه، بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى الحجاوي: قال ومنها اجتناب النجاسات، فمن حمل نجاسة لا يغفر عنها أو لاقاها بثوبه أو بدنه لم تصح صلاته. وهذا الشرط هو شرط اجتناب النجاسات في البدن وفي الثوب وفي المكان، وهذا عند جمهور العلماء أنه شرط، استدلوا بعدة أدلة، منها حديث أسماء: «من تاب بكت، قال: تحثله ثم تقرصه ثم تغسله ثم تصلي فيه». وقال هنا: عبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يغسل الثوب الذي فيه حيض قبل الصلاة، تدل على وجوب غسل النجاسة قبل الصلاة، حتى إنه وصل إلى الشرطية. هذا فيه النجاسة في الثوب، في البدن، أحاديث الاستنجاء. لكن أحاديث الاستنجاء عند الحنابلة يرون أن الاستنجاء لا يشترط قبل الصلاة، إنما هو واجب بذاته، لكن يرون إذا كانت النجاسة في الجسم فيجب أن يزيلها، واستدلوا بحديث أبي سعيد: لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي حذائه أذى، فقلع حذاء، قال: «إنما أتاني جبريل فأخبرني أنه فيه أذى»، فخلعتهما. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا جاء أحدكم إلى صلاته فليقلع النعلين إن كان فيهما أذى أو مسحه، وإن لا فليصلي فيهما». أما الثياب أو المكان، يستدلون بحديث الأعرابي الذي بال في المسجد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هاتوا له ذنوبا من ماء أو سجلا من ماء»، فصب عليه. فهذه الأدلة التي استدلوا بها. ويقول بعض العلماء كالشوكاني وغيره: إن هذه الأدلة لا تنتهض لأن تكون شرطية، وإنما تكون واجبة، وهذا هو قول أو نسبة إلى مالك، أو قول لأصحاب مالك. وكذلك ينسب إلى مالك ثلاثة أقوال: قول مثل قول الجمهور على أنه شرط، وقول أنه واجب، وقول الظاهر أنه مستحب. فالمهم أنهم يقولون بالوجوب لا الشرطية، وهذا الذي رجحه الشوكاني وغيره على أنه واجب لا شرط. اتفق العلماء على أن من صلى في النجاسة متعمدا، صلاته باطلة، سواء كانت في ثوبه نجاسة تعمد الصلاة فيها، أو في بدنه، أو في مكانه، فإنها باطلة إذا تعمد ذلك. وأما إذا لم يتعمد، فصلاته صحيحة، يعني إذا كان سها أو نسي، أو جهل الحكم، أو نسي النجاسة، فالصحيح أن صلاته صحيحة. قال: ومنها اجتناب النجاسة، فمن حمل نجاسة لا يغفر عنها. معناه: أنه هناك نجاسات يغفر عنها إذا كانت ليست ظاهرة، مثل حمل الصبي، وفيه النجاسة. حمل الصبي عند الحنابلة يجوز، مثلا يحمله ولو كان فيه نجاسة، مثلا كان فيه حفاظة، فيها بول أو غائط، فحمله لا يؤثر؛ لأن هذا الحمل معفو عنه؛ لأن الأصل ليس المراد حمل النجاسة، وإنما حمل الطفل. فلهذا معنى كلامه: أن من كان حاملا للنجاسة يعتبر صلاته باطلة، مثلا إنسان معه إناء فيه بول، فوضعه في زجاجة وأغلق الزجاجة، وصلى وهي في جيبه. معنى هذا على القول بهذا: أن صلاته باطلة؛ لأنه كان يحمل نجاسة وقت الصلاة، غير معفو عنها. لكن إذا كان معفو عنها، مثل ما يدخل في الضرورة، مثل هذا الذي يعملون له قربة للبول، هذه القربة مع بعضهم عند البول متواصل، يعملون له قربة ينزل إليها. فكيف إذا أراد أن يصلي؟ هل يفصل هذه القربة؟ لا، لأنه ما يستطيع يفصلها، وإذا فصلها، إذا خرجت ما ترجع. وكذلك إذا خرجت يحتاج خروجها إلى إبرة وإلى كذا، فالمهم يكون مشقة، فلهذا يصلي فيها، يصلي وهي معه، فيعتبر من المعفو عنه. والصحيح كما قلنا: أنه إن تعمد النجاسة لا يجوز، وأما حملها فلا دليل على أنها تبطل الصلاة. واستدل بعضهم بهذا بنفس الحديث الذي استدلوا به على المعفو عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم حمل أمامة بنت زينب في الصلاة، ولا شك أن الأطفال تكون فيهم النجاسة غالبا. قال: وإن لاقاها بثوبه أو بدنه لم تصح صلاته. معناه: صارت في ثوبه أو في بدنه، لم تصح صلاته إن كان تعمدا، كما قلنا. أما إن كان نسيانا، فالصلاة صحيحة، وسيأتي إن شاء الله. قال: وإن طين أرضا نجسة أو فرشها طاهرا كرها وصحت. معناه: جعل فيها طينا طاهرا، أو فرش السجاد، هذا السجاد لا تؤثر فيه النجاسة التي تحته. فجاء في السجاد، وصلى على السجاد، فهذا يعتبر صلاة صحيحة. أو فرشها طاهرا، فرشها بسجاد وغيره، كرها وصحت، يعني مع الكراهة، لكنها صحيحة. قال: وإن كانت بطرف مصل متصل، صحت إن لم ينجر بمشيه. معناه: إذا كانت النجاسة في طرفه، وهو لا يعلم، أو يعلم لكنها بعيدة. أو مثلا كان معه ثوب، الثوب فيه نجاسة، لكنه لم يضعه في مكان نجاسة، وإنما سجد على المكان الطاهر. فمثل هذا إن كانت بطرف المصل المتصل، صحت إن لم ينجر بمشيه. إذا كان مشى إلى ذلك المكان، وسجد في المكان الذي فيه نجاسة في الثوب، يعتبر غير صحيح. يعني ليس معناه أن مثلا هذا الثوب إذا انجر في مشيه، سيكون مثلا سينجس مواضع كثيرة من المكان، كلما مشى، كلما انسحب هذه النجاسة، ليس أنها في طرف الثوب، ستكون ستنجر معه، وقد تمس شيئا من رجله وكذا. قالوا: ومر عليه نجاسة بعد صلاته، جهل كونها فيها، لم يعد. وإن علم أنها كانت فيها، لكن نسيها، وجهلها، أعاد. الآن الحنابلة لا يفرقون في هذه المسألة: إن كان جاهلا أن هناك نجاسة، ثم بعد ذلك علم أن في الثوب هذا نجاسة، ثم أخذ الثوب يظن أن النجاسة في الثوب الآخر، فأخذ ثوبا وصلى فيه، وهو يظن أن النجاسة ليست في هذا الثوب، أو علم بذلك، أو أنه مثلا عنده غلب الظن أنه ليس في هذا، فظن أن النجاسة في ذاك، وهي في نفس هذا الثوب. فهنا صلاة صحيحة، لا يعيد. لكن إذا كان علم أنها كانت فيها، لكن نسيها، علم أنها في هذا الثوب، لكن نسي، وصلى في الثوب، أو مثلا إنسان كان معه طفل، فبال في ثوبه، قال: «إن شاء الله سأقصه»، ثم نسى، فصل فيه. أو جهلها، جهلها معناه: ما علم أنه فيه نجاسة، ثم بعد ذلك بعد ما صلى، علم أنه فيه نجاسة. هنا يقول: أعاد؛ لأن عندهم شرطا. أما إذا كان جهل أنها فيه، مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فهم الآن يريدون أن يخرجوا مخرج الحديث. كيف هذا الحديث؟ نحن نقول: لأن شرط، ومعنى الشرط أن تكون ملازمة للمشروط. إذا قلنا: اجتناب النجاسة شرط، لا بد أن يكون اجتناب النجاسة طول الصلاة. فإذا حصلت النجاسة في الصلاة، ولو نسيانا، ولو جهلا، تكون هي الصلاة باطلة. لكن عندنا حديث أبي سعيد، فلهذا قال الحنابلة: قالوا إذا كان لا يذكر أن هناك نجاسة، ثم علم بعد ذلك، فصلاته صلاة صحيحة، ولا يعيد. إذا كان رأى النجاسة بعد صلاته، لكنه جهل كونها فيه، مثل ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم، أخبره جبريل أنه عليه أذى، وهنا النبي صلى الله عليه وسلم ألقاها وخلع نعليه. ففيه جواز أن الإنسان يخلع ما يكون فيه نجس، إن استطاع. مثلا لو قلنا: رجل صلى في ثوب، وفيه سروال، علم بعد ذلك أن السروال هذا فيه نجاسة، وهنا له أن يخلعه إن كان ما يضر صلاته. ولا أيضا الثوب فيه سابقا، طيب إذا كان هكذا، أن جهل كون هذه النجاسة فيه، فما رآها إلا بعد الصلاة، وهنا صلاة صحيحة. لكن إن علمها ثم نسي، أو جهلها، فهذا يعيد الصلاة. والصحيح أنه لا يعيد؛ لأن هذا الحكم الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم حكم عام، فما دام أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعد الصلاة، فهنا لا يعيد الصلاة، ولو وجدت فيه نجاسة، لكن اكتشفها بعد الصلاة. قال: ومن جبر عظمه بنجس لم يجب قلعه مع الضرر، وما سقط منه من عضو أو سن فطاهر. الآن يقول: إذا جبر عظمه بنجس، على مثلا بلحم ميت أو بكذا، جبر عظمه. كان قديما يجبرون العظم بأي شيء، المهم أنه شيء يبقى. فجاء هذا بلحم، والشيء، ووضعه في جاب عواد، ولفها في يده، فهذا يعتبر المكان هذا نجس. إن كان لا يستطيع إخراجه إلا بضرر، معناه: إذا أخرجه سيتضرر، يبقيه. أو دخلت مع اللحم، كما جاء معنا بعضهم يقول: أو دخلت مع اللحم، معناه: صارت مخفية، ما ترى. مثلا خيط مثلا بخيوط عملية دكتور، هذه الخيوط خيوط نجس، ثم صارت الخيوط مع الجسم، معناه: بعض الخيوط تمتص وتصير مع الجسم، فهنا هذه الخيوط تعتبر طاهرة إذا صارت مع الجسم، ما تضر. لكن إذا كانت ظاهرة، ترى، وهي نجسة. وإن كان في إخراجها ضرر، فلا يخرجها. قالوا: ما سقط منه من عضو أو سن فطاهر، هذا من الإنسان. وأما من البهيمة، ما قطع من البهيمة فهو نجس. وأما الإنسان، ما سقط منه، مثلا سقط السن أو ظفر أو شيء من هذه الأعضاء، فإنه طاهر. قالوا: لا تصح الصلاة في مقبرة، وحش، وحمام، وعطان إبل، ومغصوب، وتصح إليها. أن الصلاة لا تصح في المقبرة، وهذا مذهب الحنابلة، وقد جاءت الأدلة تؤيد هذا. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وقال في حديث جابر الغنوي: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلى إلى القبر أو يجلس عليه». فنهى عن نفس الشيء، فهذا جاء فيه اللعن، وجاء فيه أيضا النهي. فعند الحنابلة: من صلى باتجاه القبر أو صلى في المقبرة، فصلاته باطلة. وعند الجمهور: إن صلاته غير باطلة، عند الشافعي وأحمد ومالك غير باطلة، لكن بعضهم حرمها، يقول: إنها لا تجوز. والصحيح هو البطلان. لكن إن كان هناك فاصل بينه وبين المقبرة، أن يكون بينه وبين المقبرة جدار. وفي رواية عن أحمد أنه لم يكتفي بجدار المسجد، لا بد أن يكون جدار آخر، مثل ما فعل عمر رضي الله عنه لما فصل قبر النبي صلى الله عليه وسلم من المسجد، جعل له جدارا، وجعل المسجد جدارا. ولهذا الإمام أحمد يرى ذلك، أنه يجعل جدارا للمسجد، وجدارا للمقبرة. فإن كان جدار المسجد فقط، والمقبرة عنده، فهذا عنده لا تجوز الصلاة في هذا المسجد. قال: لا تصح الصلاة في مقبرة، وحش. الحش هو مكان النجاسات، مكان النجاسات، والغائط، والعذرة. قال: وحمام. الحمام هو المكان الذي يكون فيه ماء حار. نحن الآن نقول: هذا حمام، هو ليس حمام؛ لأنه يغتسل فيه، فسمي حمام. وإلى الحمام أصلا هو ما يكون فيه من ماء حار لأجل الاغتسال، ولأجل أن هذا المكان تكشف فيه العورات، فنهى الشرع عن الصلاة فيه. وجاء في ذلك حديث: «لا صلاة في مقبرة أو حمام»، وهو حديث حسن. والحش من باب أولى، يعني إذا كان الحمام الذي يبال فيه لا يجوز الصلاة فيه، فمن باب أولى الحش والكنيف. قال: وعطان إبل. أعطان الإبل أي أماكنها، أو ما تبرك فيه في نهارها، وفي أكلها. فهذه العطان لا يصلى فيها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في أعطان الإبل. والصلاة صحيحة، الصحيح أن الصلاة صحيحة إلا عند الحنابلة، يرونها باطلة. قالوا: مغصوب، وأصطحتها. معناه: مغصوب، إذا كان بيته مغصوبا أو في ثوب مغصوب، فهذه الصلاة باطلة عند الحنابلة. والصحيح أنها ليست باطلة، لكنهم حرموا، لا يجوز. وأصطحتها أي أصطحت، أصطحت كل مغصوب. قالوا: تصح إليها، أن تصح إلى أن كان أراد هذه الأشياء كلها، أي إذا ابتعد عنها تصح، ولو كان أمامها. قال: ولا تصح الفريضة في الكعبة ولا فوقها. وهذا خلاف بين أهل العلم في هل تصح الفريضة في الكعبة؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما صلى فريضة في الكعبة، وإنما صلى النافلة، فتجوز النافلة. أما الصلاة الفريضة، فالأولى ألا يصلى؛ لأنها كيف تكون القبلة إذا صلى؟ سيكون فيه إشكال في القبلة، فلهذا الأولى ألا يصلى. وأما فوقها، في سطحها أيضا هو مثلها. قال: وتصح النافلة باستقبال شاخص منها. شاخص معناه: مكان منها، إما عند الباب، وإما عند... والصحيح أنه يجوز النافلة، لكن أين يصلي؟ يصلي في أي مكان. صلى النبي صلى الله عليه وسلم بين الساريتين، العمودين اللذين في الكعبة، صلى بينهما، هذا أفضل. وإن صلى عند الباب ما في شيء، وإن صلى أيضا في مكان آخر ما في شيء.