الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 443

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 443

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 443، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في شرح حديث مالك بن سعير عن الأعمش

يشرح الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله حديث مالك بن سعير عن الأعمش، ويتناول صفات الأعمش واختلاف آراء العلماء حول نشر الحديث وتقييد روايته. يُبين أهمية فهم طرق رواية الحديث وصفات رواة الحديث.

تفاصيل حديث مالك بن سعير عن الأعمش وصحته

يتناول المقطع شرح حديث مالك بن سعير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وأبي سعيد، ويبين صحته وتفرده بذكر أبي سعيد. كما يشير إلى شواهده في صحيح مسلم والصحيحين.

شرح الحديث القدسي حول نسيان الله للعبد يوم القيامة

يفسر الحديث القدسي الذي يرويه أبو هريرة عن الله عز وجل، حيث يقول الله للعبد يوم القيامة: "اليوم أنساك كما نسيتني". يُوضح أن النسيان هنا يعني الترك، ويبين جزاء العبد الذي لم يشكر الله على نعمه.

ختام وتأكيد على علم الله تعالى

يشير المقطع إلى انتهاء ذكر موضوع الحديث، ويؤكد أن الله تعالى هو الأعلم بالحقيقة المطلقة. يُبرز أهمية التسليم بعلم الله الشامل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه، يمن ولا مبعد. قال شيخنا مقبل بن هاد الوادعي رحمه الله: قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: هو محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، رحمه الله. قال: حدثنا عبد الله بن محمد الزهري البصري، وهو الثقة، قال: أخبرنا مالك بن سعير أبو محمد الكوفي التميمي. ومالك بن سعير واثقه ابن معين وغيره. وهو مالك بن سعير بن الخمس التميمي، أبوه كان مشهورا بالصلاح والعبادة، لكنه كان قليل الحديث، أي أبوه. ويقال أن مالك ولد بعد أن يقال أن سعيرا مات وغسل وكفل، ثم لما وضعوه في القبر تحرك، لما وضعوه في اللحد تحرك، ففتحوا عليه فوجدوه حيا، فخرج وعاش. وبعض الروايات قال: إنه ولد له مالك، وبعض الروايات أنه ولد له قطن؛ لأنه معه ابنان مالك وقطن. ومالك ثقة صدوق، وأما قطن فهو متروك، ضعيف الحديث. وأما مالك فهو، قال عنه الحافظ: صدوق. قال: أكبرنا مالك بن سعير أبو محمد الكوفي التميمي، قال: حدثنا الأعمش، وهو سليمان بن مهران أبو محمد الكوفي، رحمه الله. كان مقرئا ومحدثا، وكان أيضا من حفاظ أهل الكوفة، كان عنده حفظ عظيم، لا يكاد أن يخطئ في حديثه. قال: عن أبي صالح، ويعد من حفاظ الكوفة. وكان حفاظ الكوفة يتسابقون على رواية الأعمش. فروا عنه أئمة أهل الكوفة والبصرة وغيرهم. قال: حدثنا الأعمش عن أبي صالح. وكان عسر الرواية كما هو معلوم، كان عسر رواية، لا يخرج الحديث إلا بشدة. وكان عند بعضهم في الكوفة من الحفاظ يرون أن الحديث لا يخرج إلا عند أهله. ولهذا ما كان يحدث أحدا أراد الحديث، يأتي إليه الرجل فيقول: حدثني، فلا يحدثه. حتى إنه مرة جاءه رجل وقال له: حدثني. قال: تريد الإسناد أو المتن؟ أنا أجلب أحدهما، إما الإسناد وإما المتن. وقال: أريد المتن، ما أريد الإسناد. فقال: «كان إبراهيم إذا حرج التن، كان إبراهيم النخعي إذا حرج التن»، فما أعطاه شيئا يستفيد منه. فكان رحمه الله يرى أن الحديث لا يكون إلا عند أهله. ولهذا كان إذا جاء سفيان تفرغ له، إذا جاء سفيان الثوري تفرغ له وحدثه. فهذا يدل على أنه كان لا يضع الحديث إلا عند أهله. وقد يكون أيضا أنه يفعل ذلك لأجل صبر أهل الحديث حتى يصبر طالب الحديث على العلم، حتى يصبر، فلا يتلقى العلم بسهولة؛ لأنه إذا تلقاه بسهولة، وتلقاه أيضا كذلك بيسر، قد لا يكون عزيزا عليه، ولا يشتد فيه، ويضيعه. لكن إذا لقاه بهذه الشدة وبذلك الصبر، فإنه يتمسك به. فإن العلم لا ينال براحة الجسد، إذا ناله الإنسان براحة الجسد غالبا أنه يضيعه. فمن هذا الباب أيضا كانوا يشددون في الحديث لأجل هذا. وكان بعضهم من العلماء ينشر العلم في كل مكان كما ذكرنا عن الزهري رحمه الله. الزهري عكس الأعمش، الزهري ما يأتي مكان إلا ويحدث، ما يأتي مكان إلا وهو يحدث الناس، بل يذهب إلى القرى وإلى غيرها لأجل أن ينشر الحديث. فهذا تجد أن رأي العلماء يختلف. ومنهم من رأى أن الحديث لا بد أن ينشر عند من عند أهله وعند غيره حتى يسمعوا حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم. ورأى بعضهم من العلماء أنه لا بد أن يقال هذا الحديث عند أهله وعند من يحفظ هذا الحديث ويعتني به حتى لا يضيع هذا الحديث. وهاتان الطريقتان حفظ الله عز وجل بهما الحديث. هناك من يشدد في الحديث لأجل أن لا يضيع، وهناك من ينشر هذا الحديث حتى يكون هذا الحديث عنده أوسع، أو يتوسع عنده كثير من الناس، ويسمعه، سواء كان صاحب حديث يعمل به أو أنه يسمع هذا الحديث ويعمل به، ويتعبد الله عز وجل به. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رب حامل فقه ليس بفقيه، عنده علم عنده هذا الحديث يحمله إلى أناس فقهاء». وقد يكون أيضا العكس، فلهذا فرأى بعض العلماء طريقة النشر والتحديث في كل مكان. ورأى بعض العلماء الإحجام إلا عند أهل الحديث. ولهذا كان للأعمش من هؤلاء. وأيضا بعض تلاميذه: أبو بكر بن عياش، وداود بن عبد الله الخريبي، وغيرهم من أهل الكوفة، كانوا عندهم عسر في الرواية. حتى إنه ذكروا في ترجمة الأعمش أنه أراد أن يحلق رأسه، فقال لبعض الطلبة: نأتي لك بحلاق. قال: أريد حلاقا ليس عنده حديث، حتى لا يسألني عن حديث كذا وكذا، ولا يتكلم. فجاءوا له بحلاق، حلق له نصف رأسه، ثم قال له: حدثني. فخرج وتركه وهو محلوق نصف الرأس. فهذا كما قلنا على منهجه: أنه لا يعطي الحديث إلا من هو أهلا له. قال: حدثنا الأعمش عن أبي صالح، هو السمان ذكوان السمان زيات. قال زيات: ويقال سمان، وهو والد سهيل وصالح، وهو من ثقات التابعين، ممن لزم أبا هريرة. على فقره وعلى أيضا العسر الذي كان فيه، لكنه كان يلزم مجالس أبي هريرة. فكان يقول: كنت أتمنى أن يكون لي ثوبان أجالس بهما أبا هريرة، أنا أجلس عنده في مجلسي بثوبين نظيفين. قال: عن أبي صالح عن أبي هريرة وعن أبي سعيد. وهذا لم يأت به إلا مالك بن سعير عن الأعمش، أي عن أبي سعيد. وإلا الحديث موجود في صحيح مسلم، أخرجه الإمام مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة. ورواه أيضا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبي صالح عن أبي هريرة. ورواه غيره عن أبي هريرة. وأما عن أبي سعيد فهو من طريق مالك بن سعيد، تفرد بذكر أبي سعيد في هذا الحديث. ولهذا أورده هنا الشيخ؛ لأنه الآن يورد أحاديث بأبي سعيد، وإلا فالحديث في صحيح مسلم، لكنه من حديث أبي هريرة وحده. ولهذا ذكره الشيخنا لأجل أنه زاد في الإسناد أبا سعيد الخدري، زاد أي مالك بن سعير. لا الأعمش عن أبي صالح قال، وزاد عن أبي سعيد. وإلا كل من روى عن أبي صالح هذا الحديث لم يذكر أبا سعيد. فشيخه اعتمد على أن مالكا ثقة، وقد رواه عن الأعمش، فلهذا أخرجه في صحيح المسند. والحديث لا شك في صحته، سواء كان عن أبي سعيد أو عن أبي هريرة، فهو حديث صحيح. وكما قلنا: إنه في صحيح مسلم مطولا. قال: عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم: «يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول الله له: ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا وولدا، وسخرت لك الأنعام والحرث، وتركتك ترأس وتربع؟ فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا». فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني. قال الترمذي: هذا حديث صحيح غريب. وقال أبو عبد الرحمن، الشيخنا مقبل: هو حديث حسن. قال: حديث حسن لثقة مالك بن سعير؛ لأن الحافظ ابن حجر يقول: إنه صدوق؛ لأن بعض العلماء غمز في حفظه، فلهذا قال: صدوق. فلهذا قال الشيخنا: حديث حسن. وهذا الحديث كما قلنا قد جاءت له شواهد من حديث أبي هريرة في صحيح مسلم. وكذلك جاء أيضا له شواهد في الصحيحين من حديث أنس في ذكر محاججة الرب جل وعلا لعبده لبعض عباده الذين لم يدعوا لله عز وجل. فيسألهم الله عز وجل بهذه الأسئلة. وجاء في الصحيحين في حديث أنس: أنه يقول: «هذا العبد لا أرضى إلا بشاهد من نفسي، لا أرضى إلا بشاهد من نفسي». قال: فحينئذ يختم على فيه، وتتكلم جوارحه. فيقول: سحقا سحقا، عن كن أو عن كن كنت أناضل وأناضل لعجل أن لا تتعب. فيشهد عليه جوارحه، يشهد فخذه وعظامه ولحمه. كما جاء في الصحيحين في حديث أنس. وكما قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وجاء أيضا، وقال جل وعلا في سورة فصلت: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. فهذه الجلود تتكلم. وفي حديث سهيل بن أبي صالح عن أبي هريرة في صحيح مسلم: أن الله عز وجل يقول لعبد: يا فلان، يقول له: قد جعلتك قد سخرت لك أموالا وولدا، سخرت لك الخيل والإبل، وتركتك ترأس وتربع. أنا ترأس وتربع. الرئاسة هنا كما فسرها سفيان بن عيينة، فسر هذه العبارة في صحيح مسلم: ترأس أي جعلتك رئيسا على الناس ومسؤولا على الناس، تأمر وتنهى. وأما تربع فهي من أخذ الربع، من أخذ الربع. كانت الرؤساء في الجاهلية يأخذون ربع الغنيمة، ربع الغنيمة هذا للرئيس، فلهذا سموه المربع. فقال ابن عيينة: ترأس وتربع، أي تأخذ الربع. لهذا جاء في حديث حاتم الطائي: كان فيه كلام، قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «أما كنت تأخذ المربع؟» أن تأخذ ربع الغنيمة؛ لأنك رئيس، رئيس قومك، شيخ القبيلة، فيأخذ الربع في المغنم. فهذا معنى «وتركتك ترأس وتربع». والمراد أنك تأمر وتنهى في الناس، واجعلت لك مكانا في الناس، وسخرت لك من الأنعام والحرث، وسخرت لك من المال والولد، وكذلك السمع والبصر. وكما جاء في حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبي صالح عن أبي هريرة: أن الله عز وجل يقول للعبد: قد سخرت لك المال والولد والخيل والأنعام، وتركتك ترأس وتربع. أما كنت تشكر لي؟ أنا تشكرني على هذا وتعبدني بسبب هذه الأمور التي سخرتها لك؟ بل أنك قابلتني بغير ذلك، وعرضت عني وعرضت عن عبادتي. لهذا قال في هذا الحديث: «فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا». فيقول: لا. فيقول له: «اليوم أنساك كما نسيتني». وكما قلنا: في حديث أبي هريرة ذكر النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذكر الرؤية، ذكر أيضا أن الله عز وجل يأتي العبد ويقول له: يا فلان، قد سخرت لك المال والولد والحرث والأنعام، وتركتك ترأس وتربع. فيقول له: فماذا كنت تظن بي؟ أو جاء في رواية: قال: فكنت تظن أنك ملاقي اليوم؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: «اليوم أنساك كما نسيتني». ثم يأتي بآخر فيقول له: كذلك. فيقول: يا رب، قد آمنت بك وبكتابك وبرسولك، وصليت وصمت وتصدقت، ويذكر من أعمال الخير. قال: فيقال: فحينئذ يختم على فيه، أو قال: فحينئذ يجعل عليك شاهدا. قال: فينظر ويتفكر من هذا الذي سيشهد عليه، ما هناك من رأى هذه الأعمال التي عملتها، وما أحد يعلم أن يعملها لغير الله. فيتفكر من الذي سيشهد عليه. فيختم على فيه، وتنطق جوارحه، وينطق فخذه بما عمل، ولحمه وعظمه. هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام. فهؤلاء تشهد عليه بأنه فعل هذه الأمور. قال النبي عليه الصلاة والسلام: وذلك المنافق الذي يدعي أنه فعل هذه الأمور لله عز وجل، وهو لم يفعلها لله سبحانه وتعالى. فيجعل الله عز وجل عليه شاهدا من نفسه، فيشهد على ما فعل. ثم قال: فيقول له: «اليوم أنساك كما نسيتني». ذكر الترمذي رحمه الله بعد هذا الباب: أن العلماء فسروا هذه الكلمة «أنساك» أي أتركك؛ لأن الله عز وجل لا تأخذه سنة ولا نوم، وربنا سبحانه وتعالى القيوم الحي، فليس، فلا ينسى سبحانه جل وعلا. وإنما المراد هنا النسيان الترك. «أنساك كما نسيتني»، أتركك كما تركت عبادتي. والترك هنا أو النسيان يأتي بمعنى الترك في لغة العرب. يأتي بمعنى الترك في لغة العرب. فقال الله عز وجل: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾. فيتركهم الله عز وجل في العذاب كما أنهم تركوا عبادة الله جل وعلا، تركوا طاعته سبحانه وتعالى في الدنيا عندما طلبها منهم بعد أن سخر لهم هذه الأمور العظيمة، وهذه النعم العظيمة من السمع والبصر والمال والولد والأنعام والحرث وغيرها من هذه النعم التي سخرها ربنا جل وعلا للإنسان. ثم بعد ذلك يعرض عن الله ويكفر بدين الله جل وعلا، ولا يصدق من أرسله الله عز وجل. فهذا يدل على عراضه وتركه لدين الله. فلهذا ربنا جل وعلا يوم القيامة يتركه في ذلك العذاب. فهذا ما يذكر في هذا الحديث. والله تعالى أعلم.