الدرس في شرح الأصول الستة 24، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول الرد على الشبهات حول قصة موسى والخضر، ويبين أن الخضر كان نبيًا وليس وليًا. كما يوضح أن أفعال الخضر كانت مؤيدة للشريعة وليست مخالفة لها.
يشرح كيف أن قصة موسى والخضر لا تدل على جواز فعل الخوارق للعادات، وأن شريعة محمد مهيمنة على جميع الشرائع السابقة. كما يبين أن أفعال الخضر كانت عن علم وبصيرة.
ينبه إلى خطأ تطبيق الأمور الخارقة للعادة من الأمم السابقة على المسلمين، ويشدد على أن لكل أمة عملها ومسؤوليتها. ويختم بالدعاء والصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قد وعدنا في درس سابق حول مسألة وهي شبهة يكثر الحديث عنها عند القوم، وهي ما جرى بين موسى والخضر عليهما السلام، إذ نجد أن كثيرًا من أهل الأهواء عندما خرجوا على الناس ببعض الآراء والأفكار والعقائد مما تخالف الدين والشرع والعقل، سرعان ما اتكأوا على هذه القصة، قصة موسى مع الخضر عليهما السلام. فتجد مثلًا إذا أراد أحد أن يؤصل بوجود علم الظاهر وعلم الباطن، قال والدليل قصة موسى مع الخضر، وإذا أراد أحد أن يدلل على أن الولي أفضل من النبي استدل بقصة موسى مع الخضر، وإذا أراد أحد أن يؤصل أن بإمكان الولي أن يفعل أمورًا وأشياء تخالف الشرع والعقل، يستدل بقصة موسى مع الخضر، وإذا أرادوا أن يستدلوا على جواز وبإمكان الولي أن يخرج عن شريعة النبي استدلوا بقصة موسى مع الخضر. وهكذا يا عبد الله، أصبحت هذه القصة شماعة عند القوم، كلما أتوا ببعض العقائد الضالة والمناهج المنحرفة والآراء الكاسدة الفاسدة، سرعان ما تكأوا على هذه القصة، فأصبح الكثير من الناس من يصدق ما يأتون به، وذلك لقوة النص، فقصة موسى مع الخضر قصة واردة في القرآن لا يمكن لأحد أن يتجرأ على تعليلها أو ردها. فتجد أن كثيرًا من الناس من تتسرب لديه هذه الشبهة ويؤمن بما يقولونه القوم، بما يقوله القوم، فيقول: نعم، هناك علم ظاهر، هناك علم باطن، نعم، الولي أفضل من النبي، نعم، يمكن للولي أن يأتي بخوارق الأمور مما تخالف الشرع والعقل، وهكذا، وكل ذلك على حد زعمهم من هذه القصة. ونحن في إذن الله نذكر ما قاله العلماء باختصار حول أن الاستدلال بهذه القصة غير صحيح، الاستدلال بهذه القصة على ما أرادوا من الأمور التي ذكروها وذكرناها آنفًا لا يصح بوجه من وجوه. والأمور التي رد العلماء على أولئك المبتدعة في هذه القصة خاصة تكمن في مسائل، المسألة الأولى وهي أهم مسألة وهي قاصمة الظهر، وهو أننا ندلل ونبين ونصرح بأن الخضر عليه السلام هو نبي وليس بولي، أن الخضر نبي وليس بولي. وهذه المسألة هي نسف لما بناه المبتدعة، فإنهم يؤصلون ما أصلوه على ضمن هذا الإطار، يثبتون أن موسى نبي وأن الخضر ولي، ثم يأتون بجميع الأحكام التي سمعتموها، لكن يقال: من هذا الذي سيسلم لكم بأن الخضر كان وليًا من الأولياء؟ بل الصحيح من أقوال أهل العلم أن الخضر هو نبي كما أن موسى نبي، فالخضر نبي. وهذا قول كما قلنا جمهور المفسرين، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ الخضر عليه السلام لما فعل تلكم الأفاعيل من قتل الغلام وكسر السفينة وتخريبها، صرح بأن هذا الذي فعله قال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ إذن عن أمري من فعله؟ إذا الخضر عليه السلام صرح بأن ما فعله ما كان من اجتهاده وما كان من آرائه الخاصة، ليس من نظر رآها، إنما قال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ إذن قال علماء: وفيه دلالة على أن ذلك كان من أمر الله، أن ذلك من أمر الله، ولا يأتي أمر الله جل وعلا إلا عن الوحي، إلا عن طريق الوحي. فإذن الخضر أوحي إليه من ربه بفعل هذه الأمور، والذي يدلك على أن هذا وحي من السماء، الأفعال التي فعلها، ما يمكن لأحد أن يقتل نفسًا يأتي إلى الشارع إلى عامة الناس فيختار واحدًا من بين الآلاف ثم يزهق روحه، مع هذا الفعل ويتخرص يقول: هذا إذا كبر سيكون عاقًا، هذا من يفصل ويصرح بكل ثقة بهذه الأمور إلا عن وحي السماء، وحي السماء معه يؤيده باختيار شخص بعينه ويحكم أنه إذا كبر سيكون هذا حاله وتكون ذات تلك ثمرته أنه يرهق أهله خبثًا، وهكذا. وما جرى في أمر السفينة، فقال علماء: فواقع المقال وواقع الحال يدل على أن الخضر عليه السلام كان نبيًا، بأن يأتي والوحي كان يتنزل عليه، والوحي كان يتنزل، إذن فموسى والخضر هما في درجة سواء، أي من حيث النبوة، من حيث النبوة. ونقلنا أن هذا قول جمهور المفسرين على هذه المسألة، وكما دللنا كذلكم الرد الثاني على هذه القصة، وهو الذي كذلك يدندنون على أن الخضر فعل أشياء تخالف الشرع وخرج عن شريعة موسى ونحو ذلك، يقال: مسألة ذكرها الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى، أن أنتم تريدون تؤصلون من قصة خضر مع موسى أنه يجوز لرجل أن يخرج عن شريعة محمد، هذا يقولون هم يردون هذا، أن بإمكان الرجل إذا بلغ إلى درجة الولاية أن يخرج عن الشريعة، يمكن دليلكم قصة موسى مع الخضر. مع أن العلماء كما ذكر ذلك الشيخ الإسلام رحمه الله تعالى، أن في قصة موسى مع الخضر ليس في هذه الدلالة، لماذا؟ لأن أصلا أن خضر ليس من رعية موسى، ليس من رعية موسى، كيف تكون وجه الدلالة عندكم عندها البدع؟ أن إذا أثبتوا أن الخضر عبارة عن تابع، أن الخضر تابع تحت كفالة موسى، ثم خضر خرج عن شريعة موسى، هنا يصح الاستدلال، لكن أن لكم هذا الاستدلال؟ لأن العلماء يقولون بأن الخضر أصلا ليس من بني إسرائيل، ليس من بني إسرائيل. ولهذا جاء في البخاري لما تلاقي في أول لقاء بين الخضر وموسى، ما الذي قال الخضر؟ قال: «أنت موسى بني إسرائيل»، يسأله ليس من جلدته وليس من جنسه، فما كان أصلا ما دخل الخضر تحت كفالة موسى حتى يقال: خرج عنه، ما دخل أصلا، لأن تعلموا في تلك الأزمان كانت النبوات والرسالة تنتشر، فكان هناك أجناس وأقوام وكلهم برسالته. فالخضر كان موسى معه بني إسرائيل، وأما خضر له ولاية ثانية، مقام آخر له، كما يقال: اتباع آخر، فما أصلا خضر ما دخل تحت كفالة موسى حتى يقول: نخرج عنه، فبهذا يبطل استدلال من أصله، فإن الخضر كما قلنا ليس من بني إسرائيل، فإن موسى إنما أرسل في زمنه لبني إسرائيل خاصة. وكذلكم الأمر الرد الثالث في هذه المسألة، يقول علماء: أن القوم يريدون من إيراد هذه القصة أن الأشياء التي فعلها الخضر عليه السلام أنها خارجة عن الشرع، خارجة عن الدين، خارجة عن الشريعة، وقال علماء: وهذا غلط، الذي فعله الخضر عليه السلام ليس فيه خروج عن الشريعة، ليس فيه خروج عن الشريعة، بل الشريعة تؤيد ما فعله الخضر عليه السلام. انتبهوا لهذه المسألة، وهذه المسألة مهمة جدًا، مهمة جدًا في تحرير المقام في الرد على استدلال القوم، القوم وهذا الذي يريدونه من تكرار هذه القصة وتأصيلها، أن هذه القصة فيها أنه يمكن للولي على تنزيل معهم أن يفعل أشياء تخالف الشريعة. فأنت لما ترى تقول: يا أهل، ما هذه الكرامات التي بين أيدينا تحكون عن أنفسكم أن من أوليائكم من فعل كذا من الفواحش، ومن فعل كذا من المنكرات، سرعان ما رد عليك بقصة موسى مع الخضر، أن انظر كيف الخضر فعل أشياء تخالف الشريعة، تخالف الملة، ومع ذلك مستساغة لأن لها ماذا باطنًا أنت لا تعلمه. فيقول العلماء ردًا على هذه الشبهة: أن في الحقيقة أن ما فعله الخضر عليه السلام ليس فيه خروج عن الشريعة، بل إن الشريعة تؤيد ما فعله الخضر، تأتي أولًا مسألة تخريب السفينة، قصار ما تجد في قصة تخريب السفينة أن الخضر عليه السلام لما علم أن وراء ذلك البحر هناك من يستولي على السفن، وخاصة إذا كانت قوية، إذا كانت متينة، إذا كانت على شكل صحيح، فإن ذاك الملك الغاشم يستولي على هذه السفينة. فأراد الخضر ماذا؟ أن يفوت الفرصة على ذاك الملك الظالم، فماذا فعل؟ فقام بإتلاف بعضها، أتلف بعضها، لماذا؟ حتى يسلم الكل، حتى يسلم الكل، وهذا وجه شرعي، أنت يا عبد الله بإمكانه أن عندك صاحب وذات معًا في رحلة في سيارة، وأنت جاءك أخبارية ألا أن هناك محطة هناك قطاع طرق، وأن قطاع طرق يأخذون أي سيارة، نظيفة، آخر موديل، ستؤخذ، ستؤخذ. أنت فكرت، وهذا السيارة أنت فيها على هذا الوصف ستؤخذ، ففكرت بحيلة أنك تأتي بمطرقة، وهذا الزجاج الأمامي الشمتة كسرت لصاحبك، كسرتها، لماذا؟ لأن إذا مرت بهذا الشكل، فإن هؤلاء القطاع ما سيتركونها، لا، إيش من السيارة هذه تالفة تمر؟ أيهما أولى أن تترك على ماهيتها نظيفة جميلة حتى تؤخذ برمتها، أم أنك تتلف بعضها حتى يسلم الكل؟ لا شك ولا ريب أن تكسير البعض وإتلاف البعض حتى يسلم لك الكل هذا أحوى، لأن الزجاج تذهب بعده بأشياء من ريالات تصلحها وتبقى السيارة تحت ملكك، فهذا الذي فعله الخضر أليس هذا موافقًا للشريعة؟ بل وسدد العلماء على أشياء من دين الله عز وجل فيها تأييد لقصة تخريب السفينة. وأما ما يتعلق بقصة الغلام، فهذا العلماء قال: هذه القصة من باب دفع الصائل، دفع الصائل وهو العدو، إذا علمت أن رجلًا سيعتدي على المسلمين، سيعتدي على المسلمين، وأنه ماذا سيؤثر حتى عليهم في دينهم؟ بأن يبتل عليهم ويخرجهم عن الدين والملة، ورأيت أن هذا الصائل وهذا العدو لا ينزجر إلا بالقتل، فهذا بإجماع العلماء يقتل، بإجماع العلماء يقتل. ومنها تتنزل الأحكام على المبتدعة وعلى أهل الأهواء ممن ظهروا في بين الأمة ويبثون الكفريات وأثروا على الناس، فهذا إن لم يرتجعوا إلا بالقتل يقتلون، وهذا الذي فعله الخضر مع هذا الغلام، علماء: أن هذا الغلام إذا كبر، إذا كبر فإنه سيعتدي على أهله، على والديه ممن هم على الدين الصحيح، فيرهقهما طغيانًا وكفرًا، فهذا صائل، فحكم عليه بأنه لا ينكف هذا الصائل إلا بقتله، فقتله. فالشريعة تؤيد هذا الفعل، وخاصة إذا علم علم أن هذا الأمر سيكون، فهذا شريعة تؤيده، وأما يتعلق بأمر الجدار، فهذا أمر واضح، ففيه أن الخضر عليه السلام أصنع معروفًا لمن لم يكافئه، وهل هذا فيه حرج؟ هذا بالعقل، هذا من مكارم الدين، ولا شريعة تؤيد هذا الفعل، على أنك تدفع بالتي هي أحسن، ادفع بالتي هي أحسن. فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم، أخبر نبينا عليه الصلاة والسلام أنك لو ابتليت بأرحام سوء ويؤذونك، فأمر ما اتصلهم إذا آذوك، فإنك تكرمهم إذا هجروك، فإنك تصلهم، هذا من شريعة الله، في شريعتنا على أن ماذا؟ السوء يرد ماذا؟ بالمعروف. فالذي فعل الخضر عندما رد: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ فإذا لو تلاحظون بالتمعن الصحيح في قصة موسى مع الخضر، ليس فيها خروج عن الشريعة، وإنما هي ماذا مما يؤيده الشريعة. هنا يأتي السؤال: إذا كان هذا كما تدعون أن هذا من الشريعة، فلماذا أنكر موسى مع الخضر؟ قال علماء: وجه الإنكار أن موسى يعمل بشريعة، والخضر عمل بالشريعة، لكن وجه الخلاف أن موسى عليه السلام عمل بالشريعة المطلقة، موسى عنده أدلة عامة، وأما الخضر فقد كانت عنده أدلة خاصة. فموسى يعلم أن من الشريعة ما يوجد قتل المسلم، ولهذا أنكر عليه، هذا دليل عام من الشريعة، لكن مع الخضر عنده دليل خاص أن هذا فيه وصف العدوان، وبهذا قتله له دليل خاص، ما يتعلق بتكسير السفينة، موسى أنكر لأن هذا إتلاف مال، مال لأهل الذمة، مال لناس لا يستحقوا الإتلاف، فهذا دليل يساعد موسى في الإنكار، لكن كان مع الخضر دليل خاص، وهكذا يقول في الجدار. فكان اختلاف الأنظار في الأدلة، في نوعية الأدلة، فكان موسى يستدل بأدلة عامة يتشبث بها، ولهذا كان إنكار من هذه الأدلة، وأما الخضر فماذا؟ فلوجود أدلة خاصة كانت عنده ما كانت عند موسى، فاستدل بها، إذن الأمر كل يدل ماذا؟ حول الشريعة، كله حول الشريعة، فلا يأتي أحد بعد هذا ويستدل بهذه القصة على أمور ليس من دين الله ولا من شريعة الله، فإن هذا هو الباطل بعينه. وكذلك مما يستدل به على رد هذه القصة، كما يذكر العلماء أن الخضر لما فعل هذه الأفعال، سواء كان نبيًا القول الصحيح، أو تنازلًا مع القوم، هو قوم من قلبه أنه ولي، يقال: أن الخضر فعل هذه الأشياء من ماذا؟ عن طريق العلم، بعلم كان على علم راسخ. ويدلك على هذا ما جاء في رواية الصحيح، لما تلاقي موسى مع الخضر في بعض الروايات، قال الخضر: «أنا على علم من علم الله لا تعلمه أنت، وأنك على علم من عند الله لا أعلمه أنا»، إذن فالخضر وهذا مما يؤيد هذا الحديث مما يؤيد على أن موسى نبي، وكذلك الخضر في العلم سواء. قال: «أنا على علم علمني الله إياه لم تعلمه أنت، وإنك على علم علمك الله إياه لا أعلمه أنا»، إذن أنت عندك علم وأنا عندي علم، فبيستدل العلماء على النبوة، لو ما أردنا أن نستدل على هذا بالنبوة على الولاية كما يقولون، إذن فيه دليل على أن الخضر فعل هذه الأشياء عن طريق العلم، العلم يؤهله. وأنتم تعلمون أن من ورثة الأنبياء هم العلماء، فإذا كان رجل عنده علم وعلم راسخ من عند الله عز وجل من علم الشريعة، فإن أفعاله يفعله عن دراية، يفعله عن دراية، وهذا نراه في هذه الأزمان، يقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «إنما يخشى الله من عباده العلماء»، إنما نعلم أن العالم كلما ازداد رسوخًا في العلم لربما يفتي بأشياء الكثير من الناس ما يقتنع بها ولا يستسيغونها، لكن لقوة علمه يعلم أن ما قاله حق. مثل ما يتعلق بأمور الفتن، ما الفتن؟ مثال نجد في هذه الأزمان تجد أن كثيرًا من العلماء إذا أفتوا في هذه المسائل المعاصرة، مسائل الفتن، تجد أن كثيرًا من العامة من يستشنعها: إيش هذا العالم؟ هذا ليس بعالم، هذا عميل، هذا رجل ما يفهم شيئًا، فيتنطعوا فيهم، وثم ترى أن الحق فيما قال علماء، كما قال الحسن رحمه الله تعالى: «أن الفتن إذا أقبلت ما عرفها إلا العلماء»، فلقوة علمهم يعطيهم الله جل وعلا بصيرة بصيرة في القلوب، بصيرة في النظر، بصيرة في الرأي، بصيرة في الحكم، فيبصرون فيفتون بأشياء أنت لا تعلمها لقلة علمك. فلهذا فكان الخضر إذا قلنا أنه ليس بنبي فهو عالم، العلماء، بل صرح بها، قال: «أنا على علم من عند الله»، من عند الله، فإذا لو كان أولياء، ها أولى، إذا رجل من الأولياء وعنده علم راسخ، سيسلم له ببعض الأمور إذا فعله ما دروا بها، لكن أن ها أولى لذن نراهم لهم الولاية ما عرفناهم بعلم أبدًا، بل غالب ها أولى من يفعل هذه الأشياء لخوارق العادات، إما جهلًا منه لا يدري بحقيقتها، وأما أن يفعلها اتباعًا لشهواته وملذاته. يا يماشي النساء والمردان، ويفعل الفواحش والمنكرات، ويتعدى على المحرمات، كل ذلك ليس عن علم، لا والله، ما هو عن علم، إنما يفعل ذلك اتباع لشهواته ولأهوائه، وأما الخضر فقد فعل ذلك عن علم، وهذا هو الفيصل، وهذا هو الفيصل بين قياس الخضر على من حد من زعم أنه كان وليًا، ومع قيرهم يا الأولياء أنه كان الخضر من العلماء، من العلماء، بل من الراسخين من علم ممن حباه الله جل وعلا بنعمة العلم الذي لا يدانيها أحد. فهذا كذلك مما تبطل به هذه القصة، وكذا إخواني فينا من الردود على هذه القصة، يقول العلماء: لو صرحنا بما فيها مما تدعون أن هذه القصة فيها من خوارق العادات، وفيها أن الخضر هو ولي، وفعل أشياء خارقة شريعة موسى، يقول: ولو ولو ولو أن هذا الملف كله يجعل ماذا؟ يجعل في باب الأمم السابقة، وأمة الإسلام شريعتها مهيمنة، ولا يجوز أن نتحاكم إلى شريعة من قبلنا. فهذه الشريعة شريعة محمد عليه الصلاة والسلام، شريعة محكمة، لا نحتاج لا نحتاج أن نتحاكم إلى شريعة موسى أو إلى شريعة نوح أو إلى شريعة عيسى، ولا إلى شريعة أحد من خلقه، بل الشريعة المهيمنة هي شريعة النبي عليه الصلاة والسلام، ووجب على جميع الناس، بل حتى اليهود وهم يهود على دينهم، والنصارى وهم على دين النصارى، لا يقبل هذا الدين منهم حتى يرجع إلى نبينا عليه الصلاة والسلام. قال صلواته ربي وسلامه عليه: «والذي نفسي بيده، ما يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار»، مع أن اليهود من أتباع موسى، والنصارى يدعون مع أصحاب عيسى، ومع ذلك ما تنفع، لماذا؟ لأن شريعة محمد عليه الصلاة والسلام هي الحاكمة وهي المهيمنة. وأما ما وقع بين موسى وخضر فهذا في زمن بني إسرائيل الذي وقع فيها، وما جرى في هذا لهم أمر خاص لهم، فلا يأتي أحد يقول: نحن سنفعل كما فعل موسى، ما يجوز، مثاله: فمن الأمم السابقة كانت لهم عبادات وشريعة تختصون بها، مثل ترك الكلام، ترك الكلام كان هذه عبادة يتعبها أهل الصلاح والمتعبد والزهاد في تلكم الأزمان، يتعبدون الله بترك الكلام عبادة، ويؤجرون عليها في ملتهم. لكن في دين نهينا عن ذلك، ما يجوز، ما يجوز أن نتعبد الله بترك الكلام وبالصمت، فذلك الشريعة لها حكمها، وهذه الشريعة لها حكم آخر، فما يجوز، ولهذا ما جاء في السنن والحذر: «أن كان فيه كلام لأنه مدار على مجال بن سعيد»، لكن يحسنه بعض العلماء كالشيخ الألباني في الأرواة فيه، لما أن ذاك الصحابي عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أتى بصحيفة فيها شيء من التوراة، فيها شيء من التوراة، فرحة بها، يعني عمر رضي الله تعالى وجد شيء من التوراة، يعني يؤيد أو فيه يعني نجعله من ضمن الشريعة، يعني عندنا شريعة محمد وعندنا شريعة موسى، شيء نعمل به. فغضب نبينا عليه الصلاة والسلام وقال: «أمتهوك أنت يا ابن الخطاب؟ أمتهوك أنت يا ابن الخطاب؟ والله لو أن موسى كان حيًا ما وسعه إلا أن يتبعني»، لو أن موسى كان حيًا ما وسعه إلا أن يتبعني، موسى وهو موسى، والخضر هو خضر، إن كانوا في هذه الأزمان ما لهم فرار إلا من هذه الشريعة، لا أحد يعني شريعته، فكيف أنت يا مسلم تذهب وتبحث عن ما مضى ثم تطبقه في هذه الملة؟ فهذا لا يجوز. ومن هنا يا إخواني في الله نعلم أن عند قيام الساعة وإذا نزل عيسى عليه السلام، فإن عيسى إذا نزل على هذه الأمة في آخر الزمان، فإنه لا يحكم فيهم بشريعة النصارى، ولا بشريعة الإنجيل، وإنما يحكم بشريعة محمد عليه الصلاة والسلام، فهذا إخواني في الله من القواعد المهمة، لماذا تبطل الاستدلال بهذه القصة؟ أنك لو قلنا أنه نبي، ولو قلنا أن الخضر ولي، ولو قلتم ما قلتم: أنا فيه خوارق العادات، وأنا خروج الولي عن شريعة النبي، ونحو ذلك، يقول: هذا كله يجعل في الأمم السابقة، يجعل في الأمم السابقة. ونحن في هذه الأزماء لا نطبق ما مضى، تلك أمة قد خلت، لها ما كسبت، ولكم ما كسبتم، ولا تسألون عما كانوا يعملون، فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.