الدرس في قطف الثمرات من فوائد سورة الحجرات 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبدأ المقطع الأول بتوضيح أهمية سورة الحجرات كسورة مدنية تناقش آداب وأحكام الإسلام، ويتناول تفسير الآية الأولى منها. يُبرز أهمية اتباع أوامر الله ورسوله وعدم مخالفتهما.
تناقش المقاطع الثانية والثالثة أهمية عدم التقدم بين يدي الله ورسوله واتباع كتاب الله وسنة رسوله، وتحذر من مخالفة أوامرهما واتباع غير شرع الله. تُشدّد على ضرورة تقوى الله وامتثال أوامره.
يختتم الدرس بدعاء لله أن يوفقنا لتدبر القرآن وفهم معانيه، ويعبر عن حمد الله وشكره على نعمه، ويطلب من الله أن يجعلنا من أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾، ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾، ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾. أما بعد، أيها المؤمنون عباد الله، حفظكم الله تعالى في هذا الوقت إن شاء الله تعالى، وفي هذا الشهر العظيم، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. فإن شاء الله تعالى في هذا الشهر نواصل في دروس في تفسير سورة الحجرات، وهي من المدارسة في القرآن. وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يأتيه جبريل ويدارسه القرآن في رمضان، وفي آخر سنة التي مات فيها عليه الصلاة والسلام دارسه القرآن مرتين. فلهذا نستضيء بفوائد هذه السورة العظيمة، سورة الحجرات، وهي أول المفصل عند بعض العلماء، والمفصل في القرآن من الحجرات إلى الناس. ومنهم من يقول من قاف إلى سورة الناس. فهذه السورة العظيمة جمعت فوائد كثيرة وآدابا عظيمة ينبغي للمسلم أن يتأمل في هذه الآيات ويتدبر فيها، وكذلك أيضا أن يعمل بها ويعمل بكتاب الله جل وعلا. فلهذا اخترنا أن نتكلم على آيات هذه السورة العظيمة، وهي سورة الحجرات، وهي من السور المدنية التي نزلت في المدينة، أي بعد الهجرة، وخاصة في السنة التاسعة من الهجرة في عام الوفود، عندما جاء وفد بني تميم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سنذكره في الآيات. فهذه السورة العظيمة هي ثمانية عشر آية، وفيها أحكام وآداب، وكذلك أيضا فيها اعتقاد عظيم بالإيمان بالله جل وعلا. تجد أن هذه السورة اهتمت بأمر الإيمان، ولهذا بدأت أكثر آياتها بقوله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾. فهذه السورة أكثر موضوعها هو معرفة الإيمان وحقيقته ومفهومه. وكذلك أيضا تبين خطأ عند بعض الناس في فهم الإيمان، وكذلك أيضا التفريق بينه وبين الإسلام، وغيرها من الفوائد العظيمة التي جاءت في هذا. وأيضا كما قلنا الآداب والأحكام التي اجتمعتها هذه السورة، فتجد أن في كل آية من هذه الآيات حكما معينا أو أدبا من آداب الإسلام. وبدأ ربنا جل وعلا بالأدب بأدب المؤمن مع ربه ومع نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو أعظم الأدب وهو أس الإسلام وأصله. فلهذا قدم الله عز وجل هذا الأدب العظيم في هذه السورة، وهو قول الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم﴾. فبدأ ربنا جل وعلا بهذه الآية في هذه السورة العظيمة، وهذه الآية نستفيد منها عدة فوائد، ونتكلم إن شاء الله تعالى باختصار عن كل فائدة من هذه الفوائد. أولا هذه الآية بدأت بالنداء بالإيمان، بالنداء على أهل الإيمان: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾. ثم ذكر ربنا جل وعلا ما أراد أن يأمرهم به أو ينهاهم عنه، فقال: ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾. فمن فوائد هذه الآية عدم التقدم بين يدي الله ورسوله. وإن شاء الله تعالى نذكر ما المراد بالتقدم بين يدي الله ورسوله. وأيضا من فوائد هذه الآية تقوى الله جل وعلا، وأنها الغاية العظيمة من أمر الله ونهيه، وهو تقواه سبحانه وتعالى. كما قال جل وعلا: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم﴾، وقال جل وعلا في الصيام: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿واتقوا الله﴾، أمر بتقوى الله جل وعلا. ﴿إن الله سميع عليم﴾، أيضا من فوائد هذه الآية ما يذكره الله عز وجل من أسمائه العظيمة الجليلة، الأسماء الحسنى. وأيضا كذلك من فوائد هذه الآية إحاطة الله عز وجل بأعمال العباد، كما قال جل وعلا: ﴿واتقوا الله إن الله سميع عليم﴾، سميع بأقوالكم، عليم بأفعالكم. فهذه بعض الفوائد التي تأخذ من هذه السورة العظيمة. فتكلم إن شاء الله تعالى باختصار، وإلا فهذه الفوائد لعل بعضها يحتاج إلى درس كامل أو يحتاج إلى دروس. لكن إن شاء الله وتعالى نجمل المهم في هذه الفوائد العظيمة. أولا قول الله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، هذا النداء من رب العالمين سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين، يناديهم سبحانه وتعالى. وأيضا يتلطف جل وعلا بنداء من ندائهم: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، أي أيها المؤمنون الذين آمنتم بالله وآمنتم برسوله صلى الله عليه وسلم، اسمعوا وانتبهوا لهذا الكلام. ولهذا أخرج الإمام ابن ماجة في سننه، وكذلك ابن المنذر وغيرهم من العلماء، عن عبد الله بن مسعود، من طريق وكية عن مسعر عن عون، أنه كان يقول: إذا سمعت في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، فأرع لها سمعك، أي انتبه واسمع ما يقول الله عز وجل. قال: فإما أمر تؤمر به، وإما نهي تنهى عنه. فهذا إذا سمعت: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، انتبه. ولهذا بعض العلماء جمع الآيات التي فيها هذا النداء، فقال العلماء: إن بعد نداء الإيمان هناك أمر ينبغي للمسلم والمؤمن أن يلتزم به، هناك أمر ينبغي للمؤمن أن يلتزم به، إما أمر وإما نهي، إما أمر يأمرك الله عز وجل به، وإما نهي ينهاك الله عز وجل عنه. وفي هذه الآية نهى نهي من الله عز وجل، وهو يقتضي الأمر بضده، وهو قوله جل وعلا: ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾. فهذا النهي الذي نهى الله عز وجل عنه عباده المؤمنين، أنهم لا يتقدمون بين يدي الله ورسوله. جاء عن ابن عباس في تفسير هذه الآية، أي لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة، لا تقدموا بين يدي الله، قال: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة. وجاء عن مجاهد أنه قال: لا تفتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقضي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي لا تسرعوا وتعجلوا في الأمور وتحكموا من عند أنفسكم دون أن تنظروا إلى حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم. ولهذا قال الإمام ابن العربي رحمه الله في أحكام القرآن: هذه الآية أصل في عدم الاعتراض على حكم الله عز وجل ورسوله، وكذلك الاتباع والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. لا ينبغي للمؤمن أن يعارض حكم الله ورسوله، وكذلك أن يتقدم بين يدي الله ورسوله، أي يأتي بحكم بنفسه، سواء كان بقوله أو بفعله. يأتي بأشياء لم يذكرها الله عز وجل ورسوله. وقد ذكر الإمام ابن العربي من هذه الأفعال أو من الأقوال المعارضة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، أو التي اشتد غضب النبي صلى الله عليه وسلم فيها، ما حصل عندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه أن يأمرن أبا بكر أن يصلي بالناس، وكان في مرض موته عليه الصلاة والسلام. فقالت عائشة: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل أسيف، إذا صلى بالناس لا يستطيع أن يقرأ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مروا أبا بكر فليصل بالناس». لما رأى الاعتراض، قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس». «إن كنّا من صواحب يوسف» معناه المراد أن كنّا تمكرنا لأجل شيء أردناه في أنفسنا. وكانت عائشة رضي الله عنها ما تريد أن أباها يتقدم لأن هذا الأمر عظيم، لكن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لابد أن ينفذ. فلهذا قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس». فصلى بهم أبو بكر رضي الله عنه. وأيضا كذلك من الفعل، قال بعض العلماء: الفعل أيضا مثل ما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، فهذا فعل فيه التقدمة بين يدي الله ورسوله. رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقول الله جل وعلا: ﴿لا تقدم بين يدي الله ورسوله﴾، أي لا تتعجلوا في الأحكام، ولا سواء كان بأقوالكم أو بأفعالكم، إلا بعد أن تنظروا إلى حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم. وهذا يقتضي عدة أمور، أولا عدم الاستعجال في الحكم، والأمر الثاني أن المؤمن ينبغي أن يتبع الكتاب والسنة، لا ينبغي أن يبتدع ويخترع من عند نفسه حكما. فقال الله عز وجل: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونها أولياء﴾. فالواجب على المسلم اتباع الكتاب والسنة. وكذلك أيضا قال الله عز وجل: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر﴾. وكذلك أيضا يدخل في هذه الآية الاتباع والاقتداء. وكذلك أيضا يدخل في هذه الآية الرضا بحكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم، ليسلم كما قال الله عز وجل: ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله أن يقولوا سمعنا وأطعنا﴾. وكذلك أيضا يدخل في هذه الآية أن المؤمن لا ينبغي له أن يجعل حكما من أحكام الناس يقدم على حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم. أنا لا يجوز لمسلم أن يقدم قولا أو فعلا يقدمه على الكتاب والسنة أو حكما. معناه مثلا أن يحب أن يتحاكم إلى غير شرع الله، مثل ما يفعل بعض العرب أو البدو في أحكامهم، فتجد أنهم إذا حصلت لهم مشكلة تحاكموا إلى الأحكام الوضعية التي عندهم، ولا يتحاكمون إلى الشرع. بل بعضهم بجهله يقول: الشرع ليس في هذه الأمور. أنا يظن أن الشرع فقط في الصلاة والصيام والعبادات، ولا يتدخل في هذه الأمور. وكذلك أيضا بعض المثقفين الذين يجهلون كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتأثروا بالعلمانية، تجد يقول: أن الشرع لا يدخل في هذه الأمور السياسية أو يريد الأحكام بين الناس. وهذه الأحكام التي وضعت وضعت للناس عن هذه الأحكام الموجودة بين الناس، فهذا أيضا قد تأثر بغير وحكم الله عز وجل ورضي بغير حكم الله. وهذا أمر خطير. ولهذا المؤمن يجب عليه أن يتحاكم إلى الكتاب والسنة، لا يتحاكم إلى غيره، لا يقول كما قال بعض العلمانيين: ما لله لله وما لقيصر لقيصر. بل الأمر كله لله، كما قال الله عز وجل: ﴿الأمر كله لله والحكم لله إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم﴾، حكم وعبادة. فالحكم لله عز وجل وليس لغيره. فلهذا لا يجوز أن يتحاكم إلى غير الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فلهذا المؤمن ينبغي عليه في خصوماته وفي أشكالاته أن يرجع إلى من يعرف الكتاب والسنة، لا يرجع إلى أناس يتحاكمون عندهم وهم لا يعلمون الكتاب والسنة، يحكم بهم بالعرف. هذا لا يجوز. إن كان صلحا ما في شيء، يصلح بينهم هذا ما في شيء. يأخذ من هذا ويدع هذا، هذا الصلح ما في شيء. أما حكم يقرر، وأيضا يستمر فيه في كل قضية، فهذا لا يجوز. وهذا أيضا تقدمه بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وقد قال ربنا جل وعلا: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يؤمنون﴾. معناه الذي يريد أن يتحاكم إلى غير شرع الله ويريد حكم الطاغوت. فلهذا الواجب على المؤمن أن يدعو إلى الله عز وجل. ﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله أن يقولوا سمعنا وأطعنا﴾. فلهذا فالحكم داخل في هذه الآية، أن المؤمن لا يريد حكما غير حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وهذا من تعظيم الله وتعظيم رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن الأدب مع الله والأدب مع رسوله، أن المؤمن لا يحتاج إلى حكم غيرهما، وإنما يتحاكم إلى حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم، سواء كان في الأمور الاعتقادية أو كان في الأمور التعبدية أو كانت في الأمور الاقتصادية أو الاجتماعية. كل ذلك يرجع إلى الكتاب والسنة. فكل ذلك في الكتاب: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾، يرجع إلى كتاب الله عز وجل وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وإن لم يجد هذا العالم مثلا الذي يرجع إليه المسألة بعينها، سيجد ما هو يشبهها، أو أنه يسأل من هو أفضل منه. أو يقرأ في كتب أهل العلم، وبحمد الله الآن انتشرت فتاوى أهل العلم الكثيرة، سواء كانت الفتاوى القديمة أو الفتاوى المعاصرة، أي المشكلات المعاصرة. فما تجد مسألة إلا وتجد فيها كلاما من كلام أهل العلم. وهذا من فضل الله عز وجل ومن حفظ دينه سبحانه وتعالى. فلهذا لا يحتاج المؤمن إلى غير حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم. وكذلك كما قلنا أيضا الاتباع والاقتداء داخل في هذا. وكذلك أيضا الاستعجال في الاختراع، اختراع أقوال أو أفعال ليست موجودة في الكتاب والسنة، فهذا أيضا يدخل في التقدم، وهي البدع. والبدع قد يكون أيضا ما هو أعظم من البدع، الشركيات يدخل في التقدم بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. والمؤمن متبع لكتاب الله، متبع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتكم». الواجب عليك أن تتبع، لا تأتي بأشياء تخترعها وتقول: هذا دين الله، وهذا كذا وكذا. الشرع جاء بأشياء يجب على المؤمن أن يتبعها، لا ينبغي أن يأتي بحكم أو يأتي بقول أو فعل ليس موجودا في الكتاب والسنة. فهذا شيء مما يذكر في هذا النهي العظيم الذي نهى الله عز وجل عباده المؤمنين أن يتقدموا بين يديه جل وعلا وبين يدي رسوله صلى الله عليه وسلم. وقال ربنا جل وعلا: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾. هذه الآية العظيمة أيضا فيها عدم التقدم على الله عز وجل ورسوله، وأن الواجب على المؤمن أنه يتحاكم إلى حكم الله ورسوله. وكذلك أيضا إذا جاءه الحكم يرضى، ولا يجد في نفسه حرجا، حتى الحرج لا يجد في نفسه، ما دام أنه حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم، ولو كان هذا الحكم في غير مصلحته. وهذا أمر عظيم، وأمر ينبغي أن ينتبه له أهل الإيمان. فأحيانا بعض الأحكام قد تكون ضدك، قد تكون في عدم مصلحتك، قد تكون في عدم ما أردت. فلا ينبغي لك أن تتحرج، ولا ينبغي لك أيضا أن يسوء نفسك في هذا الحكم، بل تتلقى هذا الحكم بالاستسلام لله ولرسوله، ما دام أن هذا حكم الله. فأنا راض بحكم الله عز وجل، ولو كان على نفسي. ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا شهداء بالحق ولو على أنفسكم أو الوالدين﴾. فلهذا المؤمن ولو كان عليه الحق، لا ينبغي له أن يتحرج أو يجد في نفسه، أو أنه كذلك لا يستسلم، لا يستسلم لحكم الله عز وجل. فهذا شيء مما يذكر في قول الله عز وجل: ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾. ثم قال الله عز وجل: ﴿واتقوا الله﴾. وتقوى الله سبحانه وتعالى هي غاية الأمور، كما قلنا غاية الأمر، وتقوى الله عز وجل هي امتثال أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك اجتناب النهي. فهذا هو تقوى الله. بل بعضهم يقول: إن تقوى الله هي الإحسان، وهي أعلى مراتب الإسلام، أي أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. فلهذا يقولون: التقوى هي فعل الأمر، وكذلك أيضا فعل ما يحبه الله، ولو كان ليس واجبا. وكذلك ترك ما يحرم على العبد، بل وما يكره كذلك عليه. فتكون التقوى هي العمل بالإسلام كله، بواجباته ومستحباته، وكذلك ترك المحرمات والمكروهات. فهي المراد بها الإحسان، الإحسان في الأعمال، سواء كان في التعبد أو في المعاملات. فهذا هو تقوى الله جل وعلا. والناس يختلفون في هذه التقوى من مقل ومن مستكثر. فكلما كان العبد متقربا إلى الله، وأيضا يفعل أمر الله جل وعلا ويجتنب نهيه، كان أكثر تقوى من غيره. فلهذا فتقوى الله عز وجل هي غاية الأمور. وأيضا كما قال ربنا جل وعلا: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم﴾. الله عز وجل ما أراد من عباده إلا التقوى. فقال: ﴿واتقوا الله﴾، أمر بتقوى الله جل وعلا. ﴿إن الله سميع عليم﴾، فبعد التقوى، الله جل وعلا ذكر ربنا جل وعلا أنه محيط بأعمال العباد وبأقوالهم. فما تقولونه فربنا جل وعلا سميع يسمع هذا القول، وما تفعلونه فربنا جل وعلا عليم به. فهو سميع بأقوالكم، عليم بأفعالكم. وهذا يدل على إحاطة الله عز وجل بأعمال عباده سبحانه وتعالى. وأيضا يقول ربنا في هذا: ﴿إن الله سميع عليم﴾، أي أنكم يا عباد الله لا تتقدموا بين يدي الله. أيها المؤمنون، معنى الآية إجمالا: أيها المؤمنون، لا تتقدموا بين يدي الله ورسوله، واتقوا الله، أي افعلوا أمر الله واجتنبوا ما نهى عنه. وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه». الله عز وجل لا يكلف نفسا إلا وسعها. فأتوا منه ما استطعتم. وما نهيتكم عنه فاجتنبوه. فلهذا يا أيها المؤمنون، لا تتقدموا بين يدي الله ورسوله، واتقوا الله، واعلموا أيضا أمرا مهما، أن الله سميع بأقوالكم، عليم بأفعالكم. إن فعلتم خيرا سيجازيكم بهذا الخير الذي فعلتموه. إن اتبعتم الكتاب والسنة فأنتم مجزون من عند الله عز وجل بأجره العظيم الذي وعدكم الله عز وجل به. وإن خالفتم ما أمركم الله عز وجل به، فهو أيضا كذلك سيجازيكم على ذلك. ولهذا فهذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾، أي التزموا أنكم لا تتقدمون بين يدي الله ورسوله، واجعلوا تقوى الله عز وجل أمامكم. وأيضا اعلموا أن الله عز وجل محيط بأعمالكم وأقوالكم. فلا يذهب عن قول جل وعلا ولا فعل. فلهذا فالتزموا أمر الله واتبعوا شرع الله جل وعلا. فهذه معنى الآية إجمالا وتفصيلا. وإن قلنا كما قلنا: هذه الفوائد التي جاءت في هذه الآية فوائد عظيمة، لكن اقتطفنا بعض ثمرات هذه الفوائد العظيمة من هذه السورة. فنسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يجعلنا ممن يتدبر كتاب الله جل وعلا ويتفهم معانيه، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أتباع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. والحمد لله رب العالمين.