الدرس في قطف الثمرات من فوائد سورة الحجرات 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُشدد على أهمية الصبر وعدم الاستعجال في الأمور الدنيوية، ويُوضح أن الصبر صفة عظيمة يحبها الله ورسوله. كما يُبين أن الصبر يؤدي إلى نتائج أفضل وخير للمسلم.
يشرح أهمية الصبر والمصابرة في الطاعات وترك المعاصي، ويبين أن الله عز وجل يغفر الذنوب لمن يعمل الأسباب التي تؤدي إلى المغفرة. يحتاج المسلم إلى الصبر لمواجهة العوارض في طاعة الله.
يُنبه على أن ستر الله لا ينبغي أن يكون سببا في الاستمرار في المعاصي، ويحذر من الاغترار بمغفرة الله ورحمته. كما يشير إلى أن العقوبة قد تكون في الحرمان من لذة الطاعة.
يشرح رحمة الله تعالى بعباده حيث يعجل لهم العقوبة في الدنيا حتى يلقوه نقيين من الذنوب، ويذكر بعض الأمور التي تمحو السيئات. كما يشير إلى رحمة الله حتى بالكفار بإعطائهم نعم الدنيا.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قائد الغر والميامين، عليه الصلاة والسلام. أما بعد، فإن شاء الله تعالى في هذا الدرس نأخذ ما تبقى معنا مما ذكرناه من فوائد قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم﴾، وذكرنا فوائد هذه الآية، لكن لم نتكلم على هذه الفوائد. فقلنا: من فوائد هذه الآية أن الله عز وجل يحث على الصبر وعدم الاستعجال في الأمور، يحث على الصبر وعدم الاستعجال في الأمور. ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم، فالصبر -عباد الله- عبادة عظيمة، إذ الإيمان كما قال الإمام ابن القيم: الإيمان نصفان، نصف صبر ونصف شكر لله عز وجل. فلهذا فالصبر صفة عظيمة يتخلق بها المسلم في أموره التي أراد الله عز وجل فيها الصبر، لأن الصبر قد يكون أيضا مذموما، مثل صبر أهل المعاصي على معاصيهم، وصبر الفجار على فجورهم، وصبر الكفار على كفرهم، واجتهادهم في نشر كفرهم، فهذا أيضا صبر، لكنه مذموم. وأما المؤمن فصبره إما على طاعة، وإما عن معصية، وإما عن أقدار الله عز وجل المؤلمة، فيصبر المؤمن على كل هذا. وكما قال الله عز وجل: ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾. والصبر هنا المراد به التأني والتؤدة، عن الصبر هنا ليس المراد به الصبر العام، لأن الصبر له معان في مواضع، ففي هذا الموضع وهو عدم الاستعجال في الأمور التي يدركها الإنسان بالصبر، فيسمى هنا التأني أو التؤدة. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام -كما عند أحمد وغيره-: «التأني من الله، والعجلة من الشيطان»، والشيخ الألباني -رحمه الله عليه- صححه. «التأني من الله والعجلة من الشيطان»، أي: في الأمور العادية وأمور الدنيا. وأما أمور الآخرة، فالواجب على المسلم أن يسارع، أو أن الله عز وجل حث فيه على المسارعة، المسابقة. «سارعوا إلى مغفرة من ربكم»، فأمور الآخرة يسارع فيها الإنسان ويسابق، وهو أيضا من الصبر، لكن الأمور التي تحتاج إلى صبر، فلابد أن يتأنى فيها، معنى تحتاج إلى تأني وعدم الاستعجال حتى لا يخسر، وأيضا حتى لا يخسر ما أراد، وكذلك تأتي النتائج على غير ما أراد. ولهذا قال الله عز وجل هنا: ﴿ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم﴾، أنه كان هذا صبرهم سيأتي بنتيجة أعظم من هذا، فلهذا استعجل. والتأني -عباد الله- صفة عظيمة ينبغي للمسلم أن يتخلق بها. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام أثنى على الأشج ابن عبد القيس لما فيه من هذه الصفة العظيمة، فقال -كما جاء في صحيح مسلم-: قال النبي عليه الصلاة والسلام للأشج: «يا أشج، إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله»، فقال: يا رسول الله، أتخلقت بهما أم جبلت عليهما؟ قال: «بل جبلت عليهما»، معنى: الله عز وجل خلقك عليها، الحلم والأناة. «إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة»، تتأنى في الأمور. ولهذا جاء في السيرة، وهو أيضا عند أحمد، أن الأشج لما جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام مع قومه -معنى: قبيلة عبد القيس من البحرين- جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام لأجل إسلامهم، وكذلك ليتعلموا. فلما جاءوا خرجوا كلهم مسرعين إلى النبي عليه الصلاة والسلام، يتلهفون لقيام النبي عليه الصلاة والسلام، إلا الأشج ابن عبد القيس، فإنه خرج من راحلته واغتسل ولبس ثيابه وما يلزم من ذلك، ثم ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فجاء آخر الناس. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «يا أشج، إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة»، فهذه الأمور تحتاج إلى تأني، خاصة أمور الدنيا. ومن أراد الأمور بالطرق غير الشرعية، فإنه تأتي عواقبه أعظم. ومن هذا الباب ذكر العلماء تلك القاعدة الفقهية في قولهم: «من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه»، هذا ذكرها الشافعية، وكذلك الحنابلة. لكن الحنابلة زادوا فيها: «من استعجل الشيء بطرق محرمة أو بممنوع، عوقب بحرمانه». ومن ذلك أن العبد أو الابن أو غيره أو الوارث يحرم من إرث مثلا قريبه الذي يرث منه، يحرم بسبب قتله، استعجال في قتله، يقتله لأجل أن يرث ماله، فيحرم من ذلك. وأمور كثيرة تدخل في هذا. لكن هنا المراد في الأمور العملية التي ليست فيما يتعلق بالدار الآخرة، وإنما الأمور العملية التي تكون بين الناس. لا ينبغي للإنسان أن يستعجل أمر مثل هذه الاستعجال فيقع فيما لا تحمد عقباه، وتأتي النتائج عكسية. لكن لو استخدم الطرق الصحيحة، وصبر على مثل هذه الأمور، فإن الله عز وجل يأتي له بالنتائج العظيمة، وأيضا ما أراده من هذه المعاملة وغيرها. فلهذا لا يستعجل. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم﴾. فقلنا: هنا الله عز وجل نكر «خير»، «خيرا لهم»، أي: أن النتيجة التي تكون بعد تكون خيرا لهم. ولهذا أيضا من الفوائد التي تأخذ من هذه السورة: أن الصابر في مثل هذه الأمور نتيجته تكون قضى حاجته، غالبا تكون نتيجة قضى حاجته، غالبا. بخلاف الذي يستعجل، فالله عز وجل يقول: ﴿ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم﴾. وقلنا: أن الخير هنا المراد به أي خيرا لهم، لأنهم التزموا أمر الله، وتأدبوا مع رسول الله. والأمر الخير الآخر أيضا وهو داخل في هذه الآية: أن النتائج التي تأتي بالصبر وعدم الاستعجال، نتائج خير، ونتائج أيضا مثل ما أرادها الإنسان -بإذن الله جل وعلا-. فلهذا فالصبر صفة عظيمة، وتقضى بها الحاجات -بإذن الله جل وعلا-. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام -كما جاء في الصحيحين في حديث أبي سعيد-: «ما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر»، ما أعطي عبد عطاء خيرا وأوسع من الصبر. أولا: أنه خير، وكذلك واسع، ليس كما يقولون: «الصبر يقتل»، أو «كثرة الصبر يقتل». وأيضا بعضهم يقول: «الصبر يأتي بك إلى القبر»، وغيرها من هذه المقالات. الصبر إذا بعضهم يقول: إذا تعدى حدوده، فهذا يحصل في بعض الحالات أن الصبر أو الإنسان يصبر كثيرا، لكن الغالب أن عاقبة الصبر تكون نتائجه طيبة، تكون نتائجه طيبة، وخاصة كما قلنا: بين التعامل بين الناس وغيره. والصبر أيضا حتى مطلوب، كما قلنا: في الطاعات، الصبر مطلوب في الطاعات، العبادة، الصلاة تحتاج إلى صبر، ترك المعصية يحتاج إلى صبر، وكذلك أيضا المصائب والبلايا التي تنزل على العبد أيضا تحتاج إلى صبر. وأيضا كذلك أيضا الثبات على الصبر يحتاج إلى صبر. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾، فهنا قال: «اصبروا وصابروا»، «صابروا» على وجن ضارب، والمراد به: أن هناك من ينازعك ويضيق عليك، وهو العوارض التي تعترض العبد عند الصبر على طاعة الله جل وعلا، والصبر عن المعصية، هناك عوارض تعارضه، يحتاج إلى قوة، يحتاج إلى قوة، وهي المصابرة، حتى يفك هذه المعارضة، يحتاج إلى قوة المصابرة. فقال الله عز وجل: ﴿اصبروا وصابروا﴾، فيحتاج إلى أن تكون هنا قوة في المصابرة حتى يواجه عدوه. لو استسلم لعدوه، ذهب الصبر الذي كان معه في الطاعة أو عن المعصية أو عن أقدار الله عز وجل، فتجد أنه لا يتحمل المصيبة، تجد أنه لا يصبر على الطاعة، بسرعة ينفر، يصلي بداية الشهر، قيام الليل، يأتي عليه نصف الشهر إلا وقد ترك. وإن صلى، صلى العشاء وخرج، وقد كان في بداية الشهر يصلي، لكن هنا ما صبر ولا أتم صبره. هناك النفس قد يكون مثلاً الشيطان -على قول أكثر أهل العلم- لا يكون في رمضان في وسوسته، وكذلك أيضا معارضته لابن آدم. لكن هناك أيضا عوارض أخرى، النفس الأمارة بالسوء أيضا، أمور الدنيا التي تكون في قلب الإنسان، وهي أيضا تابعة للنفس، فهذه أيضا قد تصرف العبد عن ما أراد من الخير. فلهذا تجد أنه يقدم بعض الأمور التي هي تافهة، مثلاً: يريد أن يجلس في المقهى، يريد أن يجلس في كذا، أو شيء من مشاغل أولاده أو أهله، امرأته أو كذا، فيقدمه على الصلاة. أنا يأتي له بعذر واهي لأجل أنه يترك هذه الصلاة. والأصل أنه يريد أن يتفلت من هذا، من هذه الطاعة. وهذا كله لعدم المصابرة في الطاعات وترك المعاصي. فلهذا الصبر يحتاجه المسلم في كل هذه الأمور: في الطاعة، والصبر عن المعصية، وكذلك عن أقدار الله. ويحتاج أيضا في الثبات على هذه الأمور أيضا مصابرة، يحتاج مصابرة عظيمة على هذه الأمور. ومن المناسبات أننا في شهر الصبر، أننا في شهر رمضان، سماه النبي عليه الصلاة والسلام «شهر الصبر»، كما جاء عند أحمد وأبي داود، عن أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من صام شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر، ذهب الله عز وجل عنه وحر الصدر»، ذهب الله عنه وحر الصدر، وحر الصدر: أي ضيقه، سواء كان معنويا أو حسيا، معناه: في الأمور المعنوية أو في الأمور الحسية، يجد ضيقا في صدره. فإن هذا من العلاج: أنه يصوم رمضان، يصوم ثلاثة أيام من كل شهر. كذلك أيضا يذهب أيضا بالضيق المعنوي الذي يجده في الطاعات. وهذا من أعظم الأمور التي ينبغي للمسلم أن يزيلها عن نفسه: الضيق الذي يجده في الطاعات، في الصلاة ما يصبر في الصلاة، ويريد أن الإمام يقرأ بسورة قصيرة وينتهي، ما يصدق متى تنتهي الصلاة، يدخل في الصلاة وهو يريد أن تنتهي في أسرع وقت، ويتذكر أمورا أنه سيفعلها وكذا، وكل هذا إنما من الله عز وجل عدم صبر هذا العبد على الخير. كذلك أيضا في المصائب وغيرها، تجد أن الإنسان يكون صبره قليل جدا في مثل هذه الأمور. ولهذا فيحتاج إلى علاجات، ومنها هذا العلاج: أنه يصوم ثلاثة أيام من كل شهر مع صيام رمضان، فإنه يساعده على التصبر على الطاعات أو على الصبر على الطاعات، وذهاب هذا الضيق. فلهذا -كما قلنا- يحتاج الإنسان إلى صبر ومصابرة حتى تتحقق أموره. ﴿ولو أنهم صبروا حتى يخرج إليهم لكان خيرا لهم﴾، فالصبر خير عظيم يلقاه، ونتائجه عظيمة، عن الصبر في الطاعة، وعن المعصية، وعن أقدار الله عز وجل المؤلمة. كذلك أيضا من هذه الفوائد التي نستفيدها أيضا: مغفرة الله عز وجل ورحمته لعباده، أنه سبحانه وتعالى يغفر الذنوب جميعا، وأن العبد متى ما عمل ما يغفر به الذنوب، غفر الله عز وجل له. بل إن الله عز وجل يتجاوز عن العبد، وإن لم يسعى إلى الأسباب التي يغفر الله عز وجل له، مثل هؤلاء غفر الله عز وجل لهم، دون أن يكون منهم شيء من الأسباب التي تؤدي إلى المغفرة. لكن الله عز وجل رحيم بعباده، فقأف مغفرته -سبحانه وتعالى- إما لأجل أن هؤلاء كانوا جهالا ما يعلمون هذا الأدب، أو لأجل أنهم أخطأوا، فغفر الله عز وجل لهم خطأهم. وهكذا المؤمن، ربنا جل وعلا يغفر له ذنوبه، ويستر عنه عيوبه، يستر عنه عيوبه حتى يوم القيامة. وهذا من كرم الله وستره لعبده، كما جاء في الصحيحين: أن الله عز وجل يأتي المؤمن، ويأخذه بكنفه -وهذا أيضا من ستر الله عز وجل له- حتى في يوم القيامة، فيقول: «يا عبدي، فعلت كذا وفعلت كذا وفعلت كذا»، فيقول: «أعوذ يا رب»، يعترف بذنبه، لكن الله عز وجل لم يرد فضيحته. بخلاف أهل الخيانة، أهل الخيانة يفضحهم الله عز وجل يوم القيامة، كما جاء في صحيح البخاري ومسلم، عن عبد الله بن عمر، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لكل غادر لواء يوم القيامة يقام تحت إسته»، تحت إسته: معنى تحت خلفه، يقام، معنى: أنه يكون جالسا أو قائما، يكون هذا العلم وراءه. قال: «تحت إسته»، يقال: «هذه غدرة فلان»، هذا فضيحة، فضيحة عظيمة في ذلك الموقف العظيم، عند الناس يكون عليه علم أنه غادر، غدر بالأمة، غدر حتى الغدر الإنسان بأهله، يغدر بهم ويخونهم ولا ينصح لهم، وغيرها من الغدرات التي تكون للإنسان، يفضحه الله. لكن المؤمن الذي هو صدق مع الله عز وجل في أعماله، لكن جاء بأخطاء، عنده ذنوب، عنده أخطاء، فيقول الله عز وجل: «يا عبدي، فعلت كذا وكذا وكذا»، فيقول: «نعم يا رب»، بخلاف ذلك المنافق أو ذلك الذي لم يصدق مع الله، فإنه يتبرم وينكر، يقول: «لا، ما فعلت»، وأنا ما أريد، فيقول الله عز وجل: «يا عبدي»، فهؤلاء ملائكتي شهود عليك، والكاتبون، فيقول: «والله يا رب، أنا اليوم ما أرضى إلا بشاهد من نفسي»، ما يقول: «ما أرضى إلا بشاهد من نفسي». قال: فيختم الله عز وجل على فيه، وتتكلم جوارحه، ثم يقول: «سحقا»، «لكن عن كن كنت أجادل»، يوم تشهد عليهم ألسنتهم ويديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون. وقال الله عز وجل: ﴿وقالوا لجلودهم لما شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء﴾. لكن هذا المؤمن الصادق يعترف أنه عنده هذه الزلات، فيقول الله عز وجل: «يا عبدي، فعلت كذا وكذا وكذا»، فيقول: «نعم يا رب»، فيقول الله عز وجل: «قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك في الآخرة»، قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك في الآخرة، خلاص محوتها عنك وغفرت لك. وأيضا زيادة على هذا: أن الله عز وجل سترها عليك في الدنيا، وهذا من كرم الله عز وجل. وإلا لو كشف هذا الستر لما تعامل الناس بهذه المعاملات الخيرة، لما يكون من الفضيحة. لكن ستر الله عز وجل عظيم على عباده، وهذا يحتاج إلى شكر من العبد لله عز وجل. لكن ينبغي للمؤمن أنه لا يغتر بهذا الأمر، بستر الله وعفوه وكرمه ومغفرته. فإن أناسا اغتروا بذلك، فصار ذلك عليهم هلاك. يقول الله عز وجل: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين الصالحين﴾، يقول الله عز وجل: «فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب»، يعني خلف أناس من بعد أناس من الصالحين. وهنا كان يتكلم ربنا سبحانه وتعالى على بني إسرائيل، فجاء أناس ورثوهم، وورثوا الكتاب، لكنهم ما كانوا يعنون بالكتاب، ولا يعملون بالكتاب، وإنما أخذوا في الدنيا. فقال الله عز وجل: ﴿فمن بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا﴾، يعني يدخلون في معاصي الله، ويأخذون الأموال الباطلة على الناس. وربنا جل وعلا في هذه الآية أراد معناه: الرهبان، وكذلك الأحبار من بني إسرائيل، ممن كان يأخذ على الناس أموالهم. لكن الآية عامة في كل من فعل بفعلهم، فهم يعلمون أنهم يأخذون على الناس أموالا باطلة، ويبدلون أحكام الله، ويقولون: «سيغفر لنا»، مثل ما قالوا للنبي عليه الصلاة والسلام: «ندخل الجنة ثم نخرج وندخل بعدكم»، أو كما قال، أو قالوا: «ندخل النار ثم نخرج وتخلفون بعدنا». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله لا نخلفكم فيها أبدا»، هذه أشياء اغتروا بها. فقال الله عز وجل عن هؤلاء: ﴿وإن يأتيهم عرض مثله يأخذوه﴾، يعني ما يعتبرون من المرة الأولى، لا، بل كلما جاءهم أمور من هذه الأمور دخلوا فيها، لا يبالون بأن هذا حرام. قال: ﴿ثم قال الله عز وجل وإن يأتيهم عرض مثله يأخذوه ألم يأخذ عليهم في الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه﴾، معنى: نسوا هذه الأمور، وقعوا بسبب أنهم انهمكوا في هذا الأمر، حتى كانوا يتكلمون على الله عز وجل بغير علم، بل بعضهم يتقول على الله وهو يعلم حكم الله، لكنه يأتي بحكم آخر لأجل الأموال. فلهذا نسوا ما كان عندهم من الكتاب. فكما قال الله عز وجل: ﴿من الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾، فالله عز وجل عاقبهم. الله عز وجل يقول لعباده، يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام: «نبه عبادي أني أنا الغفور الرحيم، وأن عذابي هو العذاب الأليم»، فربنا جل وعلا يعاقب ويعفو -سبحانه وتعالى-، لكن هو حكيم -سبحانه جل وعلا-، فيعاقب من أراد العقوبة، وغالبا تنفعه العقوبة، تنفعه هذه العقوبة. لكن بعض الناس ما يحس بهذه العقوبة، لا، إذا رأى أن أمره مستور، وأنه يعيش حياة طيبة وكذا، يظن أن الله عز وجل راض عنه، وهو ليل نهار في المعاصي، وأخذ أموال الناس بالغش والخداع، وكذلك الرشوة وغيرها من هذه الأمور التي يؤخذ بها أموال الناس بالباطل. بل وكذلك أيضا منهمك فيما يغضب الله عز وجل، فيظن أن هذا الوضع طيب، وأن الله عز وجل راض عنه، وهذا ليس كذلك. بل ربنا سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل، وكذلك كما قال الله عز وجل: ﴿إن الله لا يمهل للظالم يمهل له يعطيه ويعطيه في هذه الحياة لعله يرجع لعله يتوب﴾، فيقول النبي عليه الصلاة والسلام -في حديث أبي موسى-: «إن الله لا يمهل للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»، حتى إذا أخذه لم يفلته. وقرأ قول الله عز وجل: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾. ويريد الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الحديث، مثل هذه الآية، قد يقول قائل: «هذه في القرى الظالمة»، لكن المعنى: أن الله عز وجل يمهل للظالم، سواء كان قرية، سواء كان أناس، سواء كان رجل واحد، سواء كان مسؤولا، سواء كان غنيا، سواء كان فقيرا، فكلهم يمهلهم الله، لكن إذا أخذ جل وعلا فأخذه أليم شديد. فلهذا لا ينبغي للعبد أن يغتر بعفو الله ومغفرته وستره عليه، أنه يتمادى. ومن لطف الله عز وجل بعباده أنه بعباده الصالحين: أنه يجعلهم يتذكرون العقوبات. لكن بعض الناس ما يرى -كما قال إمام القيم-: أن أعظم العقوبات التي يعاقب بها الله عز وجل أهل المعاصي: أن يبعدهم عن الطاعة، ويحرمهم لذة الطاعة، يحرمهم لذة الطاعة. الشخص يقول: «أنه ما عاقبني الله، الحمد لله»، كأنه يرى أن الله عز وجل يحبه، وهو إذا جاء إلى الصلاة تضايق، إذا جاء إلى العبادات تضايق، ومن شدة ضيق، أحيانا حتى يترك بعض الأشياء مستعجل، إذا جاء إلى العبادة تجده مستعجلا جدا، يجلس في المسجد كأحر من الجمر، لكن في الأماكن الأخرى ما شاء الله يجلس ويصبر، الصبر العظيم. وهذا كله من عقوبة الله عز وجل لهذا العبد، فتؤثر هذه المعصية في قلب العبد، فتبعده عن الله، ويحصل هذا. لكن أهل الإيمان وأهل الفقه في الإيمان وأهل الطاعة يدركون هذه الأمور، حتى كما قال الفضيل بن عياض -رحمه الله-: «إن كان السلف يدركون عقوبة الله عز وجل له حتى في نفسه، وفي أهله، في نفسه وفي أهله». كان سفيان الثوري يعرف أنه زل، فإذا زل بالد، يعرف أنه حصل له شيء من الزلل، معنى: يعرفون في حياتهم العادية، حتى في خلق زوجته، معنى: إذا تغيرت زوجته، علم أن هذا الأمر منه، أنه فعل شيء. وهذا من تذكير الله عز وجل عباده المؤمنين حتى ينتبهوا ويرجعوا ويتوبوا إلى الله عز وجل. ولهذا جاء عند أحمد -الظاهر- من حديث عبد الله بن عمر أو غيره: أن رجلا من الصحابة -رضي الله عنه- جاءته امرأة وأرادت أن تشتري من عنده شيئا، جاء في رواية: أنه تمر، فقال لها: «إن في الغرفة الأخرى تمرا أجود من هذا، هل تريدين؟» قالت: «نعم»، فدخلت هذا المكان، فجاءته شهوته، وفعل منها ما يفعل الرجل المرأة، إلا أنه لم يجامعها، ثم تندم، وحصل عنده ندم عظيم، وخاف خوفا عظيما، ثم ذهب يريد إلى النبي عليه الصلاة والسلام. ومن جدة خوفه: أنه ارتطم بالجدار، ارتطم بالجدار، فأصاب فشج في رأسه -معنى: من كثرة خوفه حتى ما رأى الجدار-، وهذا لخوفه العظيم من الله، فارتطم بالجدار وشج رأسه، ثم جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأخبره بذلك. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنك عبدا أراد الله بك خيرا»، أراد الله بك خيرا، أراد أن يذكرك، في نفس الوقت فارتطم بالجدار، عقبه عقوبة عاجلة. وهذا من رحمة الله عز وجل. ولهذا جاء في هذا الحديث، وجاء أيضا في حديث غيره: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله عز وجل إذا أراد بعبد خيرا عجل له العقوبة»، إذا أراد الله بعبد خيرا عجل له العقوبة في الدنيا، حتى يأتي يوم القيامة وليس عليه شيء. فهذا من لطف الله عز وجل ورحمته بعباده. فلهذا ينبغي أن نجعل مثل هذه الأمور بين أعيننا ونصب أعيننا حتى لا نقتر، وإلا فربنا جل وعلا غفور رحيم. وجعل سبحانه وتعالى من رحمته، وأيضا لطفه بالناس: أن جعل هناك أشياء كثيرة تمحو سيئاته وتذهب بسيئاته، منها الحسنات الماحية، ومنها حتى العقوبات، البلاء، ومنها التوحيد العظيم، وهو أعظم الأشياء التي يمحو الله عز وجل بها آثار السيئات. وغيرها من الأمور التي جعلها الله عز وجل، وهذا من رحمته بعباده -سبحانه وتعالى-. ولا شك أن رحمة الله عز وجل وسعت كل شيء، حتى الكفار. ولهذا الله عز وجل من رحمته بالكفار: جعلهم في هذه الحياة يتنعمون، وأيضا يمارسون حياتهم العادية. ولو أن الله عز وجل أراد أن يضيق عليهم في معيشتهم، لما شرب منهم كافر شربة ماء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما شرب منها كافر شربة ماء». لكن الله عز وجل يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الآخرة إلا من يحب. فهذه بعض الفوائد التي نستفيدها من هذه الآية. فنسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما سمعنا، وأيضا يعلمنا ما ينفعنا. والحمد لله رب العالمين.