04 تفسير سورة التكاثر من التفسير الميسر

الدرس في 04 تفسير سورة التكاثر من التفسير الميسر، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في تفسير سورة التكاثر

سورة التكاثر سورة مكية أو مدنية، نزلت في قبائل تفاخرت بعددها وأولادها، وتتحدث عن الانشغال بالتفاخر عن طاعة الله. السورة توعظ الناس من مغبة هذا الانشغال.

خطورة التكاثر بالأموال والانشغال عن الآخرة

التكاثر بالأموال والانشغال عن الآخرة يؤدي إلى الندم يوم القيامة، والإنسان سيحاسب على نعيم الدنيا. يجب على الإنسان أن يبادر إلى إنقاذ نفسه من الهلاك.

حق اليقين والسؤال عن النعيم يوم القيامة

حق اليقين يتحقق بعد العلم اليقيني في الدنيا ثم الرؤية يوم القيامة، والناس سيسألون يوم القيامة عن النعيم الذي أنعم الله به عليهم في الدنيا. سيحاسبون على كيفية شكرهم لهذه النعم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال الله عز وجل: ﴿ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ثم لتسألن يومئذ عن النعيم﴾. يقول المؤلف رحمه الله: "يلهاكم التكاثر"، قال: شغلكم عن طاعة الله التفاخر بكثرة الأموال والأولاد. هذه السورة سورة التكاثر، وتسمى أيضا سورة الهاكم، وسميت أيضا عند بعض السلف بسورة المقابر، لكن أكثر تسميتها عند السلف كذلك في أكثر المصاحف سورة التكاثر. وهذه السورة اختلف العلماء هل هي مكية أو مدنية، فذهب أكثر الصحابة على أنها مكية، وذهب جماعة منهم على أنها مدنية، لكن الأسلوب أسلوب مكي؛ لأنها جاءت في يوم القيامة. ولهذا اختلف العلماء فيمن نزلت، ومنهم من قال أنها نزلت في قبيلتين من قبائل قريش تفاخروا بعددهم وأولادهم، بنو أسد وبنو سهل، وقيل أنها نزلت في حيين من الأنصار أو في قبيلتين من الأنصار. فإذا كان في قبيلتين من الأنصار، معنى أنها مدنية. ومما يدل على أنها مدنية ما جاء في الصحيح البخاري عن أبي بن كعب، عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال: "كنا نعد قوله: لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليه ثالثا، قال: كنا نعده من القرآن حتى نزلت سورة التكاثر، قال: فعلمنا أنه ليس من القرآن". وأبي بن كعب أنصاري، فيدل على أن هذه السورة نزلت في المدينة، وبهذا رجح الإمام الطبري وغيره على أنها مدنية. فقول الله هنا: ﴿ألهاكم التكاثر﴾، قال المؤلف: شغلكم عن طاعة الله التفاخر بكثرة الأموال والأولاد، التكاثر: أي شغلكم هذا التكاثر، سواء كان في الأموال أو في الأولاد؛ لأنه كله من مما يشغل عن طاعة الله جل وعلا، كما قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون﴾. قال: ﴿حتى زرتم المقابر﴾، والمراد أيضا بالتكاثر هنا المراد به أيضا التفاخر بكثرة الأولاد وكثرة المال، التفاخر على غيره، وهذا غالبا يكون في القبائل أو كذا يفخر بقبيلته أنها لها جاه وكثرة عدد، وهذا غالبا كان يحصل لأجل الحروب، فكل قبيلة تكثر أولادها حتى تتقوى لأجل أن تهزم القبيلة الأخرى، وكان هذا موجودا في الجاهلية، وكذلك أيضا حتى عند أهل المدينة قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: ﴿حتى زرتم المقابر﴾، قال: ما هكذا ينبغي أن يلهيكم التكاثر بالأموال، سوف تتبينون أن الدار الآخرة خير لكم. "حتى زرتم المقابر" فسر بأنه حتى إذا أتيتم المقابر وجدتم أن كثيرا من أبنائكم ومن آبائكم قد قبروا وقد ذهبوا إلى ذلك المكان بسبب حروبكم أو بسبب غيرها من هذه الأسباب التي تتفاخرون من أجلها. أو فسرت بأن المراد أنكم لا يذهب هذا التشاغل بهذه الأموال والأولاد حتى إذا مت ودخلتم القبور ستعلمون بعد ذلك أو ستندمون بعد ذلك؛ تعلمون أن تشاغلكم عن هذا الأمر عن الموت وعن الحساب أنه كان خسارا عليكم. وفي صحيح مسلم حديث مطرف بن عبدالله بن الشخير، عن أبيه أنه قال: "دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: ﴿ألهاكم التكاثر﴾"، قال: "فيقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟". قال: مؤكدا هذا الخبر، وهذا ما يدل على التفسير الثاني: ﴿كلا سوف تعلمون﴾؛ تعلمون هذا الأمر العظيم، هو موتكم ورجوعكم إلى الله، وأيضا قيامكم من قبوركم، وهو البعث. قال الله: ﴿كلا سوف تعلمون﴾، هذا تأكيد للعبارة الأولى. فقال المؤلف: "ثم احذروا سوف تعلمون سوى عاقبة انشغالكم عنها". ثم قال جل وعلا: ﴿كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ثم لتسألن يومئذ عن النعيم﴾. قال المؤلف: ما هكذا ينبغي أن يلهيكم التكاثر بالأموال، لو تعلمون حق العلم لن زجرتم ولبادرتم إلى إنقاذ أنفسكم من الهلاك، لتبصرن الجحيم، ثم لتبصرنها دون ريب، ثم لتسألن يوم القيامة عن كل أنواع النعيم. ربنا جل وعلا ذكر في اليقين ثلاثة أشياء: علم اليقين، وحق اليقين، وعين اليقين. هنا ذكر العلم والعين، وفي سورة الحاقة ذكر حق اليقين "وإنه لحق اليقين". فعندنا علم اليقين: ﴿كلا لو تعلمون علم اليقين﴾، قال العلماء: أن علم اليقين هذا يكون في الدنيا، يكون في الدنيا يعلم المؤمن أو غيره أن هناك يموت، وكذلك يبعث إلى الله عز وجل يوم القيامة، وسيسأله الله سبحانه وتعالى. فقال: ﴿لترون الجحيم﴾، وهذا رأي عين، أي: تبصرون الجحيم أمامكم، والعذاب أمامكم. ﴿ثم لترونها عين اليقين﴾، عين اليقين: أي تنظرونه أمامكم وتشاهدون هذا الأمر الذي قد علمتموه قبل ذلك؛ أن هذا العلم علم يقين ليس فيه شك، هذا الذي تخبرون به، لكن إن كذبتم سترونه بأعينكم يوم القيامة، ترون الجحيم أمامكم، وهذا فيه تهديد لمن لم يرجع إلى الله عز وجل ويتوب إليه. وأما حق اليقين: "وإنه لحق اليقين"، أي: حقيقة اليقين، وحق اليقين: أن يدخل العبد النار أو الجنة، أن يتحقق ما أخبر الله عز وجل به، أخبر سبحانه وتعالى ووعد أهل الجنة أو أهل الأعمال الصالحة والطاعة بالجنة فيدخلون الجنة، وكذلك توعد من لم يطعه ويبتعد عن مرضاته ويخالف أمره أنه سيدخله النار، فهذا حق اليقين، وهو حقيقة هذا الشيء، حقيقة ما أخبر الله عز وجل به. فعندنا علم اليقين: هو ما أخبر الله عز وجل به في الدنيا بما أخبر به سبحانه وتعالى في كتابه الكريم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم يرون ذلك بأعينهم يوم القيامة، ثم يحقق ذلك بدخولهم ذلك العالم، أو بدخولهم إما جنة وإما نار. وأيضا كذلك سيحاسبهم الله عز وجل لهذا قال: ﴿ثم لتسألن يومئذ عن النعيم﴾، عن كل النعيم تسألون. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما خرج -كما جاء في صحيح البخاري- خرج أخرجه الجوع، وخرج أبو بكر وعمر معه وتقابلا، وقالوا: ما أخرجنا إلا الجوع؛ لأن ما عندهم طعام في بيوتهم، وهو رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. فذهب به النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي الهيثم، رجل من الأنصار رضي الله عنه، وأضافهم أحسن ضيافة، وذبح لهم، فلما أكلوا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: "إنكم لتسألون عن هذا النعيم"، هذا النعيم: أي هذا الطعام الذي أكلتموه يعتبر من النعيم؛ فمن يسر الله عز وجل له رزقا يقوم به فهو من النعيم الذي سيسأل عنه: هل شكر هذا النعيم شكره، حمد الله عز وجل عليه؟ وكذلك قابل هذا أيضا النعمة بالشكر بطاعة الله جل وعلا؟ أم أنه أعرض وجحد وأنكر هذه النعمة؟ مثل ما يتسخط كثير من الناس في هذه الأيام، عنده طعام وعنده شراب، بل قد يكون عنده طعام شهر، وهو يتسخط، ودائما يشتكي: أنه ليس معه شيء، وأنه فقير، وأنه معدم، وأنه كذا، هذا خطأ؛ بل الواجب أن العبد يحمد الله عز وجل على ما أعطاه الله سبحانه وتعالى من هذا النعيم. وقديما كانوا يقولون: "خل وبقل"، هذا النعيم الأجل، "كفرت بنعمة ربي إن قلت إني مقل"، ما عندهم إلا الخل والبقل، يرون ذلك نعمة أن توفر لهم خل وبقل؛ فهذا النعيم الأجل "كفرت بنعمة ربي إن قلت إني مقل"، ما عندي شيء من الطعام. فمن يسر الله له طعاما، يسر الله له أيضا بيتا، يسر الله له كذلك أولادا وزوجة، هذا كله من نعم الله عز وجل التي سيسأل عنها يوم القيامة "قفوهم إنهم مسؤولون"، فهذا ما يذكره الله تعالى عنه.