دروس للمبتدئين في المصطلح والتخريج 1

الدرس في دروس للمبتدئين في المصطلح والتخريج 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية علم الحديث ومكانته بين العلوم

يُبرز أهمية علم الحديث في تمييز صحيح الحديث من سقيمه، ويبين أنه من أهم علوم الآلة وأشرفها. يُعتبر أساسا للعلوم الأخرى وله مبادئ ينبغي لطالب العلم معرفتها.

علاقة علم الحديث بالعلوم الأخرى وتأثيره

يتناول علاقة علم الحديث بالعلوم الأخرى مثل أصول الفقه، ويشير إلى تأثير بعض العلماء في إدخال مباحث من علوم أخرى في علم المصطلح. يُبرز أهمية علم الحديث في حفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تاريخ وتطور علم مصطلح الحديث وأصوله

يُوضح تاريخ علم مصطلح الحديث وتطوره بدءًا من الإمام الشافعي مرورًا بأبي محمد الرامهرمزي، ثم تطورات العلم عند العلماء المتأخرين. يُظهر كيف استمد هذا العلم أصوله من الكتاب والسنة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه، ما بعد. فإن شاء الله تعالى نبدأ في هذا اليوم، يوم السبت، في هذه الدورة التي هي مقامة في دار الحديث بالشحر، بطيبة، حرسها الله. وهذه دروس إن شاء الله تعالى في المصطلح، كذلك في التخريج، وهي دروس معناها في البداية تعريف ببعض المصطلحات التي ينبغي أن يعلمها طالب الحديث، طالب علم المصطلح، مصطلح الحديث. ومن ثم بعد ذلك يستطيع أن يدخل، أو يستطيع أن يستمر في دراسة هذا العلم. وهذه الدروس إن شاء الله تعالى مثل المفاتيح التي تفتح هذا العلم. ولا شك أن علم الحديث هو من أهم العلوم، أو قد يقال: من أهم علوم الآلة، أو يقال: إنه أهم علم يتعلق بعلم القرآن. لماذا؟ لأن القرآن من أعظم علومه التفسير، ومعرفة معانيه، وهذه المعاني من أعظم معرفتها السنة. السنة تبين معاني القرآن. ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فالنبي عليه الصلاة والسلام يبين للناس القرآن. وهذا العلم هو اهتمام بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتمييزه كما سيأتي إن شاء الله تعالى معنا في معرفة موضوع هذا الحديث. فلهذا فله أهمية عظيمة من هذا الباب، أنه يعرف المسلم كيف سنة النبي عليه الصلاة والسلام، أقواله، أفعاله، يعني كيف يميز الصحيح من الضعيف. فلهذا كان هذا العلم يعتبر من أشرف العلوم. وصارت به الركبان من مكان إلى مكان يتناقلون هذا العلم، علم الحديث. وكذلك المصطلحات التي اصطلح عليها أهل العلم، وأهل الحديث، حتى قال بعضهم: إن أصل العلوم العالية هو مصطلح الحديث. والناس بعد ذلك، أي أهل العلوم الأخرى، أخذوا مصطلحاتهم من هذا العلم. لأن أول ما أصل هو علم الحديث. ولهذا تجد علم الحديث تعصيله قديم، كعلم النحو، أو قد يكون أقدم من علم النحو. وإن كانت ليست قواعد تامة، أو جاء مثلا لم يقصدوا جعلها كقواعد، لكن هي بدايات العلم. فاهتم مثلا علماء البصرة بنقد الحديث، اهتموا بنقد الحديث. وتجد أنهم أكثروا في هذا الباب. معنا من ناحية نقد الحديث الذي يرون أنه فيه شيئا من الخطأ. فبدأ أهل البصرة، وتبعهم بعد ذلك الناس. وألفت كتب العلل. وجاء بعد ذلك أشاوس الحديث، ومهندسو الحديث، وعلماء الحديث، وفقهوه رواية ودراية، وأصلوا علوما كثيرة فيه. كالشافعي رحمه الله، وأحمد، وابن المديني، ويحيى بن معين، وغيرهم من أئمة الإسلام. فأصلوا كثيرا من أصول العلم التي كان السلف يحرصون عليها، حتى يرسوا هذا العلم. فلهذا أصبح هذا العلم له أهمية عظيمة بين العلوم، وغيرها. واهتم أكثر علماء السلف بهذا العلم، حتى صار علماء الدين هم علماء الحديث. ثم بعد ذلك تفرع الفقه والمسائل. وإلا ما كان يعرف عند أهل الحديث هذه التفرعات في المسائل. وكذا إنما كان يعرف عند الحنفية، حتى جاء الشافعي رحمه الله، وربط علم الحديث بعلم مسائل الفقه. وأعجب بذلك جماعة من أهل الحديث. فلهذا كان لهذا العلم أهمية عظيمة. وكل علم وضع العلماء له مبادئ ينبغي لطالب هذا العلم أن يعرف هذه المبادئ. وهو كما ذكر بعض من نظم هذه المبادئ، فقالوا: إن لكل علم مبادئ عشرة: الحد، والموضوع، ثم الثمرة، ونسبة، وفضله، والواضع، والإسم، والاستمداد، وحكم الشارع، والمسائل. فبالبعض اكتفى، ومن حازها جميعا فقد حاز الشرفاء. فالآن عشر مبادئ لكل علم. الحد، والموضوع، ثم الثمرة. الحد المراد به التعريف، أيش هذا العلم؟ أيش المقصود من هذا العلم؟ مثلا الآن عندنا نحن ندرس مصطلح الحديث، أيش المقصود من مصطلح الحديث؟ هو علم بقوانين الحديث، دراية ورواية. علم بقوانين علم الحديث، دراية ورواية. والمراد في الدراية ما يكون من نقل سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وسيرته، وقواله، وأفعاله. والرواية ما يتعلق بالرجال، والأسانيد، والاتصال، والانقطاع، وغيرها، كما سيأتي. فهذا حده، وتعريفه. أنه هو قواعد أصلا وضعت لمعرفة الحديث. مثل قواعد الفقه، وضعت لمعرفة مسائل الفقه. وجعل لها قواعد تدخل تحتها المسائل. وهذا المصطلح جعل له هذه القواعد. وهي الأصل أنه ليس مصطلحا، وإنما هو أصول. هي قواعد في أصول الحديث، تبين لك أصول الحديث. لكن اشتهر عند العلماء المصطلح، مصطلح الحديث، قواعد مصطلح الحديث. وإلا المصطلح كلمة مصطلح هو ما اصطلح عليه. فقد يطلق على المصطلح ما كان في علوم الفقه، ما كان في علوم النحو، ما كان في أي علوم يكون مصطلحا. لكن اختص هذا العلم بقولهم مصطلح. وهذا يدل على أنه هو الأساس في العلوم، علوم الآلة. فسمي مصطلح الحديث. وإلا فهو قواعد في أصول الحديث. قال الحد، والموضوع. الموضوع معناه على أي شيء هذا يتكلم هذا العلم؟ ما الذي يبحثه؟ فهذا موضوع علم الحديث، أو مصطلح الحديث، يبحث الحديث نفسه. معناه معرفة صحيحه من سقيمه، ما يقبل وما لا يقبل، هل هو صحيح أو ضعيف؟ هذه القواعد وضعت لماذا؟ حتى يعرف صحيح ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، والصحابة. وأيضا ما كان لا يصح عنهم، لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا عن أصحابه، أو عن التابعين. فلهذا فهذه القواعد وضعت لأجل هذا. فهذا موضوعه: كيف تعرف صحيح الحديث من سقيمه؟ تعرف صحيح الحديث من سقيمه. ولهذا لما قال ابن الصلاح، وأخذ عبارة الخطيب، لما قال الخطيب في مقدمة السنن، مقدمة شرح سنن أبي داود، قال الخطيب: وأعلم أن الحديث عند أهله ينقسم إلى صحيح، وحسن، وضعيف. فأخذ هذه العبارة ابن الصلاح، وضمنها كتابا. فانتقده بعض الحفاظ، كالحافظ ابن كثير رحمه الله، في المختصر. فقال: إن كان أراد في نفس الأمر، فليس إلا صحيح أو ضعيف. نفس الأمر، أي أمر علم الحديث، علم الحديث ليس فيه إلا صحيح أو ضعيف. إن كان أراد نفس الأمر، فموضوع علم الحديث هو معرفة صحيح الحديث من سقيمه. فهذا هو موضوع الحديث. طيب، الثمرة، أي ثمرة علم الحديث؟ معنى الموضوع هو البحث عن الحديث. والثمرة هي معرفة سنة النبي عليه الصلاة والسلام الصحيحة. سنة النبي عليه الصلاة والسلام الصحيحة، هذا غاية هذا العلم. هو الذب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا لما قيل ليحيى بن سعيد القطان: ماذا لو جاء هؤلاء الذين تتكلم فيهم، جاءوا يوم القيامة، خصماءك يخاصمونك، كيف تتكلم فيهم؟ كيف تقول: فلان ضعيف، فلان لا يصلح للحديث، فلان كذا، فلان يكذب؟ سيأتون يوم القيامة يخاصمونك. فقال يحيى بن سعيد في رده، وهو رد عظيم: لأن يكون هؤلاء خصماء أحب إلي من أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم خصمي. فيقول: لما لم تدب عن سنتي؟ أنت ما ذببت عن سنتي. هناك من يكذب، هناك من يهم. هذا الحديث حفظه الله عز وجل. إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون. والذكر هو الكتاب والسنة. حفظ الله عز وجل هذا الحديث بعلماء الحديث. فلهذا ذبوا عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. مع أنه انتقد منهجهم، وانتقد ما هم عليه، لكن لم يبالوا. لعلمهم أن المصلحة المرجوة من هذا أفضل من ترك هذا الباب. هكذا أدرك هؤلاء العلماء أن الحديث قد يختلط على الناس. معنى وجد من أناس من أهل الفضل، وهل الصلاح، وهل العبادة، بل وعندهم علم، وجد أنهم يخلطون، يأتون بأشياء عجيبة، بل بعضها كذب. لكنهم ما يتعمدون الكذب، لكن الوهم الذي يدخلهم يجعلهم يأتون بأشياء خاطئة. فوجد العلماء مثل هذا. حتى كان يحيى بن سعيد يقول: ما رأيت الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث. يعني ما رأيتهم يكذبون إلا في الحديث. لكنهم ما يتعمدون الكذب، بسبب أوهامهم يقعون في الكذب. فما دام أهل الصلاح، وأهل الخير، وأهل الفضل الذين لهم جاه عند الناس، وقد يكون أيضا لهم جاه عند الله عز وجل، لكثرة محبة الناس لهم، لكنهم يقعون في هذا الخطأ. أبان بن أبي عياش كان في البصرة، يعد من وجهاء أهل البصرة، كانوا أهل البصرة يحبونه، يكاد أن يكون هو عابد أهل البصرة، علما وعملا. ولهذا حبه الناس. لكن لما انشغل بالعبادة، نسي كثيرا من العلم. فحصل له خلط بين كلام الحسن البصري، وبين كلام النبي عليه الصلاة والسلام. فيدخل هذا في هذا، وهذا في هذا. فغضب العلماء، وأول من غضب: شعبة بن الحجاج. فكان يقول: لأن أشرب من بول حماري أحب إلي من أن أحدث عن أبان بن أبي عياش. يقول: إن أبان هذا يحدث خطأ، كيف نقبل منه؟ فخاف العلماء على شعبة أن الناس يعني يمقتون شعبة، ويغضبون عليه، لأنه يتكلم في رجل قد انتشر صلاحه عند أهل البصرة جميعا، بل قد تعدى غيرهم. فجاء سفيان الثوري، وجاء حماد بن الزيد، وجاء مجموعة من العلماء إلى شعبة، وقالوا له: لا تتكلم في أبان، اترك الكلام في أبان، رجل له مكانة عظيمة في البصرة، فقد يضرك الكلام عليه. فجلس شعبة فترة، فما صبر، رأى أن أبان يأتي بأشياء غريبة. فقال لمن كان عنده، وخاصة حماد بن زيد: الكلام الذي قلت لكم، أنا متراجعا. والأمر دين، الأمر دين. فلهذا كان قام العلماء بمثل هذه، فهو ذب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. البخاري لما أراد أن يجمع صحيحه، ذكر معنى جعل عن البخاري روايتان، عن كيف ألف صحيحه. الرواية الأولى: أنه قال: كنا في مجلس محمد بن إسماعيل البخاري، في مجلس إسحاق إبراهيم. فقال إسحاق: من يكون عنده همة يجمع ما صح من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أسنده الثقات؟ فقال محمد بن إسماعيل البخاري. فوقع في نفسي هذا. ورواية أخرى جاءت: أنه رأى رؤية، أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام، وهو معه مروحة، يدب عن النبي عليه الصلاة والسلام. البخاري عنده مروحة، ويدب عن النبي عليه الصلاة والسلام، عن يدب ما يعلق من شيء من الحشرات، أو كذا، بالنبي عليه الصلاة والسلام. ففسرها المعبرون، فقالوا له: إنك تذب الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فزادت همتي. أو قال: فهممت، حتى ألف هذا الكتاب. فكان إذا أراد أن يضع حديثا، صلى ركعتين. كأنه يشاور الله عز وجل فيضع هذا الحديث. فوضع الله عز وجل لكتابه القبول إلى الآن، وإلى لعله إلى أن يشاء الله. الناس يعرفون البخاري، بل اسمه صار اسما جليلا. حتى لما تنطق باسم البخاري، ترى عظمة هذا الرجل، وأنه ألف شيء عظيما للناس، جمع حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فأخلص الله عز وجل ذكره. وسبحان الله، كل من تكلم على صحيح البخاري، أو تكلم في البخاري، غالبا ينطمس، وتذهب سمعته، ويذهب أيضا علمه، عن آخره. الناس ينسونه، ينتسى. وقد وجد كثير ممن تكلم في هذا الباب، سواء كان من أهل الرأي، أو من الحاقدين، أو كذلك من من تلوث بأفكار أهل التشيع، بل أفكار أهل الكفر، تكلموا على البخاري، لكن راحوا أدراج الرياح، ليس أحد منهم يذكر. فلهذا فحفظ الله عز وجل هذا الدين بهؤلاء الرجال، فكانوا يذبون عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذه الثمرة العظيمة. وأيضا ثمرة أخرى، وهي العمل بهذا الحديث، العمل بالحديث الصحيح الذي جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهي سعادة الدارين، سعادة الدارين. العمل بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسعادته في الدنيا: أنه يلتزم أمر الله، هذا سعادة عظيمة، ونعيم عظيم. والسعادة الأخرى، وهي الأعظم: أنه يكون من أهل جنة الله عز وجل، لأنه عمل بالكتاب والسنة. فلهذا كانت أهمية، وغاية، وثمرة هذا العلم عظيمة جدا. فهذا الأمر الثالث، وهو الثمرة. ثم النسبة، النسبة يريدون نسبتها بين العلوم الأخرى، هل بينها علاقة مع العلوم الأخرى؟ مصطلح معناه يريدون علوم الآلة: النحو، الصرف، كذا. تجد أن المصطلح علاقته ليست علاقة متقاربة بين العلوم، كأنه منفرد وحده. لكن أقرب ما يكون، أو يقاربه، أحيانا تدخل بعض المباحث معه، هو أصول الفقه. هو أصول الفقه، حتى أن الإمام الشافعي رحمه الله، لما ألف الرسالة، أدخل بعض علوم الحديث، وعلوم أصول الفقه، أدخلها معا. بل إن بعض أهل الحديث، ممن هو من علماء الأصول، تأثر، أدخل بعض الأفكار التي هي من أفكار أصول الفقه، أدخلها في علوم الحديث. بعض المباحث ليست من مباحث علم الحديث، لأن علم الحديث يبحث موضوع الحديث، هل هو صحيح أو ضعيف؟ لكن تجد بعض المباحث ليست من علم الحديث، مثلا على سبيل المثال: معرفة المتواتر من الحديث، هذا لا تعلق له بعلم الحديث، وإنما هو في مسألة الأصول، تعرف المتواتر من الأحد. لكن أدخله بعض علماء الأصول في الحديث، فمشى عليها العلماء أيضا. مثل حجية الحديث، إذا صح، هل يحتج به، أو لا يحتج به؟ هذا هل هو منسوخ، أو ليس منسوخا؟ هذا أيضا ليس موجودا في علم الحديث، وإنما هو من علم الأصول. لكن أدخل في علم الحديث. فلهذا فهناك مباحث أدخلت من علم المصطلح، أو من علم الأصول، أدخلت في علم المصطلح. وأهل الأصول احتاجوا إلى علوم من علوم المصطلح، أهل الأصول احتاجوا إلى علوم من علوم المصطلح، فأدخلوها في الأصول. ولهذا تجد علم الأصول لا يخلو من علم المصطلح، من مباحث في علم المصطلح، إذا قرأت أي كتاب في علم الأصول. فالعاقل كما قلنا: أن نسبة علم الحديث إلى العلوم الأخرى ليست نسبة قوية، ليس مثلا مثل النحو، واللغة. النحو والصرف، وأصول الفقه، والنحو واللغة، أصول الفقه له مباحث كثيرة في اللغة، يعني يستعين باللغة كثيرا. لكن مصطلح الحديث ليس له تعلق كثيرا، إلا كما قلنا: بعض المباحث أدخلت مع علم المصطلح. وإنما أدخلها بعض العلماء الذين تأثروا بعلم الأصول، أدخلوها في علم المصطلح. أيضا نسبة، وفضله. الفضل ذكرناه: أهمية علم الحديث في بداية الكلام. وأن علم الحديث هو أصل العلوم، أن أصل العلوم التي تبنى عليها: الكتاب والسنة، هو علم الحديث. لأن علم القرآن مبني على سنة النبي عليه الصلاة والسلام. لأن سنة النبي صلى الله عليه وسلم تبين القرآن. ولهذا سيدة عائشة رضي الله عنها، كما جاء في صحيح مسلم، لما سئلت عن خلق النبي عليه الصلاة والسلام، قالت: «خلقه القرآن». كان خلقه القرآن. حتى قالت لسعد بن هشام: أتقرأ القرآن؟ قال: نعم. قالت: هو خلقه القرآن. أنا أنظر إلى آداب القرآن، هي أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام. بل إن النبي عليه الصلاة والسلام، معنى هو سيرته عليه الصلاة والسلام، وسنته: بيان لما في القرآن. معنى إذا لم يفتهم شيء في القرآن، أنظر إلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فهو يطبق القرآن في سنته عليه الصلاة والسلام، وفي سيرته. وهناك مقالة يقولون، وإن كان بعضها العلم ينتقدها، لكن أصل معناها صحيح، أن يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم قرآن يمشي على الأرض. وإن كان اللفظ بعضهم انتقد اللفظ، لكن المعنى صحيح، معناه: النبي صلى الله عليه وسلم يطبق القرآن، سنته تطبق القرآن. ولهذا أخرج الإمام ابن عبدالبر، وكذلك هو في المصنف ابن أبي شيبة، عن مطرف بن عبدالله بن الشخير، أنه قيل له: يا أبا عبدالله، لماذا لا تحدثون بالقرآن؟ أنا كل حديث حديث حديث، أنا نريد قرآن، حدثونا بالقرآن، اقرأوا القرآن كل يوم حديث. قال لهم مطرف: وهل نريد بالقرآن بدلا؟ أنا هل نحن نريد شيء بدل القرآن؟ القرآن هو أعظم شيء، وأعظم ما يتمسك به. لكن قال رحمه الله: وكان جوابه عظيما. لكن نريد من يفهم القرآن، معنى الذي يفهم القرآن من هو؟ نبي الله صلى الله عليه وسلم. فهذه الأحاديث هي فهم للقرآن. فنحن إذا اهتممنا بالحديث، معنى اهتممنا بالقرآن. فلهذا صار علم الحديث هو أصل العلوم التي يبنى عليها سائر العلوم. ولهذا قال بعض العلماء: لو قيل: إن أفضل العلوم هو علم الحديث، لما أبعد الشخص. لماذا؟ لأن علم القرآن الذي هو علم القرآن مبني على الحديث، مبني على الأسانيد، كذلك مبني على الأسانيد. فلهذا فعلم الحديث له أهمية عظيمة. ولهذا قال بعض العلماء في قول الله جل وعلا: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ معناه يقولون: أن مفهوم الآية هو أن هذا الحديث بيان للقرآن. لكن لو نظرت إلى منطوق الآية، تجد أن الله عز وجل يقول: «أنزلنا إليك الذكر»، لماذا؟ لأجل أن تبين ما نزل عليهم عليك. معناه: الذكر هو القرآن. كأن القرآن أيضا أنزله الله عز وجل ليبين ما نزل على النبي عليه الصلاة والسلام. فالمهم أن الأمر متقارب، سواء كان حديثا، القرآن. فالحديث يعتبر من علوم القرآن، ومن أهم علوم القرآن، لأنه علم التفسير، وهو فهم الكتاب والسنة. لم يأتي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر القرآن كله، معناه تفسير قولي. لكن تفسير عملي، تفسير القرآن تفسير عملي. ولهذا تجد بعض أهل العلم من أهل التفسير يهتمون بهذا الباب، كالحافظ ابن كثير رحمه الله، يهتم بهذا الباب، بمعاني التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم، تشبه هذه الآية، أو معاني هذه الآية، فيذكر الأحاديث التي تبين هذا. وبعضهم يجعل ذلك في السيرة، تجد أيضا بعض المعاصرين، كابن عاشور، وغيره، يهتم بمثل هذا أيضا. يقارن يفسر القرآن على سيرة النبي عليه الصلاة والسلام. وأيضا الإمام الشنقيطي رحمه الله يهتم في بعض المواضع بهذا، لكن هو أكثر اهتمامه بفهم القرآن بالقرآن، وبالسنة النبوية. طيب، الآن هذا معنى الفضل. ثم قال: والواضع، من الذي وضع علم الحديث؟ لا شك أن علم الحديث وضعه النبي صلى الله عليه وسلم، هو واضع هو الذي قاله عليه الصلاة. لكن المصطلح نحن نتكلم الآن في مصطلح علم الحديث، من أول من وضع هذا المصطلح؟ العلماء يذكرون أن أول من ألف في علم مصطلح الحديث هو الإمام أبو محمد الرامهرمزي. أول من ألف في علم المصطلح هو الإمام أبو محمد الرامهرمزي. معنى أنه أول من ألف، وأفرد هذا العلم، أول من أفرد هذا العلم بتأليف هو الإمام أبو محمد الرامهرمزي. وإلا فهناك هذه الأبحاث التي ذكرها الرامهرمزي، أصلا موجودة في كتب العلماء الذين تقدموا، موجودة في كتب بعض العلماء الذين تقدموا. لكنه جمع مادة هذا الأمر. وإلا تجد أن علوم المصطلح قديمة، مثلا علم العلل، علم العلل قديم جدا. ألف فيه يحيى بن سعيد القطان، وهو من زمن أتباع التابعين، هو شيخ أحمد، وابن المديني، وابن معين، وإسحاق إبراهيم، وغيرهم، شيخهم يحيى بن سعيد. وكذلك أيضا عبدالرحمن بن مهدي له شيء من هذا. ثم ألف علي بن المديني كتب كثيرة في العلل، هذا في علم العلل فقط. وعلم الرجال أيضا هو قبل هؤلاء، عنهم من قبل، بل من زمن الصحابة. وجاء في زمن التابعين. لكن كثرة في زمن أتباع التابعين، لأن الناس تغيروا. ولهذا قال: ذكر الإمام مسلم رحمه الله في مقدمة صحيحه، عن محمد بن سيرين، قال: قال: «كان الناس يأخذون العلم، فلما حدثت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، ولنسمي رجالنا، حتى نعلم أهل السنة منها البدعة». وكانوا يقولون أيضا: «إن هذا الإسناد من الدين، فانظروا عن من تأخذون دينكم». هذا جاء متى؟ في زمن التابعين، آخر زمن التابعين. وإلا ما كان يسألون، كما قال ابن سيرين. ولما كان كان كذلك في مقدمة صحيح مسلم: كان بشير بن كعب يحدث، وكان ابن عباس جالس، فذكر جملة، هذا بشير بن كعب ذكر جملة. فنظر إليه ابن عباس، ثم خفض بصره. فلما انتهى بشير بن كعب، قال: «يا ابن عباس، ما رأيت عجبا اليوم منك، ما أدري هل أنت عرفت كلامي كله، إلا ما نظرت إليه، أو لم تعرف كلامي كله، إلا ما نظرت إليه؟» يقول: ما أدري فيك لشيء، هل تنكر كلامي كله، إلا ما نظرت، أو أنك عرفت كلامي، إلا ما نظرت، تعجبت منه؟ فقال ابن عباس رضي الله عنه: «إنا كنا إذا سمعنا من يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابتدرته أسماعنا، وأنظارنا، يعظمون حديث الرسول الله صلى الله عليه وسلم». قال: «كنا إذا سمعنا الرجل يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، انتبهنا له». قال: «فلما ركب الناس الصعبة والذلول، ما كنا نأخذ إلا ما نعرف». لما ركب الناس الصعبة والذلول، يعني دخل فيهم المغالطات، والكذب، وكذا. ما كان هذا موجود، لما ركب الناس الصعبة والذلول. قال: «ما كنا نأخذ إلا ما نعرف». فلهذا تجد أن هذا الانتقاد، وهذا الأمر حصل قبل. وأيضا كذلك جاء بعد ذلك: شعبة بن الحجاج، وفتش في الرجال، فلان ضعيف، فلان ثقة، فلان كذا. اهتم بهذا الباب. وجاء من بعده تلاميذه: عبدالرحمن بن مهدي، يحيى بن سعيد القطان. وجاء من بعدهم تلاميذهم: أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين. وسئلوا في الرجال. ابن معين له تواريخ، ليس هو الذي ألفها، ألفها تلاميذه: تاريخ الدوري، وتاريخ عباس بن عبدالعظيم العنبري، وتاريخ عثمان بن سعيد الدارمي، وغيرهم من التواريخ. يسألونه عن الرجال، يسألونه عن الرجال. فلهذا فهذا علم الرجال أيضا علم واسع، أيضا جاء. الإمام الشافعي رحمه الله في كتاب الرسالة، وضع أيضا بعض القوانين من قوانين علم المصطلح، مثلا: من الذي يقبل روايته؟ متى يرد الحديث؟ هذه قواعد عظيمة في علم الحديث، ذكرها الإمام الشافعي في كتاب الرسالة. لكنها أشياء يسيرة. لكن استحسنها أكثر أهل علم، لما قرأ عبدالرحمن بن مهدي الرسالة للشافعي، أرسل إلى الشافعي أن يكتب له هذه الرسالة. وأيضا بعض العلماء كان يقرأ الرسالة أكثر من مئة مرة. وبعضهم درسها كذا، وكذا مرة. فالمهم أن هذه الرسالة كانت مهمة جدا. لكن ليست فيها، أو لم يؤلفها الإمام الشافعي في مصطلح الحديث خاصة، وإنما أدخلها في أصول الفقه. فلهذا فأول من ألف كتابا في علوم المصطلح هو من؟ أبو محمد الرامهرمزي. ثم تبعه الناس. ولأن أبا محمد الرامهرمزي هو أول من ألف، فلهذا تجد الانتفاع بكتابه قليل. قليل من ينتفع بكتاب أبي محمد، لأنه أول من ألف، لابد تجد فيه قصور كثيرة، كثيرة. ولم يذكر كل الأنواع، وإنما ذكر بعض الأنواع. ثم جاء بعده العلماء، وألفوا. ألف القاضي عياض: اللمع. وألف الحاكم أبو عبدالله ابن البيع: ألف كتبا كثيرة في علم المصطلح، ومن أعظمها: معرفة علوم الحديث. كتاب طيب جدا. وذكر فيها أشياء، لكنها اقتصرت على بعض الأنواع، لم يذكر الأنواع كلها. ثم جاء الخطيب البغدادي، واهتم بعلم المصطلح أكثر اهتماما. فما تجد نوعا من الأنواع، إلا وقد ألف فيه، أو أدخله فيه نوع من الأنواع معنا، إلا الأنواع اليسيرة التي لم يؤلف فيها، ذكر لها، أو غالبا ذكرها في كتابيه: الكفاية، ألف كتابين: كتاب في القوانين الرواية، وكتاب في آدابها: الكفاية، هذا في القوانين الرواية. وفي الآداب ألف: الجامع، الجامع في آداب الراوي، والسامع. فألف هذين الكتابين، وانتفع العلماء بهما. وألف أيضا أجزاء في أنواع كثيرة. ولهذا يقول ابن النقطة: إمام نعمة الحديث، قال: «أن الناس عيال على في علم الحديث»، على من؟ على الخطيب البغدادي. الناس هؤلاء الذين يؤلفون في علم الحديث، هم عيال على كتب الخطيب. لأن كتب الخطيب خدمت هذا العلم، أيما خدمة. ولهذا تجد مادة ابن الصلاح، الذي هو اشتهر كتابه، مادته أكثرها من كتب الخطيب البغدادي. لخص كتب الخطيب البغدادي، وذكرها لتلاميذه. فلهذا أول من جمع شتات هذا العلم، كما ذكر غير واحد، وذكره الحافظ ابن حجر في النزهة: فأول من جمع شتات هذه العلوم هو الحافظ ابن الصلاح، عبدالرحمن الشهرزوري رحمه الله. فجمع هذا الكتاب الذي سمي: علوم الحديث. ثم سمي: المقدمة. بعض الناس يظن، أو بعض طلبة العلم يظن: أن هذا العلم أول من ألف فيه ابن الصلاح، لأن المقدمة، مقدمة العلم، تسمى بكتابه، لا، وليس كذلك. وإنما جمع شتات هذا العلم، كما قال الحافظ ابن حجر: جمع ما جاء عن الخطيب، وجمع ما كان عند العلماء المتقدمين، كأحمد، وغيره، وجمع ما عند ابن معين، وغيرها. فجمعها في كتاب واحد، وسماه: معرفة علوم الحديث. ولهذا تيسر بعد ذلك هذا العلم، ودار به الطلبة، وتناقلوه. وكان ابن الصلاح يلخص كلام العلماء، ثم يمليه على طلبته. ولهذا كما قال الحافظ ابن حجر: لما معنا بعضهم يقول: أن كتاب ابن الصلاح ليس مرتبا، يعني فيه عدم ترتيب، مثلا الآن تجد المرفوع، والموقوف في مكان، أو المقطوع، والموقوف تجده في مكان آخر، مع أنه الحق أنه يذكره معها. وهكذا بعض الأنواع يتعلق بعضها ببعض، فتجد أنها مختلفة. ليش هذا؟ لأن ابن الصلاح، قال الحافظ ابن حجر، كما في النكت على ابن الصلاح: أن ابن الصلاح كان يملي على الطلبة هذا العلم، هذه الأنواع. فكلما انتهى من نوع، أملاه على طلبته. وما لم ينته منه، أخره. فلهذا جاء الكتاب غير مرتب. لكن الناس اهتموا بهذا الكتاب، من شارح، ومن منتقد، ومن موضح، ومن مقيد، ومن مختصر، ومن مهذب، ومن ناظم. فانتشرت الكتب بعد ذلك، حتى جاء الحافظ ابن حجر رحمه الله. وكان له باع طويل في هذا العلم، أن الحافظ ابن حجر تألق في هذا العلم، يكاد يكون معناه هو فارس هذا العلم، علم المصطلح. والناس بعده، أي بعد الحافظ، عيال عليه. كل من ألف بعد الحافظ، اعتمد على الحافظ في تأليفه. حتى تلاميذه الكبار، كالسخاوي في شرحه في ألفية العراقي، لما شرح ألفية العراقي، أكثر اعتماده اعتمد على كلام الحافظ. ابن حجر. السيوطي كذلك في تدريب الراوي، أكثر كلامه ينقله من كلام الحافظ ابن حجر. فلهذا تأثر الناس بالحافظ. ولأنه أيضا غاص في هذا العلم، فألف أولا: النخبة، ألف نخبة الفكر. وهذه النخبة رتبها ترتيبا عجيبا، معناه سهل على كل من أراد أن يحفظها. وأيضا ترتيبها ترتيب، كان كما قال هو: مخترع. لكنه ترتيب طيب. وإذا انتبه الإنسان لترتيبه، فسيحفظ هذه، أو هذا الكتاب. فألف النخبة: نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر. ثم طلب منه أن يشرحها، فشرحها في: نزهة النظر. وإلا جاء من بعده من شرح النزهة، وجاء من بعده من شرح النخبة. ومن نظمها، ومن أعظم نظمها: قصب السكر للإمام الصنعاني، نظم نخبة الفكر. وكذلك أيضا جاءت شروح، واختصارات، وجاءت أشياء بعد الحافظ ابن حجر رحمه الله. فلهذا فواضع علم المصطلح، من باب التأليف، كما قلنا: أبو محمد الرامهرمزي. ثم ما ذكرناه من الانتشار عند العلماء في هذا العلم. فهذا واضع العلم. ثم قال: وواضع هو الاسم، يسمى مصطلح الحديث. بعض العلماء يقول: إن مصطلح الحديث هذا ليس اسما صحيحا. وإنما يسمى: أصول الحديث. ولهذا ألف بعض العلماء، كعز الدين الحمصي، وغيره، فسموه: أصول الحديث. لكن اشتهر عند العلماء أنه مصطلح، مصطلح الحديث. فهذا اشتهار. والناس خلاص، حتى إذا قيل: المصطلح، فلا يذهب الذهن إلا إلى مصطلح الحديث. يعني إذا قيل: المصطلح، فما يذهب الذهن إلا إلى مصطلح الحديث. فعرف الناس أن هذا هو مصطلح الحديث. ثم أيضا قال بعد ذلك: والاسم، وما يستمد معنا، من أين يستمد هذا العلم؟ هذا العلم مستمد من الكتاب والسنة. مستمد من الكتاب والسنة. مثل: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «نضر الله امرأ سمع منا حديثا، فأداه كما سمع». فهذه القواعد لأجل أن تضبط هذا الحديث، حتى يعرف من الذي أدى الحديث صحيحا، ومن الذي لم يؤده صحيحا. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «تسمعون مني، ويسمعون منكم، ثم يسمعون من من سمع منكم، وهكذا». فالناس يتناقلون، وهذا الذي يسمى الإسناد. وهذا الذي يسميه العلماء الإسناد: طبقة عن طبقة، وهكذا. فهذا العلم هو مستمد من علم الكتاب والسنة. ما أخذ أدلته من الكتاب والسنة. وهو حفظ هذا العلم، حتى يعرف صحة هذا الحديث. وأيضا من الأحاديث التي استدل بها على الاستمداد: ما جاء في الصحيحين، وفي الحديث المتواتر عن النبي عليه الصلاة والسلام. حتى قال بعض العلماء: «رواه أكثر من سبعين صحابيا». بل ذكر ابن