كتاب الحدود 4

الدرس في كتاب الحدود 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حد المحارب وقطاع الطريق وتطبيق العقوبات

المحارب هو من يقطع الطريق على الناس، وحدّه يختلف باختلاف أفعاله، وقد ذكر الله أربعة أنواع من العقوبات للمحاربين. إذا تاب المحارب قبل القدرة عليه سقط عنه الحد.

أحكام قتل الكفار والمرتدين والسحرة والكهنة وتفاصيلها

يناقش أحكام قتل بعض الفئات كالكفار والمرتدين والسحرة والكهنة، مستندًا إلى أقوال العلماء والأحاديث النبوية. يُفصّل الكلام حول شروط قتل المرتد واستتابته، واختلاف العلماء في قتل الساحر.

حكم سب الله ورسوله ودين الإسلام والعقوبة المترتبة

يتناول حكم سب الله ورسوله ودين الإسلام، ويوضح أن هذا الفعل يعتبر كفرًا بالإجماع، ويستحق صاحبه القتل، مع اختلاف في استتابته قبل القتل. كما يفرق بين سب الله وسب النبي.

عقوبة الزاني والقاتل في الشريعة الإسلامية

الزاني واللوطي والقاتل يقتلون بالقصاص، وهذا الحكم مبني على الشريعة الإسلامية. سيتم تفصيل ذلك لاحقًا إن شاء الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه بعد. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: باب حد المحارب. المحارب المراد به قاطع الطريق الذي يقطع الطريق على الناس، يسمى محاربًا؛ لأن الله عز وجل سماه كذلك، ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا﴾، فسماه الله عز وجل محاربًا؛ لأنه يحاربون الله، فلهذا قال الفقهاء: حد المحارب. قال: وهو أحد الأنواع المذكورة في القرآن: القتل، أو الصلب، أو قطع اليد والرجل من خلاف، أو النفي من الأرض. يفعل الإمام منها ما رأى فيه صلاحًا. لكل من قطع طريقًا، ولو في المصر، إذا كان قد سعى في الأرض فسادًا. فإن تاب قبل القدرة عليه سقط عنه ذلك. فهذه المسألة مسألة المحارب، وهو الذي يقطع الطريق على الناس. فذكر الله عز وجل: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض﴾، ذلك لهم خزي في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم، إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم، فاعلموا أن الله غفور رحيم. فهذا الحد إذا قدر على المحارب، إذا قبض عليه الحاكم، ماذا يفعل به؟ فحصل خلاف بين العلماء في هذه المسألة؛ لأن الله عز وجل ذكر العقوبات، وخير فيها: أن يقتلوا، أو يصلبوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. جاء عن ابن عباس أنه كان يقول: من قتل يقتل، ومن قطع يقطع، ومن سعى بالفساد -معنى ضايق الناس- ضايق الناس، فهذا قال: يصلب ويقتل. وذكر مثل هذا التفصيل، فقال: إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالًا نفوا من الأرض. هكذا جاء عن ابن عباس. لكن هذا الذي ذكره الشافعي لا يصح؛ لأنه من طريق إبراهيم بن أبي يحيى، وهو متروك، بل كذبه جماعة من العلماء. واختلفوا أيضًا في سبب نزول الآية، جاء عن ابن عباس أنها نزلت في المشركين، لكنه لا يصح. وجاء كذلك أنها نزلت في العرانيين، وإسناده لا بأس به، إلا أنه ثلث لعلي بن حسين بن واقد، فمن العلماء من يضعفه، ومنهم من يحسن حديثه. الشيخ الألباني رحمه الله عليه حسن حديثه، فلهذا أخذ أكثر العلماء من أصحاب المذاهب بكلام ابن عباس على هذا التفصيل، وهو لا يصح عن ابن عباس. لكن أخذه العلماء على أن من قتل وأخذ المال فإنه يقتل ويصلب، ومن قتل ولم يأخذ مالًا فإنه يقتل ولا يصلب، ومن أخذ المال ولم يقتل تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. معنى من خلاف: أن تقطع اليد اليمنى وتقطع الرجل اليسرى. من خلاف معنى يخالف في اليمين واليسار، فتقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، هذا يعتبر تقطيع من خلاف. وإذا أخاف السبيل ولم يأخذوا مالًا ولم يقتلوا نفوا من الأرض. أي يقبض عليهم ويحولون إلى أرض بعيدة حتى يؤمن فسادهم. وأخذ جماعة من أهل العلم بما ذكره هنا الإمام الشوكاني رحمه الله. وجاء عن بعض السلف كالحسن وابن المسيب ومجاهد، وهي رواية أيضًا عن أحمد، على أن هذا يرجع إلى الحاكم يرجع إلى الحاكم في المصلحة في ذلك. الرأى المصلحة أنه يقتله ولو لم يقتل، لكن لكثرة فساده وأخذ أموال الناس وتخويفهم. أن بعض قطاع الطرق تجد أنه يخوف الناس كثيرًا، حتى أن الشخص يمر في ذلك المكان وهو خائف جدًا، فالبعض قد يمرض، والبعض قد يموت من كثرة الخوف بسبب ذعر هؤلاء أهل الفساد وقطاع الطرق. فلهذا إذا رأى الإمام أن شرهم زاد وأذاهم -معنى زاد على الناس- فلا بأس أنه يقتلهم. ولكن كما قلنا أكثر العلماء على هذا التفصيل، وإن كان كما قلنا ليس صحيحًا عن ابن عباس. لكان يجمع بعض السلف، وكذلك مشى عليه العلماء أن من قتل يقتل، ومن قتل وأخذ المال يقتل ويصلب، ومن لم يقتل وأخذ المال فإنه لا يقتل ولا يصلب، لكن تقطع أيديهم ورجلهم من خلاف. وإن لم يفعل شيئًا من ذلك وأخاف السبيل فإنه ينفى من الأرض. فإذا تاب قبل أن يقدر عليه -معنى إذا تاب قبل أن يقدر عليه- فإنه ليس عليه شيء -معنى لا يقام عليه شيء-. لكن إذا قتل أو أخذ أموال الناس، فهل يترك؟ هذا خلاف بين أهل العلم. وصحيح أنه إذا فعل شيئًا من هذه الأمور -أنه قتل أو أخذ أموال الناس أو حصل منه شيء من الإيذاء بالضرب وكذا- فإن الإمام يعاقبه ولو تاب؛ لأن هذا حق للناس، أقول: للناس لابد أن يوفى. فإن كان مثلًا قد قتل لابد من القصاص؛ لأنه قتل متعمدًا. وإن كان مثلًا قد آذى الناس وسرق أموالهم أو أخذ أموالهم فإنه تقطع يده. وظاهر كلام الإمام الشوكاني أنه ولو حصل منه شيء، وهذا ليس صحيحًا. وإنما يقام الحد إذا لم يفعل شيئًا من هذه الأمور، لم يقتل ولم يأخذ مالًا، ولم يأخذ أيضًا إذا كان ما حصل شيء منه من القتل وأخذ الأموال، فإنه لا يقام عليه شيء من الحدود. قال: باب من يستحق القتل حدًا. قال: هو الحربي والمرتد والساحر والكهل والساب لله أو لرسوله أو للإسلام أو للكتاب أو للسنة، والطاعن في الدين والزنديق بعد استتابته، والزاني المحصن، واللوطي مطلقًا، والمحارب. هذا باب ذكره الإمام الشوكاني، باب من يستحق القتل حدًا. وبعضهم يسميه باب الردة. هذا أكثر في كتب الفقهاء يسمونه باب الردة، ولكنه هل يقتل حدًا أو كفرًا؟ فغالب هؤلاء الذين ذكره المؤلف فإنهم يقتلون كفرًا. أنا حدّ الكفر وهو الارتداد عن دين الله، حدّ الردة. فلهذا فتسميته بالردة أو لا. لكن لما ذكر الزاني المحصن واللوطي فذكر هنا من يستحق القتل حدًا. وإلا فهذا باب الردة. وأما الزاني المحصن واللوطي فقد ذكرهما في حدّ الزاني. فأما الحربي: الحربي هو الذي يقاتل المسلمين أو يقتل المسلمين، هذا يسمى حربي. معنى بينه وبين المسلمين عداء وحرب، فهذا يسمى حربي. فإن كان بينه وبين المسلمين معاهدة أو أمان فهذا لا يسمى حربي. فإن كان بينه وبين المسلمين بعض المسلمين معاهدة وبينه وبين بعض المسلمين حرب، فهل يسمى حربي أو يسمى معاهد؟ فبعض العلماء يقول: أنه لا يصلح أن يكون يقتل في المسلمين، ويقال: أنه حربي أو يقال: أنه معاهد. لكن الذي جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا حصل في الحديبية. ففي الحديبية صالحهم النبي عليه الصلاة والسلام وعاهدهم على عدم المحاربة، لكن من خرج عن هذا العهد لم ينكر عليه النبي عليه الصلاة والسلام، مثل أبي بصير وأبي جندل وغيرهم ممن لحق بالساحل. النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليهم قتل أهل قريش؛ لأنهم أصلا في صلحهم أن من جاءه من قريش ردوه. وقد ردهم النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هربوا منهم مرة أخرى، سواء كان أبو جندل أو أبو بصير. أبو بصير هرب منهم ورجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ولما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كأن الرجل لقي خوفًا»، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ويل أمه مسعر حرب لو أن له أحدًا»، معنى أحد ينصره. فعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ما سيقبله. فأخذه المشركون -معنى الذين جاءوا في طلبه- فأعطاهم إياهم النبي صلى الله عليه وسلم، لكن في الطبع قتل أحدهم والآخر فر. فبعد ذلك أبو بصير جلس في الساحل، وجلس عنده جاءه أبو جندل ابن سهيل ابن عمر، وكل من كان من خرج من المستضعفين يلحق بأبي بصير حتى كونوا جماعة. فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم قتل بعض قريش. فقال بعض العلماء: قد يكون الكافر حربيًا لأناس من المسلمين، ومعاهدًا لأناس من المسلمين. قال: هو الحربي. والحربي كما قلنا المقاتل. هذا لا شك أنه يقتل. ﴿حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد﴾. وقال الله عز وجل: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾. إما أنهم يعطوا الجزية، وإما أن يقتلهم أهل الإسلام، فلا خيار لهم حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. قال: والمرتد. المرتد هو من كفر بعد إيمانه، بدل دينه من بدل دينه. «فاقتلوا»، ما جاء في البخاري في حديث ابن عباس، وأيضًا في حديث عبد الله بن مسعود: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الزاني المحصن، والنفس بالنفس، والتارك لديني المفارق للجماعة». التارك لدينه هو المرتد. وأيضًا في الصحيحين حديث أبي موسى: لما جاء معاذ وجد رجلًا قد ارتد، فقال: «لا أجلس حتى يقتل»، قضاء الله ورسوله. فالمرتد هل له توبة؟ الصحيح أن له توبة، وأنه يستتاب. الذي عليه أكثر العلماء أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. قتل كفرًا أو ليس حدًا؟ قتل كفرًا. معنى بعض العلماء يفرق بين القتل كفرًا والقتل حدًا. في القتل حدًا يكون للمسلمين، يسمونه قتل حدًا إذا كان للمسلمين -معنى مثلًا تارك الصلاة عند الشافعي- فإنهم يقولون: أنه يقتل حدًا؛ لأنه يرونه أنه لا زال في دائرة الإسلام. أيضًا كذلك الزاني المحصن، واللوطي، وغيرهم من هؤلاء الذين هم من أهل الإسلام، لكن عليهم حد القتل. فهؤلاء قتلهم يكون حدًا. يكونوا حدًا. وأما إن كان قد ارتد عن الإسلام، فهذا حده يكون كفرًا. مثل هؤلاء الذين ذكرهم المؤلف. قال: والساحر. الساحر بعض العلماء يقول: أنه يقتل ولا يستتاب، وهذا قول مالك، وأيضًا قول أحمد. واستدلوا بأن الصحابة رضي الله عنهم قتلوا السحرة. جاء عن جماعة من السلف، جاء عن عمر أنه قال: «كتب إلى بعض عمالي أن يقتلوا كل ساحر مساحرة». وجاء عن حفصة أنها أمرت بقتل امرأة سحرتها. وجاء كذلك عن جندب الخير. وقيل: أنه ليس جندب بن سمرة، وإنما رجل من الصحابة يقال له: جندب الخير. فهذا جندب قتل الساحر. وقصته صحيحة: أن جاءت بن طلق أنه في عهد الوليد بن عبد الملك جاء إلى أناس يعملون السحر، كان ينظرون إلى رجل ساحر يدخل البقرة من فمها ويخرج من دبرها. فانتظره حتى دخل، فجاء بسيفه وقصم البقرة نصفين، وقال: «تأتون السحرة وأنتم تبصرون؟» فقتل هذا الساحر. فسجنه الوليد بن عبد الملك؛ لأنه قتل ساحرة. فرأى هذا السجان عبادة جندب وحسن معاملته، فقال: «إن كان هذا شر الناس، فالناس في خير». أنه إذا كان هذا الرجل يسجن، فالناس على خير. ثم إن الوليد بن عبد الملك حس بذنبه وأخرجه من السجن. والمهم أن الإمام أحمد رحمه الله كان يقول: «قتل الساحر جاء عن ثلاثة من الصحابة». من هم الثلاثة من الصحابة؟ حفصة، وعمر، وأبو هريرة. عمر الخطاب؛ لأنه أمر أن يقتل كل ساحر وساحرة. ولهذا عده الإمام أحمد إجماعًا من الصحابة، ولم يأت من يخالف. وجاء عن بعض الأئمة كقول الشافعي رحمه الله: أنه يقول: لا يقتل الساحر إلا إذا عمل في سحره ما يبلغ الكفر؛ لأن عند الشافعي يفرق بين السحر الكفر والسحر غير الكفر. فيقول: إن كان سحرًا بواسطة الشياطين والاستغاثة بهم، فهذا كفر. وإن كان سحرًا بواسطة العقاقير والأدوية والعلاجات، فهذا يعتبر فاسقًا. وعند أحمد لا فرق، وهو الظاهر أيضًا قول مالك: أنه لا فرق بين أن يفعل ذلك بواسطة الشياطين أو بواسطة العقاقير؛ لأن غالب ما ذكره الأئمة، ومن عرف مسألة السحرة: أنهم يستعينون بالشياطين، حتى ولو في العقاقير. لهذا تجد أنه حينًا يعطى الشخص السحر في مشروب فيشرب، فيتلبسه الجن، فتجد أنه يستعين بالجن حتى في المشروبات أو العلق -مثلًا- يأكل شيئًا فيه السحر فيأكله فيسحر، فتجد أن الشياطين أيضًا تتلبسه. فلهذا فالسحر يستعين بالشياطين حتى في مسألة العقاقير التي يفعلها للسحر. كذلك العقد والنفث وغيرها من ما يفعله السحرة. قال: والكاهن. أما الكاهن فهو مثل الساحر أيضًا يقتل. وهل يستتاب الساحر أو الكاهن؟ فكثير من العلماء، خاصة أحمد، يرى أنهم لا يستتابون؛ لأنه لا حيلة في توبته. غالب الساحر صعب يتوب، إلا أن يشاء الله؛ لأن الشياطين سيطر عليه، فتجد ما يستطيع أن يخرج من هؤلاء الشياطين إلا من قويت نفسه، وقويت نفسه وأيضًا صبر على أذى الشياطين له؛ لأنهم يؤذونه إذا تاب، يؤذونه الشياطين حتى إذا رأوا أنه قد تسلح بقوة فتركوا. وأيضًا أما الكاهن فقد جاء في حديث أبي هريرة: «من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول لم تقبل منه الصلاة أربعين يومًا». وعما قوله: «فقد كفر بما أنزل على محمد». فهذا ليس في مسلم. هنا الإمام الشوكاني نسبه إلى مسلم، وهو خطأ. بل هذا الحديث مختلف فيه؛ لأنه جاء من طريق عمر بن نبي -عمر- عن عكرمة، كذا، وهو مضطرب في الرواية. فبعض العلماء ضعفه، والشيخ الألباني يحسنه. لكن الكاهن يعتبر يستغيث بالجن والشياطين، يستعمله، وهذا كفر بالله. قال أيضًا: الساب لله ولرسوله أو للإسلام أو للكتاب والسنة، أو الطاعن في الدين. فكل هذه الأفعال موجب للكفر الصريح. وهذا لا خلاف بين المسلمين في هذا. من سب الله أو سب رسوله أو سب دين الله، فهذا يكفر بإجماع العلماء. لا خلاف في هذا أبدًا. وبعض طلبة العلم يظن أن في هذه المسألة خلاف. وبعضهم يستدل بكلام الشيخ الألباني. الشيخ الألباني ما أراد أنه يأتي بحق. لما قيل له: أن بعض الجند يسب الدين وكذا، فقال: «هؤلاء يحتاجوا أن يؤدبوا». الشيخ الألباني ليس قصده أنهم ليسوا كفارًا، وإنما بعض الناس تجد أنه فيه جهل عظيم بدين الله، لو أدب لا أدرك هذا ولا أحس بهذا. لكن ليس هنا خلاف بين المسلمين أن من طعن في دين الإسلام يعتبر كافرًا. بل حتى لو طعن به من باب الإشارة، وليس من باب التصريح. أي حتى لو طعن في النبي صلى الله عليه وسلم أو في الإسلام أو في الرب جل وعلا، فإنه أيضًا يكفر ولو لم يصرح. أي حتى بالإشارة. مثل ما حصل في أحد الشيخ محمود شاكر -والد الشيخ أحمد شاكر- في زمن الفاروق فاروق ملك مصر. فلما دخل الفاروق فأراد الخطيب أن يمدحه -أن يمدح هذا الملك- فقال في خطبته: «وهذا الإمام وكذا»، كان يثني عليه، قال: «ولما جاءه الأعمى لم يعبس ولم يتولى». قال: هكذا، «ولما جاءه الأعمى» -يريد بالأعمى طه حسين- لما كان عُفي به، «ولما جاءه الأعمى لم يعبس ولم يتولى». هذا فيه تعريض بالنبي عليه الصلاة والسلام. فلما انتهى من الصلاة قام الشيخ محمود شاكر رحمه الله عليه، قال: «يا أيها الناس أعيدوا صلاتكم، فإن إمامكم قد عرض بالنبي صلى الله عليه وسلم». وهذا كفر عند العلماء. وهو الرجل يعرف هذا. فأعاد الناس صلاتهم، وصلى بهم وأعاد الناس صلاتهم؛ لأنهم يرون أن هذا الكلام صحيح، هذا الرجل عرض بالنبي عليه الصلاة والسلام. والتعريض بالنبي صلى الله عليه وسلم -بإجماع العلماء- أنه يعتبر كفرًا. الذي يعرض بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذنبه وعيبه يعتبر أيضًا كفرًا بالله. فالمهم أن مثل هذه الأشياء يكفر صاحبها. لكن هل يستتاب؟ فمن العلماء من قال: يستتاب. يعني لا يقتل إلا حتى يستتاب. فعله فعل ذلك عن مثلًا عن غير شعور أو كذا أو شيء اعتاده ثم تاب منه. لكن لم يتوب من السب -معنى- بعضهم تجد قد تعود السب، ثم يتوب إلى الله، فيأتي شيء موقف كذا يغضب فيسب بدون أن يشعر؛ لأنه تعود لهذا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال: واللات والعزة فليقل: لا إله إلا الله». لكن شيخ الإسلام ابن تيم رحمه الله فرق بين سب الله ودينه وبين سب النبي عليه الصلاة والسلام. من ناحية أنه ولو تاب -معنى- يقول: أنها تقبل توبته. لكن إذا كان يسب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «يقام عليه الحد»، يقام عليه الحد -حد القتل- في سب النبي عليه الصلاة والسلام. لماذا؟ قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم له حق. أما في حق الله عز وجل فربنا جل وعلا غفر حقه على المشاحة، فمن تاب تاب الله عز وجل عليه. لكن هنا حق النبي عليه الصلاة والسلام، فلابد أن يقام عليه الحد. واستدل ببعض الأحاديث التي جاءت من ذلك. تلك المرأة التي كانت تسب النبي عليه الصلاة والسلام، كانت كان رجل أعمى عنده جارية، فكانت تسب النبي عليه الصلاة والسلام، وهو يحذرها من ذلك. ففي ذات مرة كانت تُسْمع -معنى من اليهود- معنى من النصارى أو اليهود من نصارى الظاهر، فكانت عنده -أما عند هذا الأعمى- فذات مرة سبت النبي صلى الله عليه وسلم، فخنقها حتى قتلها. فوجدت مرمية هذه المرأة، فخطب الناس النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «من قتل هذه المرأة فليقل». فقام هذا الأعمى وقال: «أنا قتلتها يا رسول الله». قال: «ولما قتلتها؟» قال: «إنها تسبك يا رسول الله، وقد حذرتها ولم تنته». ففي تلك الليلة -معنى أنها معنى تمادت في السب- قال: «فخنقتها حتى ماتت». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فدمها هدر». أو «هدر النبي صلى الله عليه وسلم دمها» -معنى ما قتل ولا عاقب الأعمى-. قال: وطاعن في الدين، والزنديق. الزنديق: الزنديق هو عند الفقهاء الذي أظهر النفاق، الذي يظهر نفاقه. المنافق الذي يظهر نفاقه. واستعمل الزنديق أيضًا في كل من غلا في شيء من البدع وغيره. فلكن الفقهاء يستعملون ذلك في الذي يرتد عن دينه أو الذي يظهر كفره. المنافق الذي يظهر كفره؛ لأن المنافق الذي لا يظهر كفره يكون مع المسلمين، وحكم حكم المسلمين. لكن إذا أظهر كفره صار زنديقًا مرتدًا. واختلفوا أيضًا في قبول توبته بعد أن يقتل. اختلفوا في قبول توبته. والصحيح أنها تقبل توبته. وفي قبول توبته هو الذي جاءت به النصوص. وإن كان لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. لكن في النصوص العامة في قبول توبة الله عز وجل للمشركين، كذلك لذين حرقوا أهل الإسلام -من الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا- فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق. فهؤلاء فعلوا أكثر من فعل الزنديق: قتلوا وحرقوا أهل الإسلام، ودعاهم الله عز وجل إلى التوبة. فلهذا فالتوبة تقبل من كل أحد. لكن هل يستتاب؟ يقال له: «تب وإلا قتلناه»، فلا بأس بذلك. وأكثر العلماء على أنه يستتاب. وجاء عن عمر: والذي أخذ فيه الفقهاء أنه يحبس ثلاثة أيام؛ لأن عمر قال: «هل لا حبستموه ثلاثًا وأطعمتموه كل يوم رغيفًا واستثبتم واستثبتموه». معنى يأمرهم عمر أن يستتيبوه لعله يتوب ويراجع. وهذا الأثر بعض العلماء ضعفه؛ لأن فيه رجل يقال له: محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد القارئ، وهو مجهول. ولكن جاء من طرق ما يشهد لهذا الأثر. وأخذ به أكثر العلماء على أنه يحبس ويستتاب. قالوا: أما الزاني المحصن واللوطي والمحارب، وقد تقدم الكلام فيهم: أن هؤلاء أيضًا من يقتلون حدًا. الزاني واللوطي، وكذلك أيضًا الذي قتل مسلمًا يقتل بالقصاص كما سيأتي إن شاء الله. والله أعلم.