الدرس في كتاب القصاص 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش أحكام القصاص في القتل بين مختلف الفئات مثل الرجل والمرأة، والعبد والحر، والمسلم والكافر. يُظهر أن هناك إجماعًا على بعض الأحكام وخلافًا في أحكام أخرى.
يتناول أحكام القصاص في حالات خاصة مثل قتل المسلم للكافر، وقتل الوالد لولده، والقصاص في الأعضاء والجروح. يُبرز آراء مختلف العلماء والمذاهب حول هذه القضايا.
يتناول تفاصيل تطبيق القصاص في الجروح والعضو، مشيرا إلى أن القصاص لا يكون في الأمور المجوفة. يُشدد على التطبيق الدقيق للقصاص دون زيادة أو نقصان.
يحدد شروط تطبيق القصاص من الجارح، حيث لا يجوز القصاص حتى يبرأ الجرح ويتأكد من عدم وجود مضاعفات. يُوضح أهمية التأكد من سلامة الجاني قبل الاقتصاص.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال الإمام الشوكاني رحمه الله: تقتل المرأة بالرجل والعكس، والعبد بالحر والكافر بالمسلم، والفرع بالأصل والعكس. فأقول: من القصاص في القتل أنه يقتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل. وجاء في كتاب عمر بن حزم الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: أن الذكر يقتل بالأنثى. وأما قول الله عز وجل: ﴿الذَّكَرُ بِالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، فهذا ليس فيه دليل على أن الذكر لا يقتل بالأنثى. وآية المائدة يقول الله عز وجل: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، فلهذا لم يفرق الله عز وجل بين الذكر والأنثى. وهذا قال جمهور العلم: على أن الرجل أو المرأة تقتل بالرجل، لعموم هذه الآية. الآية كذلك الأحاديث التي جاءت، وكتاب عمر بن حزم هذا كتاب مشهور، كما قال الإمام ابن عبد البر: كتاب مشهور يستغني بشهرته عن الإسناد. وقتل النبي عليه الصلاة والسلام اليهودي الذي قتل الجارية، أن قتلها ورض رأسها بين حجرين. فلاذ فيقتل الرجل إذا قتل المرأة، وتقتل المرأة إذا قتلت الرجل. وأما الدية فشيء آخر، سيأتي إن شاء الله وتعالى: أن دية المرأة نصف دية الرجل. أما القتل فإذا قتلت المرأة الرجل متعمدة فإنها تقتل، كذلك العكس. قال: والعبد بالحر، العبد إذا قتل حرا فإنه يقتل، وكذلك العكس. هذا بإجماع: أنه يقتل في هذه الصور التي ذكرها المؤلف، عكسها لا خلاف فيه: أن قتل العبد بالحر والكافر بالمسلم والفرع بالأصل. أن العبد إذا قتل أباه فإنه يقتل. لكن الخلاف حصل في العكس، إذا قتل الحر العبد هل يقتل الحر بالعبد؟ فهذه مسألة خلاف بينها العلماء. فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يقتل، إذا قتل الحر عبدا فإنه يقتل به، قول الله عز وجل: ﴿النَّفْسُ بِالنَّفْسِ﴾. وأما قوله جل وعلا: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، فهذا المراد به كما ذكرنا: أنه كل من قتل جنسه يقتل. لكن آية المائدة دلت على أن كل نفس تقتل مثلها، نفس كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة». فلهذا أكثر العلماء قالوا: أنه يقتل، أو أن الحر لا يقتل بالعبد. واستدل ببعض الأحاديث التي ليست صحيحة، واستدل أيضا بعضهم كما قلنا بالآية: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾، لكن كما قلنا هذا الاستدلال فيه إشكال، لأن الله عز وجل هنا لم يذكر أن الحر لا يقتل بالعبد، وإنما ذكر أن الحر بالحر والعبد بالعبد، أي يقتل بجنسه. لكن الذين يقولون: أنه يقتل، إنما إذا كان هذا العبد لغيره، إذا كان هذا العبد لغيره. أما إذا قتل مملوكه فإنهم اتفق العلماء على أنه لا يقتل، لا يقتل العبد أو لا يقتل السيد بعبده. وجاء خلاف يسير عن بعض التابعين كالنخع وغيره، وإلا فاتفاق العلماء على أنه لو قتل عبده لا يقتل به. لكن لا شك أنه يعاقب، ليس معنا أنه لا يقتل أنه لا يعاقب. ومسألة جاءت فيها أحاديث، لكن أكثرها ضعيفة، سواء كان في هذا الباب أو هذا الباب. أن جاء عن عمر أنه قال: لا يقاد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقاد مملوك من مالكه، ولا ولد من والده»، لكنه أيضا لا يصح. لكن جاء عن علي بعضهم يقول: أنه صحيح عن علي، قال: «السنة لا يقتل الحر بعبد»، لكن صحيح أنه لا يصح أيضا. لكن كثرت هذه الآثار تدل على أو ذهب الجمهور إلى أنه لا يقتل الحر بالعبد. لكن الصحيح كما قلنا: أنه يقتل لعموم الآية. وكذلك أيضا إذا كان العبد عبده، فهنا لا يقتل؛ لأنه فيه شبهة. وأما المسلم بالكافر، فلما جاء في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقتل مسلم بكافر». وجاء كذلك في الصحيفة التي في حديث علي رضي الله عنه، وفيها: أنه لا يقتل مسلم بكافر، لا يقتل مسلم بكافر، كما عند أحمد والنسائي. فصح عن النبي عليه الصلاة والسلام: أن الكافر أن المسلم لا يقتل بكافر. كيف لا يقتل إذا قتل كافرا لا يقتل به؟ إلا أن مالك رحمه الله، وكذلك أيد هذا القول شيخ الإسلام: على أنه أما الكافر الحربي فهذا لا خلاف أنه لا يقتل به المسلم. لكن الخلاف وقع في الذمي أو المعاهد، هل إذا قتله المسلم يقتل؟ فجمهور العلماء على أنه لا يقتل بهذه الأحاديث. وذهب مالك وغيره على التفريق في القتل، إن كان قتله مواجهة وعدوان فهذا لا يقتل به، وإن كان قتله غيلة أنه خدعه أو اغتاله فهذا قالوا: يقتل به. وذهب أيضا إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه يقول إذا جاء مسلم وقتال كافر، أنه وهو مار سرقة هجم عليه وقتله أو مثلا خدعه ضيفه كذا ثم قتله، المهم إذا كان القتل فيه غيلة فيه خداع فكلام مالك وغيره، وقلنا أن شيخ الإسلام أيضا أيد ذلك على أنه يقتل هذا المسلم؛ لأن هذا فيه خفر للذمة. وأما مسألة قتل الأصل بالفرع، أن قتل العبد إذا قتل ابنه هل يقتل أو لا؟ أيضا جاءت المسألة فيها حديث: فيها حديث «لا يقتل الوالد بالولد»، هو حديث عمر، لكنه لا يصح. ومنهم من حسنه، والذي والصحيح فيه أنه مرسل، هذا الذي رجحه هو الإمام الدارقطني: أن عمر بن شعيب رواه عن عمر، وعمر لم يدرك عمر، فلهذا لا يصح هذا الحديث. والمسألة اختلفوا فيها، هل يقتل الوالد إذا قتل ولده؟ عن الأب إذا قتل ولده هل يقتل؟ فما ذهب جماهير العلماء، بل بعض من يعتد بهم جماعة على أنه لا يقتل، لا يقتل الوالد ولده. وذهب بعض أهل الكوفة أنه يقتل. وذهب مالك أو الليث على التفريق، قالوا: إن كان قتله قتلة شنيعة فهذا يقتل به، وإن كان قتله قتلة ليست شنيعة فهذا لا يقتل، مثلا قتل شنيعة مثلا ذبح ابنه فهذا يقتل، أما إذا طعنه بسكين أو ضربه بسلاح فهذا لا يقتل عنده. وهذا التفريق أحتاج إلى دليل، هذا التفريق تفريق طيب لكن يحتاج إلى دليل يستدل به، ولا دليل معهم على ذلك. فلهذا فنبقى على الأصل: أن النفس بالنفس، أن النفس بالنفس. لهذا رجح الشيخ ابن عثيمين هذا القول على أنه يقتل الوالد ولو قتل ولده. لكن المعمول به عند القضاء وعند أصحاب المذاهب: أن الوالد لا يقتل بولده. قال رحمه الله: ويثبت القصاص في الأعضاء ونحوها والجروح مع الإمكان، ويسقط بإبراء أحد الطرفين. طيب الآن مسألة القصاص والأعضاء، لقول الله عز وجل: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، هذا الأصل. وإن كانت الآية حكاية عن بني إسرائيل، فقد جاء تقريرها عن النبي عليه الصلاة والسلام، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام لأنس بن النضر لما كسرت الربيع بنت النضر كسرت ثنية جارية، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص. فقال أنس بن النضر رضي الله عنه، وهو عم أنس بن مالك: والله لا تقطع يا رسول الله سن الربيع. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أنس، القصاص كتاب الله»، القصاص كتاب الله. قال: أو في كتاب الله القصاص. ثم إن أهل هذه الجارية عفوا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره»، أنا أنس بن النضر أقسم، قال: والله لا تقطع أو لا تكسر سن الربيع، فوفى الله عز وجل بيمينه. فلهذا فالأعضاء تقطع، وأيضا الجروح تقطع مع الإمكان. وذكرنا بالعكس الفرق بين قصاص الأعضاء بين قطع العضو وبين قطع الحاسن. والقصاص في الأعضاء مثل مثلا يدين، العين، الأنف، وغيرها من هذه الأشياء خاصة إذا كان استطاع القصاص. وأما القصاص مثلا في الأماكن الخطيرة، فقد ذهب أكثر العلماء على أنه لا قصاص فيها، مثلا في الرأس يقولون: أنه لا قصاص في الرأس، وكذلك أيضا في أماكن القلب مثلا. وكان القلب هذا في الجروح معنا: إذا جرح الإنسان. لهذا قال المؤلف هنا: مع الإمكان. والقصاص في الجروح مع الإمكان، أن إذا أمكن أن يجرح. لأن الجرح غالبا ما يقدر فالجروح فلهذا كانت الجروح في الرأس فيها الديات، أن الجروح في الرأس فيها الديات ليس فيها قصاص. وكذلك أيضا يقول العلماء: أن القصاص ما يكون إلا في عضو ينتهي إلى عضو، أن هذا الجرح ينتهي إلى عضو. أما إذا كان لا ينتهي إلى عضو، ومثلا مثل الأمور المجوفة فهذا لا يكون فيها قصاص، مثل البطن، الصدر، هذه أمور مجوفة ما تنتهي إلى عضو. فإذا كانت لا تنتهي إلى عضو قالوا: ما يكون فيها القصاص؛ لأن قد مثلا يغور القصاص، مثلا إنسان طعن إنسانا بسكين فأخرجت هذا السكين، وأراد أن يقتص فهل يقتص بأنه يطعن هذا الطعن هذا في البطن؟ ممكن أنه يطعن إلى داخل ويقتله، يعني ما يستطيع أنه يدخل السكين مثلا في المكان الذي أدخلها فيه. لكن يقول الشيخ ابن عثيمين: أن الأصل هو القصاص، الأصل في هذه الأمور القصاص. فإن استطيع أن يقتص مثلا الآن بالطبيب تقدم، فإن استطيع مثلا أن يقتص بنفس الجرح فلا بأس بذلك، حتى مثلا في الطعن مثلا لو استطيع أن يطعن بنفس الجرح. لكن مثل هذه الأشياء حتى لو كان مثلا تقدر، فمثلا الطعن مثلا شدة الطعن وخفته له أيضا أثر في الجرح، له أثر في الجرح. فلهذا الأولى كما قال العلماء: أننا نلتزم بهذا الأماكن الخطيرة التي لا تنتهي إلى عظم، فإنه لا يقتص فيها، لا يقتص فيها. وأما الأماكن التي تنتهي بعظم هذا يقتص، مثل الجروح التي تكون في اليدين التي تكون في الرجلين، فهذا يقتص منها. أما الجروح التي تكون في الرأس في البطن في الصدر فهذه لا يقتص منها، إنما فيها الديات. لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في المأمومة الثلث، المأمومة هي التي يكون جرحها في الرأس. وسيأتي إن شاء الله وتعالى الكلام على الديات أو الجراحات في الديات. وهذا القصاص في الأعضاء يقتص العضو بالعضو، لكن اختلف في بعض المسائل، مثلا لو أن إنسانا فقأ عين آخر، فالآن يريد أن يقتص منه، هل يفقأ عينه وذاك الذي فقأ عينه أعور، أن عنده عين واحد فقط؟ فهل يقتص منه؟ فأكثر أهل العلم يقولون: لا ما يقتص منه، لماذا؟ لأنه إذا اقتص منه سيكون أعمى، أن سيكون أعمى، وهذا يكون أكثر من القصاص، هذا زيادة عن القصاص. كذلك أيضا إذا كان الرجل عنده مثلا قطع يد رجل آخر، لكنه هذا الرجل الذي قطع يد ذاك يده مشلولة، فما بقيت إلا له يد واحدة، فإن قطعها لم تبق له يد. بعض العلماء أيضا قالوا: إذا كان مثلا قطع يمينه، وهذا يمينه مشلولة، فهل تقطع هذه المشلولة؟ هل تقطع هذه المشلولة؟ قالوا: لا لا تقطع، لماذا؟ لأنه لأن هذه أصلا عضو ميت، أن عضو في الإنسان ميت، سواء قال قطعت أو بقيت. فهذا فما يكون فيها استيفاء في القصاص. وسيأتي أيضا معنا في الكلام على الاستيفاء أو شروط استيفاء القصاص. وأيضا القصاص لابد أن يكون متساويا. وقد ذهب جماعة من العلماء قد قرر أيضا شيخ الإسلام: أن القصاص لابد أن يكون مثله، ما يكون فيه زيادة أو يكون فيه مثلا شيء من الأمور التي يزيد فيها في القصاص، بل يكون مثله. وعيبا في مسألة الجروح لابد أن يقتص إذا برئ الجرح، أن متى يقتص؟ إذا برئ الجرح. وأما إذا كان الجرح مكانه لا يقتص، إذا كان الجرح مكانه لا يقتص؛ لأنه لا يدرأ إلى أين سيذهب أو غور هذا الجرح، وهل سيؤثر في الإنسان أو لا يؤثر. وقد جاءت قصة حصلت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام: أن رجلا طعن رجلا في فخذه، طعن رجلا في فخذه. فقال: جاء هذا المطعون، قال: يا رسول الله أقضني، أقضني، معنى اقتص، أريد أن اقتص من هذا الذي طعن في فخذه. فقال له: اذهب حتى يبرى جرحك. قال له النبي صلى الله عليه وسلم: اذهب حتى يبرى جرحك. فقال: لا يا رسول الله أقضني. فكلمه النبي صلى الله عليه وسلم على أنه يبقى حتى يبرى الجرح، ينظر إلى أين سيذهب هذا الجرح. قال: لا أقضني. فطعنه بقر، فقام أقام النبي صلى الله عليه وسلم القصاص عليه، فطعنه بهذا القر، فشلت بعد ذلك رجل هذا المطعون، أن شلت رجله صارت مشلولة. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يشتكي، فقال: وما أفعل بك إذ أمرت فعصيت، فأبعدك الله. أنا قد أمرتك أنك تبقى حتى يبرى جرحك، ما أبيت إلا أو ما أردت إلا أن يكون قصاص حصل قصاص، فالآن شلت رجلك. فلهذا قال العلماء: أنه لا يجوز أن يقاد حتى يبرأ الجرح، حتى يبرأ الجرح؛ لأن آثار الجرح ما يدرأ ما تعلم آثار الجرح في الرجل إلا إذا علمت من مثلا طبيب متخصص في مثل هذه الأمور، ويعرف أن الجرح لم يؤثر على العظام أو لم يؤثر على الأنسجة أو غيرها، فهذا لا بأس أنه يقتص.