الدرس في كتاب الصلاة 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل أحاديث نبوية تتعلق بأوقات الصلاة وتأخيرها وتعجيلها، مثل تأخير صلاة الظهر في شدة الحر وتعجيل صلاة المغرب وتأخير صلاة العشاء. يُستدل بالأحاديث على أن وقت صلاة الظهر يمكن تأخيره عند اشتداد الحر، بينما يُستحب تعجيل صلاة المغرب في أول وقتها وتأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل الأول إذا لم يكن هناك مشقة.
يتناول هذا الفصل أوقات النهي عن الصلاة، وهي بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغيب الشمس، وأثناء طلوع الشمس، وعند قيام قائم الظهيرة، مع استثناء بعض الحالات مثل الصلوات ذات الأسباب. يُستثنى من ذلك الصلوات ذات الأسباب مثل تحية المسجد وركعتي الوضوء، ويشرح آراء الفقهاء في هذه المسائل.
يتناول هذا الفصل أهمية الصلاة في أول وقتها وفضلها، مع بعض الاستثناءات مثل صلاة العشاء التي يستحب تأخيرها، والظهر في شدة الحر حيث يستحب الإبراد بها. يُوضح أن الصلاة في أول وقتها من أفضل الأعمال التي يحبها الله، مستندًا إلى أحاديث نبوية.
بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال المصنف: الحديث الحادي عشر بعد المئتين، وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أصبحوا بالصبح فإنه أعظم لأجوركم». الحديث الثاني عشر بعد المئتين، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم». متفق عليه. في هذا الحديث يا أمر النبي عليه الصلاة والسلام عند اشتداد الحر بالإبراد بالصلاة، وذلك أن شدة الحر من فيح جهنم، يعني من أثر جهنم، من أثر حرارتها وغليانها، فتنتج هذه الحرارة الشديدة. ومرة معنا في أحاديث التوقيت أن المستحب في صلاة الظهر أن تصلى في أول وقتها، لكن عند اشتداد الحر فيستحب الإبراد، يستحب الإبراد. والمراد بالإبراد بالصلاة أن تؤخر صلاة الظهر إلى آخر وقتها، أن تؤخر إلى آخر وقتها، فتصلى قبل العصر بنحو نصف ساعة. وقد جاء في البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام كان مع أصحابه في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن لصلاة الظهر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أبرد»، ثم أراد بعد ذلك أن يؤذن، فقال له: «أبرد»، ثم أراد أن يؤذن حتى رأى الصحابة فيء التلول، يعني ظل الهضاب، ظل الهضاب الصغير، وهذا لا يكون إلا في آخر وقت الظهر، قال: «قم الآن فأذن». فبين النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث أن الإبراد يكون بتأخير وقت الصلاة حتى تنكسر حرارة الشمس، فهذا مستحب عند شدة الحرارة أن تؤخر الصلاة إلى آخر وقتها. وهذا الحكم يعني عام، يشمل من يصلي في المسجد ومن يصلي كذلك في البيت، لا بس أن يؤخر الصلاة وأن يبرد بها عند شداد الحر، لأن الأحاديث عامة: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة»، فيشمل من يصلي في المسجد ومن يصلي في البيت لعذر كالمريض أو كذلك المرأة أو المسافر أو نحوهم. الحديث الثالث عشر بعد المائتين، عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: «كنا نصلي المغرب مع النبي صلى الله عليه وسلم، فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله». متفق عليه. هذا الحديث فيه استحباب التعجيل بصلاة المغرب، وأن المغرب تصلى في أول وقتها، تصلى في أول وقتها إذا غربت الشمس وسقط قرص الشمس في الأفق وأقبل الليل، هنا قد دخل وقت المغرب. كالمستحب المبادرة بصلاة المغرب، لا بأس يعني بعد الأذان أن تصلى ركعتين، هما الركعتين المستحبة قبل المغرب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب لمن شاء»، ثم تقام الصلاة. والمستحب في القراءة بصلاة المغرب هو التخفيف، والقراءة بقصار المفصل في الغالب، القراءة بقصار المفصل في الغالب، يعني من سور القصيرة، من الضحى إلى الناس. ولا بأس بالإطالة أحيانا. فهنا يقول رافع بن خديج: «كنا نصلي المغرب مع النبي صلى الله عليه وسلم، فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله»، يعني كانوا يترامون بالنبال، بالسهام، يتعلمون الرماية قبل المغرب، فيأتي وقت المغرب فيصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يخرجون وأحدهم يبصر موقع النبل، بمعنى أن النهار ما زال موجودا، يعني لم تدخل الظلمة بعد. وهذا يدل على أنهم يبكرون ويعجلون بصلاة المغرب. الحديث الرابع عشر بعد المائتين، وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشفق الحمرة». رواه الدارقطني وصحح البيهقي وقفه. نعم، هذا الحديث أصح أنه موقوف على ابن عمر من قوله رضي الله تعالى عنه، وهو يدل على أن المراد بالشفق في حديث جابر وغيره حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق»، أن المراد به الشفق الأحمر. لأن العلم اختلف هل المراد به الشفق الأحمر أو الشفق الأبيض، والشفق الأبيض يعني يطت بقاءه أكثر من الأحمر. والصواب أن المراد الشفق الأحمر، هو قول جمهور أهل العلم، وذلك أن الشفق إذا أطلق فإنه يراد به في اللغة الأحمر، يراد به الأحمر. ويؤيد هذا قول ابن عمر هنا: «الشفق الحمرة». وابن عمر يعني من العرب، فيكون قوله حجة في بيان أن المراد بالشفق الحمرة التي تكون عند سقوط قرص الشمس. فنستفيد من هذا أن وقت المغرب من غروب الشمس حتى يغيب الشفق الأحمر، فإذا غاب الشفق الأحمر فحينئذ يدخل وقت صلاة العشاء. الحديث الخامس عشر بعد المائتين، وأن عائشة رضي الله عنها قالت: «أعتم النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة بالعشاء حتى ذهب عامة الليل، ثم خرج فصلى، وقال: إنه لوقتها، لولا أن أشق على أمتي». رواه مسلم. تخبر عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتم ذات ليلة بالعشاء، أعتم يعني تأخر، تأخر بصلاة العشاء حتى ذهب عامة الليل، يعني كثير من الليل، وليس المقصود ذهب أكثر الليل، لأن صلاة العشاء كما مر معنا إلى نصف الليل كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فقولها: «ذهب عامة الليل»، يعني كثير من الليل وليس أكثره. ثم خرج فصلى، يعني صلى بالناس في ذلك الوقت، ثم قال: «إنه لوقتها»، يعني وقت صلاة العشاء هو هذا الوقت، يعني هذا الوقت المستحب أن تؤخر صلاة العشاء. قال: «إنه لوقتها، لولا أن أشق على أمتي»، يعني لولا المشقة لأمرت بصلاة العشاء في مثل هذا الوقت، يعني تصلى في ثلث الليل الأول أو آخر ثلث الليل الأول. قال: «لولا أن أشق على أمتي»، هذا فيه مشقة، ولولا هذه المشقة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة العشاء في هذا الوقت، فدل هذا على أن المستحب في صلاة العشاء هو التأخير ما لم يشق على الناس، فإن شق على الناس صليت في أول وقتها، صليت في أول وقتها. الحديث السادس عشر بعد المائتين، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء، وهم يعتمون بالإبل». رواه مسلم. «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم»، يعني صلاة العشاء، فكانت صلاة العشاء تسمى بالعتمة. والأعراب يقولون على صلاة العشاء: «العتمة». والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا إنها العشاء»، يعني صلاة العشاء. قال: «وهم يعتمون بالإبل»، يعني يؤخرونها في الليل. ففي هذا الحديث يعني كراهة التسمية لصلاة العشاء بالعتمة، كراهة تسمية صلاة العشاء بالعتمة، وأن الأولى والأكمل أن تسمى بصلاة العشاء، أن تسمى بصلاة العشاء. الحديث السابع عشر بعد المائتين، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر». متفق عليه. ولمسلم عن عائشة رضي الله عنها نحوه. وقال: «سجدة بعد الركعة»، ثم قال: «والسجدة إنما هي الركعة». في هذا الحديث بيان أن إدراك الصلاة يكون بإدراك ركعة، إدراك الصلاة يكون بإدراك ركعة كاملة. من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، لأنه إذا طلعت الشمس انتهى وقت صلاة الصبح، فإذا أدرك الإنسان ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، أي أدرك صلاة الصبح. المراد بالركعة يعني ركعة كاملة، من قيام، والقراءة، والركوع مثلا. الإنسان تأخر عن صلاة الصبح لعذر، أنه لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها من غير عذر، إنما كان لعذر من نوم أو نسيان، فصلى وقرأ وركع، وبعد أن رفع من الركوع طلعت الشمس، أقول بهذا قد أدرك صلاة الصبح، لأنه أدرك الركوع قبل أن تطلع الشمس. وهكذا بصلاة العصر، من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، يعني أدرك وقت صلاة العصر. فدل الحديث كما سمعتم على أن إدراك وقت الصلاة يكون بإدراك ركعة كاملة، بإدراك ركعة كاملة. وحديث عائشة في مسلم: «سجدة بعد الركعة»، المراد بالسجدة الركعة، قال: «والسجدة إنما هي الركعة»، فمن أدرك أقل من ذلك لم يكن مدركا للصلاة. مثلا دخل في الصلاة وفي أثناء التشهد طلعت الشمس، هنا قد فاته الوقت، فاته وقت صلاة الصبح. أو كبر وقرأ بصلاة العصر فغربت الشمس قبل أن يركع، فهنا فاته وقت صلاة العصر، فلا يكون مدركا لوقت الصلاة إلا بإدراك ركعة كما في هذا الحديث. وهذا هو القول الصحيح في هذه المسألة. لأن بعض العلماء يقول: يدرك الصلاة بتكبيرة الإحرام، إذا أدرك تكبيرة الإحرام في الوقت أدرك الصلاة. وهذا ليس بصحيح، فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل الإدراك لوقت الصلاة يكون بإدراك ركعة كاملة. الحديث الثامن عشر بعد المائتين، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس». متفق عليه. ولفظ مسلم: «لا صلاة بعد صلاة الفجر». في هذا الحديث ينهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة بعد الصبح، وعن الصلاة بعد العصر. والمراد بالنهي عن الصلاة هنا أي صلاة النافلة المطلقة. «لا صلاة بعد الصبح»، أي ليس للمسلم أن يصلي صلاة نافلة يتقرب بها إلى الله عز وجل بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وترتفع، ويزول وقت النهي، ويزول وقت النهي، فله بعد ذلك أن يصلي. ولا كذلك أيضا أن يصلي بعد العصر حتى تغيب الشمس، يعني لا يصلي نافلة مطلقة يتقرب بها إلى الله في مثل هذا الوقت حتى تغيب الشمس ويزول وقت النهي. فهذان وقتان في هذا الحديث نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة فيهما، بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغيب الشمس. أما إذا كانت الصلاة لها سبب، إذا كانت صلاة نافلة لها سبب، كتحية المسجد، وركعتي الوضوء، وكذلك أيضا صلاة الجنازة، أو صلاة الاستخارة، أو صلاة الكسوف ونحوها، هذا من الصلوات التي لها سبب، فلا بأس أن تفعل في وقت النهي. وسيأتي شيء من الاستثناءات الدالة على جواز مثل ذلك. إذن يحمل هنا الحديث على النافلة المطلقة التي ليس لها سبب. الحديث التاسع عشر بعد المائتين، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين». أخرجه أبو داود. وفي رواية عبد الرزاق: «لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر». وحديث لابن عمر عند أبي داود فيه: أيوب بن حصين مجهول، لكن الحديث له شواهد. في هذا الحديث كذلك النهي عن الصلاة بعد الفجر إلا سجدتين، والمراد بهما ركعتا الفجر، يعني إذا طلع الفجر فهنا لا يصلي الإنسان شيء من النوافل إلا ركعتي الفجر، لا يصلي إلا ركعتي الفجر، لفعل النبي عليه الصلاة والسلام ومواظبته عليه، مع قوله عليه الصلاة والسلام: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها». أما إذا كان الإنسان مثلا يريد أن يوتر بعد طلوع الفجر، نقول: لا، قد فات وقت الوتر، اقض الوتر في النهار في وقت الضحى بعد طلوع الشمس، اقض هذا الوتر شفعا كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. لكن هل يستفاد من هذا أنه لو جاء إلى المسجد مثلا، لو أن إنسانا صلى ركعتي الفجر في البيت ثم جاء إلى المسجد والصلاة لم تقم بعد، هل يجوز له أن يصلي تحية المسجد؟ الجواب: نعم، يجوز، لأن هذه صلاة لها سبب، صلاة تحية المسجد لها سبب. والصلوات ذوات الأسباب يجوز فعلها في أوقات النهي. إنما المراد يعني النافلة المطلقة. أو كذلك صلاة الليل، فإنه ينتهي وقتها بطلوع الفجر، فلا يصلي الإنسان بعد الفجر إلا ركعتي الفجر. إذا جاء إلى المسجد ولم يركع ركعتي الفجر، يصلي ركعتين تجزئه عن تحية المسجد وعن ركعتي الفجر. الحديث العشرون بعد المائتين، ولمسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب». قال: والحكم الثاني عند الشافعي رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بسند ضعيف، وزاد: «إلا يوم الجمعة». حديث عقبة بن عامر كذلك فيه ذكر ثلاث أوقات أخرى من الأوقات التي ينهى فيها عن صلاة النافلة المطلقة. قال عقبة بن عامر: «ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن»، ومراده بالساعات يعني أوقات ثلاث أوقات. قال: «وأن نقبر فيهن موتانا»، «حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع»، يعني عند طلوع الشمس، في أثناء طلوع الشمس، هذا أيضا وقت كراهة، وقت نهي، في أثناء طلوع الشمس من الأفق، هذا وقت نهي عن الصلاة. قال: «حتى ترتفع»، ترتفع كم؟ قدر رمح، كما جاء في حديث في مسلم، جاء تقييد هذا الحديث بقدر رمح. نعم، حديث عمر بن عبسة لما جاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، فأخبره أنه إذا طلعت الشمس فأقصر عن الصلاة، فإن حينئذ تطلع بين قرني الشيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار. وأخبره: «حتى ترتفع قدر رمح»، فإذا انتفعت قدر رمح زال النهي، ولك أن تصلي بعد ذلك. طيب، هذا الوقت الأول. الوقت الثاني قال: «وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس»، يعني حين تصل الشمس إلى كبد السماء، حين تصل الشمس إلى كبد السماء، وسط السماء، وتتهيأ للزوال، هذا وقت نهي وكراهة. والعلة في ذلك، كما في حديث عمر بن عبسة، قال: «فإن حينئذ تسجر جهنم»، يعني تتوقد وتشتعل نارا. قال: «حتى تزول الشمس»، يعني إذا زالت الشمس ومالت إلى جهة الغروب، هنا ينتهي وقت الكراهة، تنتهي هذه الكراهية، فتكون قبل الزوال بنحو سبع دقائق أو عشر دقائق أو نحوها، حتى تزول الشمس ويدخل وقت الظهر. قال: «وحين تضيف الشمس للغروب»، هذا الوقت الثالث، حين تتهيأ الشمس للغروب وتبدأ في الغروب، هنا لا يجوز للمسلم أن يصلي حتى تغرب الشمس ويسقط قرص الشمس في الأفق. هذه الثلاثة الأوقات مع الوقتين في حديث أبي سعيد تصير أوقات النهي كم؟ خمسة أوقات: بعد صلاة الصبح، وعند طلوع الشمس حتى ترتفع، وبعد صلاة العصر، وعند زوال الشمس حتى تزول، وبعد صلاة العصر وعند غروب الشمس حتى تغرب. هذه خمسة أوقات هي أوقات نهي عن النافلة المطلقة. وقول هنا: «والحكم الثاني عند الشافعي رحمه الله من حديث أبي هريرة بسند ضعيف»، يعني قوله: «وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس»، هذا الحكم الثاني في حديث عقبة بن عامر. يقول: هذا الحكم الثاني جافي حديث أبي هريرة بسند ضعيف، يعني عند الإمام الشافعي في المذهب، في استثناء يوم الجمعة. وَلَفْظُهُ: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة». كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، يعني أن يوم الجمعة لا بأس أن الإنسان يصلي ولو في وقت النهي، في وقت زوال الشمس. وهذا الحديث إبراهيم بن يحيى وإسحاق بن عبد الله من أبي فروة، وهما ضعيفان. وجاء عند أبي داود من حديث أبي قتادة نحوه، بهذا المعنى: «أنها تسجر جهنم في نصف النهار إلا يوم الجمعة»، أن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة، لكن الحديث مرسل. وكذلك فيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف. لكن معنى الحديث صحيح، من حيث أنه لا بأس للمسلم أن يصلي ويتنفل في هذا الوقت، وقت الزوال، في يوم الجمعة. ويؤيد هذا ما ورد في الأحاديث، أو ثبت في الأحاديث في ترغيب النبي عليه الصلاة والسلام في الذهاب والتبكير إلى الجمعة، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك أنه يصلي المسلم حتى يأتي الخطيب، حتى يأتي الخطيب، يعني لم ينه النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في يوم الجمعة إلا إذا جاء الخطيب وبدأ في الخطبة أو سلم على الناس، وهنا ينتهي عن الصلاة. قد يتأخر الخطيب ويأتي، لا شك في الغالب يأتي بعد الزوال، فمعنى هذا أن الشمس ستزول وهو ما زال يصلي، ولم ينه النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك. فدل هذا على أنه لا بأس بصلاة النافلة في وقت الزوال يوم الجمعة. وكذلك أيضا عمل الصحابة رضوان الله عليهم، أنهم كانوا يصلون ويتنفلون في يوم الجمعة في وقت الزوال، فيكون هذا مستثنى من النهي عن الصلاة في وقت الظهيرة، أي وقت الزوال حتى تزول الشمس. الحديث الحادي والعشرون بعد المائتين، عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر، ثم دخل بيتي، وصلى ركعتين، فسألته، فقال: شغلت عن ركعتين بعد الظهر، فصليتهما الآن». قلت: «أفنقضيهما إذا فاتتا؟» قال: «لا». أخرجه أحمد، واستنكر بعضهم الزيادة في آخره. ولمسلم أن عائشة رضي الله عنها نحوه دون آخره. وقالت: «ثم أثبتهما». وكان إذا صلى صلاة أثبتها. في هذا الحديث صلى النبي صلى الله عليه وسلم العصر، ثم دخل إلى بيت أم سلمة، فصلى ركعتين، فسألته أم سلمة رضي الله عنها عن هاتين الركعتين، فقال: «شغلت عن ركعتين بعد الظهر، فصليتهما الآن». في بعض الروايات الصحيح أنه يعني وفد عليه وفد، وشغل عليه الصلاة والسلام عن صلاة ركعتين الظهر، فقضاهما بعد العصر. فقالت له: «أفنقضيهما إذا فاتتا؟» يعني إذا فاتتنا ركعتا الظهر، هل نصليهما بعد العصر كما فعلت؟ فقال: «لا». الحديث أخرجه أحمد، واستنكر جماعة من أهل العلم الزيادة، قولها: «أفنقضيهما إذا فاتتا؟» هذه اللفظة فيها نكارة. وأصل الحديث في الصحيح من غير هذه اللفظة، يعني أنه صلى ركعتين بعد العصر. وأراد المصنف من ذكر هذا الحديث أنه لا بأس بقضاء النافلة إذا فاتت في وقت النهي، لا بأس بقضاء النافلة إذا فاتت في وقت النهي، مثل ركعتين الظهر إذا شغل عنها الإنسان، هو يريد أن يصليها ومواظب عليها، لكن شغل عنها أو نسيها مثلا، فلا بأس أن يصليها بعد العصر، لفعل النبي عليه الصلاة والسلام. هذا هو الصحيح أنه يجوز أن تصلي ركعتا الظهر بعد العصر إذا شغلت عنها، لفعل النبي عليه الصلاة والسلام. وأما كون النبي صلى الله عليه وسلم استمر عليها، لأنه كان من هديه عليه الصلاة والسلام إذا فعل شيئا أثبته، إذا جاء في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يواظب على ركعتين بعد العصر، وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام. الأصل أن وقت العصر وقت نهي عن الصلاة، الأصل أنه وقت نهي. وأما كون الإنسان يقضي صلاة فائتة فاتته وشغل عنها، لا بأس بذلك، لفعل النبي عليه الصلاة والسلام، وعموم قوله عليه الصلاة والسلام: «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها حين يذكرها». فلو نسي صلاة ركعتين الظهر أو شغل عنها، لا بأس أن يصليها بعد العصر، لكن لا يتخذ ذلك سنة، يعني يصلي بعد العصر ركعتين كل يوم، لا، هذا من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال هنا: «ثم أثبتهما». قالت عائشة: «ثم أثبتهما»، يعني استمر على صلاة ركعتين بعد العصر. قال: «وكان إذا صلى صلاة أثبتها». وهذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام. الحديث الثاني والعشرون بعد المائتين، عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت، وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار». رواه الخمسة، وصححه ابن حبان. والحديث صحيح. وهذا الحديث فيه دلالة على أن صلاة ركعتين الطواف تجوز في أي وقت من الأوقات، وهذا مما يستثنى كذلك من الصلاة في وقت النهي. «لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت، وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار»، لو جاء إنسان وطاف بعد صلاة العصر، طيب هو الآن سيصلي ركعتين الطواف في وقت النهي، هل يجوز له ذلك؟ الجواب: نعم، يجوز، هذه صلاة لها سبب، سببها الطواف، سببها الطواف. وهكذا مثلا وطاف بعد الفجر، صلى الفجر ثم طاف حول البيت، فسيصلي ركعتين الطواف في وقت النهي، لا حرج عليه في ذلك، لأن هذه صلاة لها سبب، فيجوز فعلها ولو في وقت النهي. الحديث الثالث والعشرون بعد المائتين، وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها». قلت: «ثم أي؟» قال: «بر الوالدين». قلت: «ثم أي؟» قال: «الجهاد في سبيل الله». قال: «حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو استزدته لزادني». متفق عليه. في هذا الحديث بيان يعني بعض الأعمال التي يحبها الله سبحانه وتعالى، ومن أول هذه الأعمال الصلاة على وقتها، الصلاة على وقتها، أن يصلي المسلم الصلاة في وقتها الذي حدده الشرع. ومواقيت الصلاة كما مرت معنا: الفجر عند بزوغ الفجر الصادق، والظهر عند زوال الشمس، والعصر عند مصير ظل كل شيء مثله مع فيء الزوال، والمغرب عند غروب الشمس، والعشاء عند غياب الشفق الأحمر. فكون المسلم يصلي الصلاة على وقتها، ويبادر ويبكر بالصلاة في أول وقت، هذا مما يحبه الله سبحانه وتعالى، وهو الشاهد من ذكر هذا الحديث في هذا الموضع. ثم قال: قلت: «ثم أي؟» أي ما هي من الأعمال التي يحبها الله؟ قال: «بر الوالدين»، يعني الإحسان إليهما، والقيام برعايتهما وخدمتهما. قلت: «ثم أي؟» قال: «الجهاد في سبيل الله». قال: «حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو استزدته لزادني»، يعني لو سألته كذلك لزادني من بيان الأعمال التي يحبها الله سبحانه وتعالى. الشاهد قوله: «الصلاة على وقتها»، فصلاة الفريضة في وقتها المحدد شرعا هذا هو الأفضل والأكمل والأحسن الذي يحبه الله سبحانه وتعالى. الحديث الرابع والعشرون بعد المائتين، وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها». رواه الحاكم وصححه. والحديث صحيح، وصححه ابن حبان وابن خزيمة. وكذلك أيضا صححه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح أبي داود. ففي هذا الحديث قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها»، يعني المبادرة بالصلاة في أول وقتها، هذا مما يحبه الله سبحانه وتعالى. فالمستحب في صلوات الفريضة أن تصلى في أول الوقت، إلا صلاة العشاء كما سمعتم ومر معنا أنه يستحب فيها التأخير ما لم يشق على الناس. وكذلك الظهر في حال شدة الحر، فالمستحب الإبراد بها، وإلا الأصل أن تصلى في أول الوقت، ولا تنافي بين هذه الرواية ورواية الصحيحين: «الصلاة على وقتها»، فإنها تحمل على هذا المعنى، يعني الصلاة على أول وقتها، لأن وقت الصلوات يعني الذي ينبغي أن تؤدى في أول الوقت، أن تؤدى في أول الوقت. الحديث الخامس والعشرون بعد المائتين، عن أبي محذورة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أول الوقت رضوان الله، وأوسطه رحمة الله، وآخره عفو الله». أخرجه الدارقطني بسند ضعيف جدا. نعم، فيه إبراهيم بن أبي محذورة، ومطرق بن إبراهيم بن عبد الملك بن أبي محذورة عن أبيه عن جده. وإبراهيم هذا يحدث عن الثقات بالبواطيل. والحديث ضعيف لا يصح. وللترمذي من حديث ابن عمر نحوه دون الأوسط، يعني لم يذكر: «وأوسطه رحمة الله»، «أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله». وهو ضعيف أيضا. هذا الحديث لا يصح، ووقت الصلاة كله رضوان الله وعفو الله ورحمة الله، فتحديد هذه الأوقات بما ذكر في هذا الحديث لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام. طيب، هذا آخر ما يتعلق بهذا الباب، باب المواقيت، إلى هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.