شرح كتاب التوحيد 24

شرح كتاب التوحيد 24

الدرس في شرح كتاب التوحيد 24، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تحذير النبي من الرياء والشرك الأصغر

النبي صلى الله عليه وسلم حذر أصحابه من الرياء واعتبره شركًا أصغر، وهو من المحظورات المحرمة التي يجب تجنبها. الرياء قد يؤدي إلى إحباط الأعمال إذا كان متعلقًا بها.

أثر الشرك الأصغر على الأمة والفروق بينه وبين الشرك الأكبر

الشرك الأصغر لا يخرج من الإسلام، بينما الشرك الأكبر يخرج صاحبه من الدين ويستوجب الكفر. الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال، بينما الشرك الأصغر يحبط العمل المتعلق به فقط.

ختام الدرس والدعاء

الدرس ينتهي بالدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم. التأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم ويُنهي الدرس بالتوجه الديني والصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: وفي الحديث أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: الرياء. هذا الحديث أورده المؤلف رحمه الله تعالى تحت هذا الباب: باب الخوف من الشرك. وأشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى الآيات والأحاديث التي مضت وانقضت حول مضمون هذا الباب. ومما أورده المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث، وهو حديث رواه الإمام أحمد في مسنده عن محمود بن لبيد. وهذا الحديث إسناده حسن، وإنما وقع النزاع في مسألة صحبة محمود بن لبيد، هل هو من عداد الصحابة أم لا؟ فالأئمة كالإمام البخاري رحمه الله تعالى أثبتوا الصحبة، وهكذا الحفاظ كابن حجر وابن عبد البر. ولهذا حكم على هذا الحديث بالحسن، وأن هذا مما أخبر به نبينا صلى الله عليه وسلم. الشاهد من هذا الحديث، إخواني في الله، أن المؤلف أورد هذا الحديث في هذا الباب في بيان الخوف من الشرك، أن النبي صلى الله عليه وسلم خاف على الصحابة، وهم من هم رضي الله تعالى عنهم في تقواهم وما كان من أعمالهم وجهادهم وبذلهم وعطائهم، وفي سبيل تضحيتهم لحم الدين والذب عن رسولنا الأمين عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك خاف نبينا عليهم من الوقوع في شيء من مظاهر الشرك، وقال عليه الصلاة والسلام: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر». فإذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم يخاف على الصحابة، فما ظنك يا عبد الله بمن بعدهم؟ ما ظنك بحالنا وحال من هم في زماننا ونحن من الدون؟ فلا شك ولا ريب أن الواحد منا ينبغي أن يخاف، وهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى. إذا كان هذا في حق أصحاب رسول الله، خاف نبينا عليهم، فنحن كذلك ينبغي أن نخاف، وأن ترتعد فرائصنا من الوقوع في شيء من مظاهر الشرك، علمنا بذلك أو لم نعلم. وأيضًا في هذا الحديث فائدة في قوله عليه الصلاة والسلام: «الرياء»، بيان أن الرياء من المحظورات المحرمة، وأنه من الشرك، وكما جاء مصرحًا به أنه من الشرك الأصغر. والرياء مشتق من الرؤيا، وهذا الداء هو أن تؤدي عبادة من العبادات وأنت تتقصد رؤية الناس، تؤدي عبادة من العبادات كصلاة، كصيام، كزكاة، كفعل للخيرات، وأنت تتقصد وتتعمد في عملك هذا أنك تلفت أنظار الناس لكي ينظروا إليك، ثم بعد ذلك بعد هذه الرؤية تريد منهم الثناء، تريد منهم المديح، تريد منهم الإعظام، الإجلال، إلى غير ذلك من حظوظ النفس. فهذا الفعل عده نبينا صلى الله عليه وسلم من الشرك الأصغر. فهذا فيه التحذير، إخواني في الله، من هذا الداء والذي يبتل به بعض الناس ممن وفقهم الله للطاعات والعبادات، فلا زالت نفسه تدافعه على أنه يحرص على أن يلتفت يمنة ويسرة: هل أحد ينظر؟ هل أحد ينظر أم لا؟ فإن وجد أنظار الناس تلتفت إليه أحسن في العبادة والطاعة، وإلا فلربما لم يهتم بإتقانها ولا بفعلها على أحسن وجوهها. وسيأتي معنا في كلام المؤلف رحمه الله تعالى في أواخر كتاب التوحيد ما يتعلق بهذا الفصل حول من عمل عملاً أراد به الدنيا أو أراد به الرياء والسمعة. وهذا الحديث، إخواني في الله، كذلك من فوائده أن ما كان يمت بالشرك بصلة وجب أن تخاف منه. لماذا نبينا عليه الصلاة والسلام ذكر الرياء من سائر الذنوب والمعاصي؟ ذكرها نبينا وأشار إلى خوفه من أصحابه عليها، لما كان فيها من ارتباط بالشرك، عبر عنه بالشرك الأصغر. فدل ذلك على أن ما كان له صلة بشيء من أنواع الشرك القولي الفعلي الاعتقادي، أصغر أو أكبر، ظاهر أو باطن، عليك أن تخشاه، بل تجعله الأولوية في الخوف منه. كل ما يمت للشرك بصلة. من فوائد هذا الحديث كذلك، إخواني في الله، إذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم يخاف على أصحابه من الشرك الأصغر، فما ظنك بحاله من خوف على أمته من الشرك الأكبر؟ فهو أعظم، فهو أعظم وأكبر. فنبينا صلى الله عليه وسلم حريص على أمته، بل مثل نفسه كما جاء في الصحيح: «ما مثلي ومثلكم إلا كمثل رجل استوقد نارًا، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار». فأخبر نبينا عليه الصلاة والسلام أنه حريص على أمته، فإذا كان حرصه على أن لا نقع في الشرك الأصغر، فما ظنك يا عبد الله بالشرك الأكبر؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم يخاف ويخشى على أمته أعظم وأكثر. في هذا الحديث كذلك من الفوائد التفريق، أو قل: فيه بيان على أن من الشرك ما هو أصغر. وهذه اللفظة تشعر أن من الشرك ما هو أكبر. وهذا الذي عليه العلماء، على أن الشرك ينقسم إلى قسمين: إلى شرك أكبر، وإلى شرك أصغر. ولا تبالي، عبد الله، بمن يشغب على أهل السنة في هذه القسمة، بل هذه قسمة شرعية، بما أن النبي صلى الله عليه وسلم صرح بالشرك الأصغر، دل على أن هناك ما يقابله وهو الشرك الأكبر. وهذا الذي عليه العلماء وعليه الأئمة. إلا أن العلماء ذكروا فوارق، وهذا الذي ينبغي أن يتنبه ويتأمل فيه على الفوارق بين الشرك الأكبر والأصغر. فليس الأمر، عباد الله، عبارة عن اسم أو مسمى، بل عبارة عن أحكام تبنى على التفريق بين الشركين. ولهذا وجب على الإنسان أن يفرق بينهما. ولسنا في مقام ذكر الضوابط، لكن في هذا المقام في ذكر الأحكام المتعلقة بمن يرتكب الشرك الأكبر ومن يرتكب الشرك الأصغر. فمن الفوارق قال العلماء: أن من وقع في الشرك الأكبر فإنه يخلد في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها. وأما الشرك الأصغر، ومنه الرياء، ويدخل في ذلك بعض الأمور، سيأتي في حينها، كلبس الحلقة أو الخاتم لمن لا يعتقد فيها، أو من تكلم ببعض الألفاظ: «ما شاء الله وشئت»، إلى غير ذلك. سيأتي معنا أن من وقع في الشرك الأصغر وابتلي به فإنه لا يخلد في نار جهنم، فإنما التخليد لمن ابتلي بالشرك الأكبر. من الفوارق كذلك أن الشرك الأكبر يخرج من الدين والملة، يخرج من الدين والملة، بخلاف من وقع في الشرك الأصغر فإنه لا يزال في رحاب الإسلام، فهو يعد من المسلمين، لم يكفر ولم يشرك بالله. كذلك من الفوارق أن الشرك الأكبر به تستباح الدماء والأموال، أمرت أن أقاتل الناس، تستباح الدماء والأموال في حق من كفر بالله ووقع في الشرك الأكبر. لكن من وقع في الشرك الأصغر فإنه لا يباح دمه ولا يباح ماله. كذلك من الفوارق بين الشرك الأكبر والأصغر أن الشرك الأكبر يوجب العداوة في الدين، يوجب العداوة في الدين، قد بدت البغضاء بيننا وبين الكفار، لا مهادنة ولا مداهنة، وإنما العداوة والبغضاء إلى يوم الدين. لكن في حق الشرك الأصغر لا، ليس هناك العداوة والبغضاء، وإنما يوالى ويعادى في حقه على قدر ذنبه. فالمسلم يوالى ويعادى على قدر ذنبه، ومنه تلك الذنوب العظام: الرياء وهكذا. قل: باقي ما يتعلق بأنواع وصور الشرك الأصغر. كذلك من الفوارق ما ذكره العلماء أن الشرك الأكبر يحبط جميع الأعمال، «وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا». وهل هذا يقال في الشرك الأصغر؟ الجواب: لا. فالشرك الأصغر لا يحبط جميع الأعمال، لكن يحبط العمل الذي وقع فيه الشرك الأصغر، مثل الرياء. مثل الرياء: رجل مرائي، رجل مرائي يرائي في صلاته، يرائي في شيء من طاعاته، فهذا من الشرك الأصغر. وهذا في حق من يرائي في بعض أعماله. لأن الرياء يقسم العلماء إلى قسمين: إلى رياء المنافق، وإلى رياء المسلم. رياء المنافق وهو الذي يرائي في كل أعماله، وهذا لا يكاد يصدر من مسلم قط، لا يكاد يصدر من مسلم قط أنه يرائي بكل أعماله: يصلي طلبًا للناس، يصوم، يذكر الله، يتنفل، ما يفعل عملًا صالحًا إلا والإرادة لما عند الناس من الثناء وطلبًا للرياء. هذا ما يصدر من مسلم، هذا نفاق، وهذا كم يسميه العلماء: رياء كفري، وهو من الأسباب التي جعلت المنافقين في الدرك الأسفل من النار. لكن الرياء المتوقع من أهل الإسلام، من يرائي في بعض أعماله، يرائي في بعض أعماله. فالمرائي المسلم إذا راءى في بعض أعماله، فإن العمل الذي تلبس به بالرياء فإنه يحبط. وهل يحبط كل العمل أو شيء من العمل؟ على تفصيل بين العلماء. ومن أهل العلم من يرى أن العمل الصالح إذا بدئ بالرياء فإنه يهدم. وأما إن دخله الرياء، فإن القدر الزائد يهدم. وهذه التفاصيل سيأتي إن شاء الله في حينها. الشاهد من هذا الكلام، إخواني في الله، أن من الفوارق بين الشرك الأكبر والأصغر ما يتعلق بحق الأعمال، فإن الأكبر يحبط جميع الأعمال، بخلاف الأصغر كالرياء، فإنما يحبط العمل الذي لابسه الرياء. وأخيرًا، سادسًا من الفوارق أن الشرك الأكبر لا يغفره الله، وأما الشرك الأصغر فعلى الصحيح من أقوال أهل العلم أنه تحت المغفرة، إن شاء الله عذب صاحبه، وإن شاء غفر له. فهذا، إخواني في الله، ما يذكر في هذا الحديث العظيم، والذي أورده المؤلف رحمه الله تعالى في بيانه أن أخوف ما يخاف عليه نبينا على أمته وعلى أصحابه بالذات ما يكون من الشرك الأصغر، ألا وهو الرياء. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.