كتاب الصلاة 32

الدرس في كتاب الصلاة 32، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شروط صحة إمامة الصلاة وأثر الجهل عليها

يشترط لصحة إمامة الصلاة ألا يكون الإمام محدثا أو متنجسا وأن يحسن قراءة الفاتحة. إذا كان الإمام أو المأموم جاهلا بحالة الإمام، تصح صلاة المأموم بينما يعيد الإمام إذا كان على غير وضوء.

كراهة إمامة بعض الأشخاص لصلاتهم أو أخلاقهم

تُكره إمامة من لديهم خلل في صلاتهم مثل اللحان والفأفأ والتمتام، أو من لديهم مشاكل أخلاقية مثل ولد الزنا والجندي. يُستند في ذلك إلى أحاديث نبوية وأقوال العلماء.

أحكام إمامة الصلاة في حالات مختلفة والاقتداء بفرائض مختلفة

يُبيّن المذهب الشافعي وأحد الروايات عن أحمد جواز الاقتداء في الصلاة حتى مع اختلاف الفرضية أو النفل، ويشمل ذلك حالات اقتداء المتنفل بالمفترض أو العكس، أو اقتداء من يصلي فرضًا مختلفًا.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وَلَا تَصَحُّ خَلْفَ مُحْدِثٍ وَلَا مُتَنَجِّسٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَإِنْ جَهِلَ هُوَ وَالْمَأْمُومُ حَتَّى أَنْقَضَتْ صَحَّتْ لِمَأْمُومٍ وَحْدَهُ». قلنا: إنه إذا كان المأموم يعلم علم اليقين أن إمامه محدث، فهنا صلاة غير صحيحة، لا صلى معه؛ لأنه يعرف أن صلاته باطلة. وأما إن كان قد جهل المأموم، فالصلاة للمأموم صحيحة. كذلك الإمام إن كان جاهلا أيضا، معنى الصلاة للمأموم صحيحة. وأما صلاة الإمام فهو يعيد، لابد أن يعيد الصلاة؛ لأنه صلى بغير وضوء. قال: «ولا إمامة الأم وهو من لا يحسن الفاتحة أو يضغم فيها ما لا يضغم أو يبدل حرفا أو يلحن فيها لحنا يحيل المعنى إلا بمثله، وإن قدر على إصلاحه لم تصح صلاته». هذه مسألة الأمي الذي لا يحسن الفاتحة. فإن كان يخل بمعناها، فصلاته معنى لا يصلى خلفه، حتى وإن قلنا أن صلاته صحيحة. لكن الأصل أن من أخلى بالمعنى، فصلاته غير صحيحة، ويجب عليه أن يتعلم الفاتحة حتى تستقيم، أو يستقيم حتى يستقيم قراءتها. إذا كان المعنى، أو إذا كان هذا الخطأ في الفاتحة لا يغير معنى، فصلاته صحيحة، صلاته صحيحة. والأصل أن من صحت صلاته، صحت إمامته. لكن لا شك أن الأفضل والأولى أن يقدم غيره. أن بعض الناس تجد عنده خطأ في أصل القراءة، أن لا يقرأ خطأ. وبعضهم تجد من أصل لغته مثل من يبدل الضاد ظاء، يقول «ولا الضالين» هذا تجد من أصل لغته. وقد صرح أكثر العلماء بالبعض، ذكر إجماعا على ذلك، لكن ليس فيه إجماع على أن قراءته صحيحة، وصلاته صحيحة. كذلك أيضا مسألة من يفصح القاف ومن لا يفصحها، مثلا يقول «مستقيم» أو «مستقيم»، أنا مثل لهجة التي عندنا يقولون «مستقيم» دين «الصراط المستقيم»، فهل هذا يؤثر؟ الظاهر أنه لا يؤثر، كما ذكر ابن قدامة رحمه الله أن أكثر العلماء على أنه لا يؤثر في القراءة؛ لأن مسألة الإفصاح وعدم الإفصاح قد يكون لهجات أحيانا. ولهذا يقول بعض الباحثين أن هذه لغة قديمة، لكن وإن كانت لغة قديمة فهي غير معروفة عند العرب. وغالبا أن القاف لابد أن تكون فصيحة. وأيضا مسألة دغم ما لا يضغم، إن كان فيه اختزال بعض الحروف أو إخفائها، فهذا قد يؤثر على المعنى. هذا قد يؤثر على المعنى، وهو أحيانا زيادة حروف. أن بعضهم تجده يشبع الياء في بداية «إهدنا» فيقول «يهدنا صراط المستقيم»، يعني يقول «يهدنا» بدل ما يقول «اهدنا»، يقول «يهدنا»، معنى يجعل بدل الهمزة «يهدنا الصراط المستقيم»، غير ذلك من هذه الأمور التي قد تغير المعنى. وأيضا زيادة الأحرف إذا كانت أيضا تغير معنى، لا يجوز أن يصلى خلف مثل هذا. فإن عذر مثلا هو نفسه، لكن أن يصلى خلفه خطأ؛ لأن صلاته غير صحيحة أصلا، أن صلاته يحكم عليها غير صحيحة. معنى لو قال: كيف تقولون من صحت صلاته صحت إمامته؟ فنحن ما نقول أن مثل هذا صحت صلاته، صلاته غير صحيحة. لكن قد يقبلها الله لعذر، إما مثلا لأنه جاهل يعيش مثلا في بادية، أو أنه لحجته هكذا تدخل الحروف بعضها وبعض، أو غير ذلك من هذه الأعذار. قال: «ويكره إمامة اللحان والفأفأ والتمتام ومن لا يفصح بعض الحروف». معنى إمامة اللحان الذي يلحن في الكلام، وخاصة إذا كان في الفاتحة أو حتى في غيرها، يعني يكره إمامته؛ لأنه لا يقيم القراءة صحيحة. والفأفأ والفأفأ، الفأفأ هذا الذي يضع الفأ في كل الكلمات، على الغالب تجد أنه يبدل بعض الحروف إلى فأ، وبعضهم إلى تأ أو ثأ مثلا. مثلاً بعضهم يقول «سيمر»، مثلا يقول «سيمر»، يجعل السين ثاء والشين ثاء. وأيضا تجد أحرفا كثيرة يجعلها ثاء أو تاء، فيسمى التمتام والفأفأ أيضا مثله، وهو الذي يقدم الفأ دائما في كلامه. قال: «ومن لا يفصح ببعض الحروف»، أنا تكره إمامته؛ لأن قراءته فيها شيء. «وأن يأم أجنبية»، وأن يأم أجنبية فأكثر، لا رجلاً معهن أو قوما أكثرهم، يكرهه بحق أن يأم أجنبية فأكثر، معنى أجنبية أي امرأة، أن يأم امرأة أجنبية تصلي معه. ولا شك أن هذا أولا خلوة لا تجوز إذا كانت واحدة. وإن كانت أكثر، فالظاهر أنه لا دليل على عدم جوازه، على عدم جواز ذلك إن كان ليس هناك ريبة، فلا بأس أنه يأم أجنبيات إذا لم تكن هناك خلوة. قاله: «قوما أكثرهم يكرهه بحق». والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «صلاة ثلاثة لا يقبل الله صلاتهم أو لا ترفع صلاتهم»، وذكر منهم «إمام قوم وهم له كارهون»، إمام قوم وهم له كارهون. وهنا قال: «يكرهه بحق»، لابد أنهم يكرهونه لأمور شرعية. أما كان يكرهونه لأجل إقامته بالسنة، أو يكرهونه لأنه على استقامة، فهذا ليس كره شرعي. كره شرعي أما كانوا يكرهونه بحق لأنه رجل فاسق، أو لأنه يطيل كثيرا على الناس ولا يبالي بالناس، وعنده أمور غير شرعية، فهذا كراهة عقلي. أو أن أخلاقه سيئة في معاملة الناس، مثل بعض الناس، إما تجد مثلا يأم الناس لكن أخلاقه مسيئة في التعامل، فتجد أكثر الناس يكرهونه، فهذا يدخل في ذلك. أما إذا كانت الكراهة شرعية لأجل إقامته السنة، وهم مثلا أهل بدع أو أهل خرافات، أو أنهم لا يحبون السنة، فهذه الكراهة غير شرعية. قال: «وتصح إمامة ولد الزنا والجندي إذا سلم دينهما، ومن يؤدي الصلاة بمن يقضيها وعكسه». لصح إمامة ولد الزنا؛ لأنه لا دخل له في فعل والديه. ولهذا قال في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولد الزنا شر الثلاثة»، قال العلماء: إذا عمل بعمل والديه، شر ولد الزنا شر الثلاثة. لكن متى يكون شر الثلاثة؟ إذا عمل بعمل والديه. أما إذا ابتعد عن هذا الفعل، وصار رجلا مستقيماً، فلا ذنب له، هو لا ذنب له. فلهذا تصح إمامته إن سلم دينهما. والجندي؛ لأن الجند غالبا يكونون ظلمة، يضربون الناس ويقتلون بغير حق. ولهذا ذكر هنا الجندي إذا سلم دينهما، إذا كان من أهل الاستقامة وأهل الصلاح، فلا بأس أن يقدم. قال: «ومن يؤدي الصلاة بمن يقضيها»، أنا يؤدي الصلاة صلاة الفجر، وإنسان يريد أن يقضي صلاة الفجر، أو إنسان يصلي صلاة الظهر، وآخر يقضي الظهر، فلا بأس بذلك. «وعكسه»، أي الصلاة المفترض أو صلاة المؤدي بصلاة الذي يقضي، صلاة الذي يؤدي الصلاة بالصلاة الذي يقضي، وكله جائز. وكله جائز أن يصلي الشخص أداء فيكون إماما بمن يقضي، أو أن يقضي يصلي إماما بمن يؤدي، ولا فرق في ذلك. وقد أجاز النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون إماما مثل ما جاء في حديث معاذ، وكذلك في حديث ابن عباس، قال: «من يتصدق على هذا فيصلي معه»، فكل هذا جائز. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن والله ما صليناها»، فيجوز أن يصلي من يصلي الأداء بمن يصلي القضاء. قال: «لا مفترض بمتنفل، ولا من يصلي الظهر بمن يصلي العصر أو غيرها». والصحيح هو الجواز، وهو مذهب الشافعي رحمه الله، على أنه يجوز اليوم المفترض بمتنفل، أقصد المفترض يكون مأموما، والمتنفل يكون إماما. وهذا يدل عليه حديث معاذ، أنه كان يصلي متنفلا، يصلي متنفلا والناس يصلون خلفه مفترضين. والعكس أيضا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «صلي معهم الصلاة أو صلي الصلاة لوقتها، ثم صلي معهم؛ فإنها لك نافلة»، فأجاز صلاة المتنفل خلف المفترض. فكل الأمرين يجوز: صلاة المتنفل بالمفترض، وصلاة المفترض بالمتنفل. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من يتصدق على هذا»، لم يأت من هو الذي يأم، هل هذا هل المفترض أو المتنفل؟ فإن قال: «من يتصدق على هذا فيصلي معه»، فالأدلة تدل على جواز الصلاة للمفترض خلف المتنفل، والعكس أيضا. قال: «ولا من يصلي الظهر بمن يصلي العصر». وصحيح جوازه لعدم الدليل على المنع، واختلاف واختلاف النية قد جاء ما يدل على ذلك، كما ذكرنا لحديث وغيرها في اختلاف النيات لا يؤثر على الصلاة، ولا يؤثر على الاقتداء. وإنما يؤثر على الاقتداء إذا كان هناك خلاف الظاهر. أما اختلاف النيات فقد جاءت الأدلة بجوازه. ولهذا مذهب الشافعي رحمه الله بجواز مثل هذه، وهي رواية عن أحمد أيضا مشهورة، اختارها شيخ الإسلام وابن القيم وغيرهم من أئمة الإسلام، على أنه يجوز مثل هذا، سواء كان صلاة مفترض بمتنفل، أو متنفل بمفترض، أو من يصلي فرض يعني يقتدي بمن يصلي فرضا آخر، هذا كله جائز.